الصوم بحسب أباء الكنيسة
آباء الكنيسة
أقوال في الصوم للقديس باسيليوس الكبير (330- 379)
“إنَّكَ رُبَّما لا تأكُل لحمًا لكنَّك تنهشُ أخاكَ، إنَّكَ تمتنِعُ عن شُربِ الخمر ولكنَّكَ لا تُلجِم الشهواتِ الحمراء التي تلتَهِبُ في نفسِكَ… “الويلُ للذينَ تُسكِرُهم الشهوة وليس الخمر (أشعيا 51: 21)”.
“لا ترتجِف ولا تخف من الصوم. ألا يحتاج جسدُكَ إلى دواء؟ كذلكَ نفسُكَ هي بحاجةٍ أحيانًا إلى دواء. فالصوم هو دواءُ النَّفْس للتخلُّص من الخطيئة. إنَّ الخطيئة هي الجُرحُ الذي أصابَ الطبيعة البشرية حينَ خالَفَ آدمَ أمرَ الرَّبِّ في مبادىء الخليقة. ولا دواءَ يشفي الإنسان من الخطيئة إلاَّ التوبة والإرتداد إلى الله”.
“الإمتناع عن الأكل فقط هو حطٌّ لكرامَةِ الصوم. المطلوب في الصوم ليس الإمتناع بواسطة الفم بل بواسطة العيون والآذان والأيدي وكل الجسم. نصوم بالأيدي بالطهارة والإبتعاد عن السرقة، والأرجُل بالإبتعاد عن المشاهِد المُحرَّمة، والعيون بالإمتناع عن النظر إلى أيِّ شيءٍ يُغري”.
“ما معنى أن ننقطع عن أكل اللحم ونحن لا ننقطع عن أكل لحم قريبِنا بالنَّميمَة والغيبة؟ وما معنى أن نصومَ عن الأكل ونحن لا ننقطعُ عن الأفكارِ الرديئة والزنى والحِقدِ والبُغض؟”.
“الصوم بالحقيقة هو رياضة المُصارعين من أجلِ نيل الظفر بالغلَبَة في الجِهادِ ضدَّ الشهوة واللَّذَّات، وهو زينةُ الكهنة وسلاحَهُم ضِدَّ أعداءِ الخير”.
“إنَّ الصومَ الحقيقي هو الإمتناعً عن كُلِّ رذيلة: “أبعِدوا عن كُلِّ إثم” (أشعيا 8: 5)”.
“لا تصوموا لكي تُخاصِموا، وتترافعوا لدى المحاكِم…”.
“إنَّ الصومَ هو الذي يقودُ القدِّيسينَ إلى الحياةِ معَ الله”.
“إنَّ الصومَ هو جناحُ الصلاةِ لترتَفِعَ إلى السماءِ وتختَرِقُ إلى عرشِ الله… هو عِمادُ البيوت، حاضِنُ الصِّحَّة، ومُعلِّمُ الشباب، وزينةُ الشُّيوخ، وصديقُ الأرواح”.
“قد تكون هناكَ أشياء كثيرة ليس فيها خطيئة ومع ذلكَ يجبُ أن نتنسَّكَ عنها إذا كان في ذلكَ رِبحٌ لنا وللآخرين. “إذا كان الطعام يُشكِّكُ أخي فلن آكُلَ اللَّحمَ إلى الأبد (1قورنتس 8: 13). “حَسَنٌ أن لا تأكُلَ لحمًا ولا تشرَبُ خمراً أو شيئًا يُشَكِّكَ أخاكَ أو يُعثرُ أو يُضعِف” (رومة 14: 21)”.
“راعي ألاّ يقتصر صيامك على الإِمتناع عن اللحوم. إنَّ الصِّيام الحقيقي هو تَجَنُّبُ الرَّذيلة. مَزِّقْ كُلَّ عقودِكَ الظالِمة إلى قطعٍ صغيرة. إغْفِرْ للقريب. سامِحهُم عن تَعدِّياتِهم”.
…………………
الصوم في أقوال القديس غريغوريوس النيصي 335-395
القديس غريغوريوس النيصي 335- 395
“كُن كريمًا مع هؤلاءِ الإِخوة، ضحايا الشَّدائِد. أَعطِ الجائِعَ ما تطرحُهُ عَن بَطنِكَ”.
