الشّغل والتّشاغل، والتّعمير والتّدمير (2 تس 7 -11، لوقا 21 : 5-19)
الأب بيتر مدروس
الشّغل والتّشاغل، والتّعمير والتّدمير (2 تس 7 -11، لوقا 21 : 5-19)
يقدّم رسول الأمم الإناء المختار بولس ذاته وسائر الرّسل قدوةً حسنة في كلّ شيء، لا سيّما في العمل الجادّ. وقد سمع الدّاعي أكثر من مرّة من أتباع بدع حديثة مُحدثة انتقاداً يصوّر الكهنة “عالة على النّاس، متطفّلين يأكلون مال اليتامى والارامل”. تدلّ هذه التعميمات الجائرة ليس فقط على حقد عميق (هو مخالف للألف باء من المسيحيّة!) بل أيضاً عن جهل بتاريخ الكنيسة ، في العالم عامّة وفي كلّ الشّرق بشكل أكثر خصوصيّة. كما أنّ المؤمنين ليسوا مُجبرين (خصوصاً في أوضاعنا وبلادنا “التّاعسة” !) أن يتبرّعوا لنا بالأموال (بخلاف الدعاة الأمريكيين المليونيريين “الفقراء دوماً”!) فالحمد لله للكرسي الرسولي ولبطريركيّاتنا ومطرانيّاتنا – ولرهبناتنا – نحن لسنا بحاجة إلى أحد أو شيء! وإذا قدّم لنا أحد شيئاً طوعاً لا كرهاً، نحن على يقين بنعمة الله أنّنا نقدّم لسواه أي للمعوزين أربعة أضعاف، ناهيكم عن الخدمات الروحانيّة التي لا تُقدّر بثمن (عند الذين يفهمون ويقدّرون)، والتي لا نطلب مقابلها شيئاً إلاّ ما ندر للنفقات الرّسميّة.
ولا يريد المرء أن يفتح هنا باب الملامة في شأن الأفراح والأتراح في بعض رعايانا: حيث ينفق أهل العروس (والكلمة مذكّرة هنا) أو الفقيد (ولعلّ العروس أحياناً فقيد!) مئات الآلاف من الدّنانير أو ما يقابلها على الزّينة والورد (غير المطاعم) ويبخلون على الكنيسة بأبسط نفقات الكهرباء…
ننتقل بسرعة البرق إلى نقد من رسول الأمم لقوم ” لا شغل لهم سوى أنّهم بكلّ شيء متشاغلون”. ولا يسعنا إلاّ أن نُعجَب بالناقل الماهر المتبحّر في لسان العرب والمميّز بين “الشّغل” و”التشاغل” ، وهو صدى لتلاعب بين اللفظتَين في الأصل اليونانيّ εργαζομενους, περιεργαζομενους. البشر المشار إليهم موجودون في أيّامنا وبلادنا أيضاً، ويمكن وصف كلّ منهم – مع الاحترام – ب “فاضي مشغول” و “الفاضي بيعمل قاضي”. من جهة أخرى نتألّم مع العاطلين عن العمل لا كسلاً بل بسبب سوء الأحوال الاقتصاديّة من حصار أو احتلال أو فساد وما إلى ذلك. وفي هذا المضمار تسعى الكنيسة ولا سيّما الكاثوليكية منذ قرون إلى إعطاء النّاس فرص عمل، ولا سيّما في مدارسها وجامعاتها ومستشفياتها وسائر مؤسساتها من تربويّة وخيريّة. وقد كانت السّباقة في كلّ هذه الميادين الخيّرة النّيّرة.
وفي منطقة حلب مؤخّراً ، يبدو أنّ نحو مئتي مصنع للمسيحيين تمّ تدميرها بفتوى قاضية بإحلال أموال النصارى ونسائهم بذريعة أنهم “حملوا السّلاح”، بحيث صار ممنوعاً على المسيحيين حتّى الدّفاع المشروع عن النفس!
“خرَبان بيت”: تدمير البيوت
في حين يشكو الكثيرون من المواطنين وبينهم المسيحيين من حوادث الاغتيال والقتل والإبادات الجماعيّة، نشكو نحن في فلسطين من البناء غير المشروع لللمستوطنات، بخلاف الشرعيّة الدوليّة، ومن التدمير المنهجي لمنازل الفلسطينيين. وتعمّد المرء هنا استخدام العبارة العامّيّة “خرَبان بيت” بالمعنى المعروف لأنّها تقبل لفظيّاً عبارة كنعانيّة عبريّة يستخدمها قوم موسى للإشارة إلى دمار الهيكل! فها أنهم بذريعة “خربان بيتهم” يخربون بيوت الربوات من العرب العزّل، وذلك منذ نحو أربعة وستّين عاماً.
وكان السّيّد له المجد قد تنبّأ بدمار الهيكل السّليمانيّ الزوروبابليّ. ولا نصدّقنّ زعم بعض “المفكّرين” أنّ تلك النصوص في الأناجيل الإزائية، أي نبوات تدمير الهيكل حسب متّى ومرقس ولوقا زيدت لاحقاً بعد سنة 70 م. فالنبوّة الرّبانيّة ما زالت تتحقّق حتّى في أيّامنا، وما زال الهيكل أنقاضاً حتّى بعد أكثر من أربعين عاماَ على السّيطرة العسكريّة العبريّة على القدس الشّرقيّة العربيّة الفلسطينيّة المسيحيّة الإسلاميّة.
ويلفت النّظر أنّ نبوّات الرب يسوع عن دمار مدن بحيرة طبريّا (منها كفرناحوم وكورازين وبيت صيدا) سارية حتى أيّامنا، مع كلّ البنيان الاستيطانيّ… (الذي تمدحه كتابات نفر كثير من المعمدانيين ولا سيّما الأمريكيين ، مثلا في كتاب “ثقتي في التوراة والإنجيل” ص 131).
وما زال الآلاف من المعمدانيين وسواهم يتبرّعون بمئات الآلاف من الدولارات ومقابلها من العملات في سبيل إعادة بناء الهيكل، ولعلّهم في ذلك أكثر يهوديّة من اليهود المتشدّدين الذين يخافون أن يفعلوا لاعتقادهم أنّ الماشياح (المسيح) المنتظر هو صاحب الحقّ وحده في إعادة تعمير الهيكل.
عبرة روحانية
هيكل الله الذي لا ييستطيع أحد إلى تدميره سبيلاً هو أجسادنا ونفوسنا المكرّسة لله بالمعمودية والميرون والقربان الأقدس. فلنقدّسنّ الله ونمجّده في أجسادنا (عن 1 قور 6: 11ثمّ 20) !