“لا تُفَكِّروا بأَنَّ كُلَّ شيءٍ هو لَكُم! يَجِبُ أَنْ يكونَ هناكَ جزءٌ أَيضًا لِلفقَراء، أَصدقاءُ الله. في الحقيقة، بالفِعل، كلُّ شيءٍ يأتي مِن لَدُنِ الله، الأَبُ الكوني، وإِنَّنا إِخوةٌ، ونَنْتَمي لِلذُّرِّيَّةِ نَفْسِها”.
“ولكن ماذا يَنْفَعُكَ أَنْ تَصومَ وتَحْرِمَ نَفْسَكَ من اللُّحومِ، إِنْ كنتَ بَعدَ ذلِكَ كُلِّهِ لا تَقومُ سِوى بِنَهشِ أَخيكَ بدناءَتِكَ؟ أَيُّ فائِدَةٍ تَجني، أَمامَ اللهِ، مِن عَدَمِ أَكْلِكَ مِمَّا هو لَكَ، إِنْ كانَ بَعدَ هذا، وبِتَصَرُّفٍ غيرِ عادِلٍ، تَنْتَزِعُ مِن يَدِ الفَقيرِ ما هو لَه؟”.
“كُن كريمًا مع هؤلاء الإخوة، ضحايا الشدائد. أعطِ الجائع ما تطرحه عن بطنك”.
…………………
الصوم الذي يُرضي الرب في فكرِ كيارا لوبيك
“الصوم هو محبة القريب”.
يُفَضِّلُ اللهُ المواظبة على الصوم مقرونة بمحبة القريب، فهو يقول بلسان أشعيا:
“نادِ بملء فمك ولا تُمسِك، إرفع صوتك كالبوق وأخبر شعبي بمعصيته. إنكم للخصومة والمشاجرة تصومون ولتضربوا بكلمة الشر. لا تصوموا كاليوم. لتسمعوا أصواتكم في العلاء أهكذا يكون الصوم الذي فضّلته، اليوم الذي يعذّب فيه الإنسان نفسه. أإذا حنى رأسه بالقصب وافترش المِسح والرماد، نسمي ذلك صوماّ ويوماً مرضياً للرب؟ أليس الصوم الذي فضّلته هو هذا: حلُّ قيود الشر وفك رُبُط النير وإطلاق المسحوقين أحراراً. وتحطيم كل نير؟ أليس هو أن تكسر للجائع خبزك وإن تُدخِلَ البائسين المطرودين بيتَك وإذا رأيت العريان أن تكسوه. وان لا تتوارى عن لحمك؟ … حينئذٍ تدعو فيستجيب الرب وتستغيث فيقول: هاءنذا”. (أشعيا 1:58-9).
وبعد أن ينتقد اشعيا بكل هذه القساوة ما يُرتكب من تجاوزات خلال أيام الصوم، يُنتظر منه أن يثبّت قدسية هذه الطقوس. ولكن ما يحدث هو العكس. فهو لا يدين العبادة نفسها، بل يرفض الممارسات الطقسية ( كالامانة وأحناء الرأس وٱستعمال المسح والرماد إلخ…) رفضاً قاطعاً. فالصوم الذي يرضي الرب يقوم على تقديم الأعمال للإنسان بدلاً من تقديمها لله، فبها يُميت الإنسان نفسه حقاً، ويقدِّم لله نوعاً من الصوم.
ومن بين الأعمال المختلفة الواجبة، عمل واحد يرضي الله بشكل خاص وهو فك قيود، والتحرير من الظلم. فتجربة المنفى والعبودية في مصر ثم التحرير الذي حققه الله جعلت شعب إسرائيل يقدّر ماهية الحرية.
وأما الأفعال الأخرى التي يعدِّدها أشعيا، فهي تصرفات تقليدية في مساعدة المحتاجين. وهنا نستعرض حشداّ من أدنى الطبقات الاجتماعية كالمحرومين وحثالة الناس والعبيد والأسرى والجياع والمشردين والبؤساء. إنها لوحة تشبه لوحة الدينونة (راجع متى35:25). فالله يدعو إلى إغاثة كل فرد وإلى عدم ” التواري أمام مَن هو مِن لحمك” وذلك يعني حرفياً: لاتختبىء ولا تشُح بنظرك ( متظاهراً بعدم الرؤية. راجع تثنية الإشتراع 1:22) عن لحمك، أي عمنّ هو من لحمك. ويمكن تفسير هذا التعبير وكأنه موجّه إلى كل إنسان، وليس إلى أفراد الوطن الواحد فحسب، كما كان العبرانيون يفهمونه عامة (راجع سفر أيوب 35:31).
كم هي جميلة هذه الآيات من سفر أيوب: ” لأني كنت أُنجِّي المسكين المستغيث واليتيم الذي لا معين له فتحلُّ عليَّ بركة المائت وأجعل قلب الأرملة يتهلل. …كنت عيناً للأعمى ورجلاً للإعرج وكنت أباً للمساكين أستقصي قضية من لم أعرفه” (سفر أيوب 12:29-13؛ 15-16).
فإذا مارسنا كل ما يسمى ” الصوم الذي يرضي الرب” تحققت البركات.
…………………
الصوم في أقوال البابا بندكتوس 1927…
“الإيمان بالمحبَّة، يصنع محبَّة”
التأمل في العَلاقة بين الإيمان والمحبّة: بين الإيمانِ بالله، بربِّ يسوعَ المسيح، وبين المحبِّة، والتي هي ثمرة عمل الرُّوحِ القدس والذي يقود خطانا نحو الله والآخرين.
1- الإيمان كجواب على محبة الله
“ونَحنُ عَرَفْنا المحبَّةَ الَّتي يُظهِرُها اللهُ بَينَنا وآمنَّا بِها” (1 يو 4: 16)،
– هناك لقاءٌ مع حدَث، مع شخصٍ يعطي الحياةَ أُفقا جديدًا، وبالتالي توجّهًا حاسما… وبما أنَّ الله قد أحبّنا أوَّلًا (1يو 4: 10)، فإنَّ المحبّة الآن لم تعد مجرّدَ “وصيّة” فقط، بل صارت جوابًا عن عطيّة المحبّة، والتي بها يأتي الله إلى ملاقاتنا”.
– “إنَّ الإيمانَ يُشكِّلُ ٱنتماءً شخصيًّا “يشمل جميعَ قِوانا” إِلى وحي المحبّة المجّانية و”الشغوفة” الذي أظهره الله لنا، والذي يكشف عن ذاته كاملًا في يسوعَ المسيح”.
– على جميعِ المسيحيّين، وبالأخصّ الملتزمين “بأعمال المحبّة”، ضرورةُ الإيمان، و”اللقاء مع الله في المسيح، الذي يحرِّك فيهم المحبَّة ويفتح حياتهم على الآخر، فلا تعودُ محبّتُهم للقريب مِن بعد، وصية مفروضة، إذا جازَ التَّعبير، من الخارج، بل نتيجة نابعة من إيمانِهم العامل في المحبّة” (غلاطية 5: 6).
– المسيحيُّ هو شخصٌ ٱكتسبَه حبُّ المسيح، ومن ثمَّ، يحرِّكه ذلك الحُبّ “لأَنَّ مَحبَّةَ المسيحِ تَأخُذُ بِمَجامٍعِ قلبنا” (2 قور 5: 14) وهو منفتحٌ بطريقةٍ ملموسةٍ وعميقةٍ على حبّ القريب.
– إِنَّ “الإيمانَ يُظهِرُ لنا الله الذي أعطانا ٱبنه ويستنهض فينا هكذا اليقين الظافر بأنّه لحقيقيٌ التأكيد: إن الله محبة!… إنَّ الإيمان، الذي يفطن لحبِّ الله المتجلّي في قلب يسوعَ المطعونِ على الصليب، يدفعنا بدوره نحو الحبّ. هذا كلّه يجعلنا نفهم أن الموقفَ الأساسيَّ الذي يميّز المسيحيّين هو بالتأكيد “المحبُّ المرتكز على الإيمان والمصوغُ منه”.
2- المحبّة كحياة في الإيمان
– إن الحياةَ المسيحيّةَ كلَّها هي جوابٌ على محبِّة الله. فالجوابُ الأوَّل هو بالتأكيد الإيمان كتقبُّل مفعم بالاندهاش وبالعرفان للمبادرة الإلهيّة الهائلة والتي تسبقنا وتحفزنا.
– تُعتبر “نعَمَ” الإيمان هي مدخلَ تاريخٍ مضيءٍ من الصداقة مع الرَّبّ، والذي يملأُ وجودَنا كلَّه ويعطيه معناه الكامل. لكن الله لا يكتفي بأن نقبل محبته المجانيّة. وهو لا يكتفي بأن يحبّنا، لكنه يريد أن يجذبنا لذاته، ويبدّلنا بطريقة جذريّة.
– عندما نُفسح نحن المجال لمحبّة الله، نصبح مشابهين له، ومشاركين في ذات محبّته. فالانفتاحُ على محبته يعني أن ندعَه يحيا فينا وأن يقودنا إلى أن نحبَّ معه، وفيه، ومثلَه؛ حينئذٍ فقط يصبح إيماننا، بالحقيقة، “فاعلا بالمحبة” (غلاطية 5: 6)، ويسكن هو فينا (1 يو 4: 12).
– إن الإيمانَ هو أن نعرفَ الحقيقة ونلتحقَ بها (1 طيموتاوس 2: 4)؛ المحبّةُ هي أن “نسلك” في الحقيقة
(أف 4: 15).
– “بالإيمان ندخل في الصداقة مع الرَّبّ؛ وبالمحبّة نحيا وننمّي تلك الصداقة (يو 15: 14 ي)”.
“الإيمانُ يجعلنا نتقبّل وصيّةَ الرَّبّ والمعلّم؛ والمحبّةُ تمنحنا الطوبى بأن نعمل بها (يو 13: 13-17)”.
“في الإيمان، نولد كأبناءٍ لله (يو 1: 12)؛ والمحبّةُ تجعلنا نثبت حقيقيًّا في البُنوَّة الإلهيّة، ونعطي ثمرَ الرُّوحِ القُدُس (غلاطية 5: 22)”.
“الإيمانُ يجعلنا نتعرَّف على العطايا التي يأتمنا عليها الرَّبُّ الصالحُ والكريم؛ والمحبّةُ تجعلها تؤتي ثِمارًا الوافرة (متى 25: 14-30)”.
3- الرِّباطُ الوثيقُ بين الإيمان والمحبّة
– يقوم الوجودُ المسيحيُّ على صعود دائم لجبل مُلاقاةِ الله كي نعود فننزل منه، حاملين الحبَّ والقوّة النابعيّن منه، بحيث نخدم إخوتنا وأخواتنا بمحبّة الله نفسِّه. نرى الإهتمام المفعم بالمحبة من أجل خدمة الفقراء (أعمال الرسل 6: 1-4). في الكنيسة، التأمُّلُ والعملُ، واللذان يُرمز إليهما، نوعًا ما، بصورة الأُختين مريم ومرتا الواردتين في الإنجيل، وهما يجب أن يوجدا معًا ويندمجا (لو 10: 38-42).
– إِنَّ أعظمَ عملِ محبّة هو بالحقيقة التبشير بالإنجيل، أي “خدمة الكلمة”. فليس من عملٍ أجدى وأنفع، وبالتالي أكثر مودة نحو القريب، من أن نكسرَ له خبز كلمة الله، وأن نُشركه في بُشرى الإنجيل السارة، وأن ندخلَه في العلاقة مع الله: إن التبشيرَ بالإنجيل هو ترقيّةُ الشخصِ البشريّ الأكثرُ سموًّا وكمالًا.
– في الأساس، ينطلق كلُّ شيءٍ من الحُبِّ ويتوقُ إلى الحُبّ. فإنَّ محبة الله المجانيّة قد تجلَّت من خلال إعلان الإنجيل. فإذا ما تقبّلناه بإيمان، نحصل على هذا الاتّصالِ الأولِ والحتمي مع ما هو إلهيّ، نَثبُتَ وننموَ في هذا الحبّ، ونُشركَ فيه الآخرين بفرح.
“إِنَّ الصَّومَ يدعونا إلى تغذيةِ الإيمانِ من خلالِ إِصغاءٍ أَكثَرَ ٱنتباهًا ودَيمومةً لكلامِ اللهِ، وإِلى الإِشتراكِ في الأَسرار، وفي الوقتِ عينه، إِلى النُّموِّ في المَحبَّةِ، في مَحبَّةِ اللهِ ومحبَّةِ القَريب”.
4- أولويّة الإيمان، أوليّة المحبّة
– إنَّ الإيمان والمحبّة يرجعان إلى عملِ الرُّوحِ القُدُسِ الوحيدِ الأوحد (1 قور 13)، هذا الرُّوح الذي يصرخ فينا “أبّا! أيها الآب” (غلاطية 4: 6)، والذي يجعلنا نقول إن: “يسوعُ ربٌ” (1 قور 12: 3) و”ماراناثا!”
(1 قور 16: 22؛ رؤ 22: 20).
– “الإيمانُ، كعطيّةٍ وجواب، يجعلُنا نعرفُ حقيقةَ المسيحِ كحُبٍّ مُتَجَسِّدٍ ومصلوب، وكٱنتماءٍ كاملٍ وشاملٍ إلى إرادةِ الآبِ وكرحمةٍ إِلهِيَّةٍ لا حَدَّ لها نَحو القَريب”.
– “إِنَّ الإيمانَ يُجذِّر في القلبِ وفي الرُّوحِ الإِقتناعَ الثابتَ بأنَّ هذا الحبّ، بالضبط، هو الحقيقة الوحيدة المنتصرة على الشَّرِّ وعلى الموت”.
– “فالإيمانُ يدعونا إلى التطلّع نحو المستقبل عبر فضيلة الرَّجاء، في الإِنتظار الواثق من أنَّ ٱنتصار حبّ المسيح سوف يبلغ كماله”.
– “المحبّة، من جهتها، تُدخلنا في حبّ الله المتجلِّي في المسيح، وتجعلنا ننضمُّ، وبطريقة شخصيّة ووجوديّة، إلى عطاءِ يسوعَ ذاتَه الكاملِ وبدون تحفّظ للآب وللإخوة”.
– إنَّ الرُّوحَ القدس، إذ يبث فينا المحبّة، يُشركنا في عطاءِ يسوعَ الذاتيّ: البنويّ نحو الله والأخويّ نحو كل إنسان (رو 5: 5).
إن العلاقة الموجودة بين هاتين الفضيلتين (الإيمان والمحبة) لأشبه بتلكَ القائمة بين سرَّي الكنيسة الأساسيَّين: المعموديّة والإفخارستيّا. المعموديّة (سرُّ الإيمان) تسبق الإفخارستيّا (سرّ المحبّة)، لكنها تتجه نحوه، إذ إنَّه يُشكّلُ ملءَ الطريقِ المسيحيّ.
– وبطريقة مشابهة، الإيمان يسبق المحبّة، لكنه يبدو أصيلًا فقط إذا كلَّلته هذه. إنَّ كُلَّ شيء ينطلق من القبول المتواضع للإيمان (أن نعرفَ أنَّ الله يُحبُّنا)، لكن يجب أن يبلغَ إلى حقيقةِ المحبَّة (أن نعرفَ أنْ نحبَّ الله والقريب) والتي ستبقى دائمًا كمالَ جميعِ الفضائل (1 قور 13: 13).
…………………
الصوم في فكر الراعي هرماس من القرن الثاني الميلادي
“إِسمع. فإنَّ اللهَ لا يريدُ صومًا باطلًا كهذا الصوم؛ إن صُمتَ هكذا فأَنتَ لا تَعمَلُ شيئًا للبرّ. صُم للرَّبِّ هكذا: لا تَصنَعِ الشَّرّ، وٱخدُم بقلبٍ نقيّ، وٱحفظ وصايا الله، وسِرْ حَسَبَ أَوامِرِه، ولا تترك للشَّهوةِ الشِّرِّيرةِ مَنْفَذًا في قلبِكَ، وثِقْ بالله، فإنْ فعلتَ هذا، وخَشيتَ الله، تكونَ قد صُمتَ صومًا عظيمًا مقبولًا لدى الله”.
“يوم صومِكَ لا تأكل شيئًا سِوى خبزًا وماءً، وٱحتسب ثمن الطعام الذي لم تأكلُه في ذلك اليوم وضعه جانِبًا كي تُعطيه لأَرمَلَةٍ، أَو ليَتيمٍ أَو مُحتاج”.
يركّز هرماس في وصيّته على الحياة الداخليّة، مقدِّمًا مَثلًا لذلِكَ: إِنسانٌ سَلَّمَ حقله لِعَبدِه الأمين ولم يوصه إِلاَّ بتسييجه، وإذ سيّج العبد الحقل رأى الحقل مملوءًا أشواكًا فقام بتنقيته والاهتمام بفلاحته. عاد صاحب الكرم وفرِحَ بما صنعه عبده، وكرَّمه أمام ٱبنه الحبيب وكل مستشاريه وأصدقائه، قائلًا لهم إِنَّ هذا العبد صَنَعَ بكامِلِ حُرِّيَّتِه أكثر ممّا أمرتُه به، لذلك أجعله وارثًا مع ابني الحبيب، وبعد أيام صنع سيّده عشاءً وأرسل الكثير من الأطعمة للعبد الأمين، فٱحتفظ بقدر حاجته ووزّع الباقي على رفقائه العبيد… سمع السيّد فصمّم بالأكثر أن يجعله وارثًا.
أسئلة لمراجعة الذَّات والتَّأَمُّلِ بِها:
– هل تُحِبَّ ما تَعمَل؟
– هل تَعمَلُ فقط ما يُطلَبُ مِنكَ؟
– هل أَنتَ مِعطاءٌ دونَ أنْ تَنتَظِرَ ثناءً أو مُقابِل؟
– هل تَشُكَّ أَنَّ اللهَ لا يرى ولا يُكافِئَكَ على كُلِّ أَتعابِكَ؟
– هل تَتَذَمَّر وتَعتَقِدْ أَنَّ صاحِبَ العَمَلِ لَم يُكافِئَكَ بِقَدْرِ ما تَستَحِقّ؟
“إِذا عَمِلتَ بِقلبٍ طَيِّبٍ، فأَنتَ تَكونُ قَد صُمتَ صِيامًا مَقبولاً ومَرضِيًّا عِندَ الله”.
…………………
الصوم عن اللذة الطوباوي يعقوب الكبوشي (1875- 1954)
“أَعظَمُ لذَّةٍ هي الإنتصارُ على اللَّذة”.
…………………
الصوم روبير من دوتز (نحو 1075 – 1130)، راهب بِنِدِكتيّ
مقدّمة كتاب “الأعراس الرّوحيّة”
«فما دامَ العَريسُ بينَهم، لا يَستَطيعونَ أَن يَصوموا»
“هُوذا العَريس! فَٱخرُجْنَ لِلِقائِه!” (مت 25: 6)… العريس هو الرَّبُّ يسوع بينما العروس هي الطبيعة البشريّة التي خلقها الله “على صُورَتِه كَمِثالِه” (تك 1: 26). في البدء، وَضَعَ اللهُ الإنسانَ في المكان الأكثر كرامة وبهاء وغنى وخصوبة على الأرض أي في الفردوس. وأخضع له كلّ الخليقة، وزيّنه بالنعمة، وأعطاه وصية إذا ما حفظها تجعله في وحدة دائمة مع العريس، معتقًا من كلّ ألم وعذاب ومن كلّ خطيئة. غير أنّ الشرير، العدو الجهنميّ أتى بهيئة حيّة، ممتلئًا من الحسد تجاه العريس، فخدع المرأة ومعًا خدعا الرجل وبالتّالي كلّ الطبيعة البشريّة. لقد ٱختطف العدو بمشورته الخاطئة الطبيعة البشريّة فسُبيَتْ إِلى أَرضٍ غريبة وفقيرة وبائسة ومضطهدة… لكن عندما تمّ ملء الزمن وعندما أشفَقَ اللهُ على عذاب حبيبتِه، أرسَلَ ٱبنَه الوحيد إلى الأرض…، في حشا مريم البتول. هنالك ٱقترن الابن بالطّبيعة البشريّة بتوحيدها بشخصه.
…………………
أقوال عن القديس غريغوريوس النازيانزي الأُسقُف
“لا نَسْعى في تكديسِ الأموالِ ولا نَكونُ عبيدًا لها، بل ٱهتمُّوا بعَوَزِ غيرِكم، لئلا يقعَ عَلينا كلامُ النبيِّ عاموس وهو إنذارٌ وكلامٌ قاسٍ: “إِعمَلُوا عملاً صالحًا أنتُم الَّذِين تقولون: متى يَمضِ رأسُ الشَّهرِ فنَبيعَ الحبوب، والسبتُ فنتمتَّعَ بالكُنوز؟”(عاموس 8: 5). (القديس غريغوريوس النازيانزي الأسقف 330- 389)
“إِنْ كُنتَ مُعافىً وغنيًّا، خَفِّفْ مِن ٱحتياجاتِ مَن هو مريضٌ وفقير؛ إِنْ لم تَسقُطْ، أَسعِفْ مَن سَقَطَ ويعيشُ في العذاب؛ إِنْ كُنتَ سعيدًا، عَزِّ الحزين؛ إِنْ كُنتَ محظوظًا، ساعد مَن نهشَتهُ المُصيبة. أَعطِ اللهَ بُرهانًا عن العِرفانِ بالجميل، لأَنَّكَ واحِدٌ مِنَ الَّذينَ يُمكنهم أن يُنعِموا، ولستَ مِنَ الَّذينَ هُم بحاجة إلى أن يُنعم عليهم.. كُن غنيًّا ليس فقط بالمُمتلكاتِ، بل أيضًا بالرَّحمةِ؛ ليسَ فقط بالذَّهب، بل بالفضائِلِ، أَم بالأَحرى، بالفضائِلِ وحدها. تخطَّ صيتَ قريبِكَ مُبديًا نَفْسَكَ أكثرَ طيبةً من جميعِ النَّاس؛ إِجعل نَفْسَكَ اللهَ لِلمُبتَلى، مُقتديًا برحمةِ الله”. (القديس غريغوريوس النازيانزي الأسقف 330- 389)
…………………
الصوم في أقوال القديس توما كمبيس (1380- 1471)
“إِكبَحِ الَحُنْجَرَةَ، يَسْهُلُ عليكَ كَبْحُ كُلِّ مَيْلٍ جَسَدِيّ”.
(القديس توماس كمبيس 1380- 1471)
“أَيُّ جِهادٍ أَشَدُّ مِن جِهادِ الإِنسانِ الدَّائِبِ على قَهْرِ نَفْسِه؟ فَهذا ما يَجِبُ أَنْ يَكونَ شُغْلُنا: أَنْ نَقْهَرَ ذَواتِنا، وأنْ نَزدادَ قُوَّةً في كُلِّ يَوم، ونُحْرِزَ بَعضَ التَّقَدُّمِ في الصَّلاح”.
(القديس توماس كمبيس 1380- 1471)
“حَوِّلْ عَينَيْكَ إِلى نَفْسِكَ، وٱحْذر أَنْ تَدينَ أَفعالَ الآخرين”.
(القديس توماس كمبيس 1380- 1471)
“جاهِدْ بِبَأْسٍ، فالعادَةُ بالعادَةِ تُغْلَب”.
(القديس توماس كمبيس 1380- 1471)
“إِنْ لَمْ تَقْهَرْ نَفْسَكَ، فَلَنْ تَنْتَصِرَ على الرَّذيلَة”.
(القديس توماس كمبيس 1380- 1471)
“لا يُبْلَغُ إِلى الرَّاحَةِ بِغيرِ عَناء، ولا يُحْرَزُ النَّصْرُ بِغير قِتال”.
(القديس توماس كمبيس 1380- 1471)
“إِعْلَمْ أَنَّ حُبَّكَ لِذاتِكَ، هو أَضَرُّ بِكَ مِن كُلِّ ما في العالَم”.
(القديس توماس كمبيس 1380- 1471)
“أُهْجُرْ كُلَّ شَيءٍ فَتَجِدَ كُلَّ شَيء، أُترُكِ الشَّهْوَةَ فَتَجِدَ الرَّاحَة”.
(القديس توماس كمبيس 1380- 1471)
“الغلَبَةُ الكامِلَةُ، إِنَّما هي ٱنتصارُ الإِنسانِ على نَفْسِه”.
(القديس توماس كمبيس 1380- 1471)
…………………
قول للبابا بندكتوس السادس عشر
“إِنَّ الصَّومَ يَدعونا إلى تغذيةِ الإيمانِ من خِلالِ إِصغاءٍ أَكثَرَ ٱنتباهًا ودَيمومةً لكلامِ اللهِ، وإِلى الإِشتراكِ في الأَسرار، وفي الوقتِ عينِه، إِلى النُّموِّ في المَحبَّةِ، في مَحبَّةِ اللهِ ومحبَّةِ القَريب”.
(البابا بندكتوس السادس عشر 1927…)
…………………
الصوم في أقوال القديس يوحنا فم الذهب (349- 407)
“علينا أن نعرف مقاصد الصيام، فلا نكونَ كالتائِهينَ في البحر، يتوهَّمونَ أنهم إلى المدينة قاصِدون، وهم في مُتَّجهٍ آخرَ هائِمون. فأن قلتَ: ما الصوم في الحقيقة، أهو غير الإمتناع عن الطعام وقتاً محدودواً؟ قلتُ: الصوم هو الإمساك عن جميع الرذائِل والتَّمَسُّك بجميعِ الفضائِل، بمنع النفس عن الَّلذَّات البدنية كالأطعِمة والأشرِبة وسِواها”.
“اشحذ منجلك التي أتلفتها الشراهة، اشحذها بالصوم”.
“إذا كان الصوم عن اللحم يجعلك تأكل لحم أخيك، فلا تصم عن أكل اللحم ولكن كُفَّ عن أكلِ لحمِ أخيك”.
“لا تًصَوِّم فمَكَ وَحدَه، بل عينيكَ وأُذُنيكَ وقدميكَ ويدَيكَ وكلَّ أعضاءِ جَسَدِكَ. صَوِّم يدَيكَ بالنَّقاوة من الإغتصابِ والطَّمَعِ والسَّرِقة، وقدمَيكَ من السَّعيِ وراءَ ملذَّاتِ العالمِ وشهواتِه، وأُذُنيكَ من سماعِ الأمورِ التي لا تُرضي الله، وعَينَيكَ من النَّظراتَ التي تجلِبُ لكَ الخطيئة”.
“احترم الصوم وٱقبله بحضن مفتوح لأنه يخلص من النار ويُنقذ من الأسود ويُبعد الشياطين، وينقض القرار الإلهي، ويقمع الأهواء ويُعيدُنا مجدَّداً إلى مجد الحرية، ويهدي أفكارنا عندما يملك بين يديه خيرات كثيرة إلى هذا الحد. ألن يكون جنونا ان نجتنبه ونخاف منه؟”.
“لا يكفي فقط ان نمتنع عن مأكل محدد لكي نستفيد روحيا، لان هنالك خطر الا نكسب شيئاً في محافظتنا على الصوم . كيف؟؟؟؟
عندما نبقى بعيدين عن الطعام ولكننا لا نبقى بعيدين عن الخطيئة، عندما لا نأكل لحوما ولكننا نأكل لحم الفقراء، عندما لا نسكر بالخمر ولكننا نسكر بالرغبة الشريرة، وعندما نقضي اليوم صالحين ولكننا نرى مشاهد غير أخلاقية، هكذا يكون صومنا باطلا”.
“هذه أيضاً سرقة بالفعل، أن لا تُشرِك الآخرين في ممتلكاتك …. عندما لا نظهر الرحمة نُعاقب تماماً مثل الذين يسرقون، ذلك ان اموالنا هي ملك للرب، مهما كانت الوسيلة التي جمعناها بها، وإذا نحن أعطيناها للمحتاج سوف تزداد خيراتنا بكثرة، وهذا هو السبب الذي من اجله سمح الله بأن تنال أكثر: لكي لا تضيع أموالك على العاهرات والسُكر والأطعمة الشهية والملابس الغالية الثمن وكل باقي أنواع التراخي والكسل، انما لكي توزعها على المحتاجين …. فقد نلتم أكثر من الآخرين، ولكنكم لم تنالوا ذلك للصرف على انفسكم، إنما لكي تصيروا وكلاء أمناء لدي الآخرين أيضاً
إذا أردت ان تُظهر الرقة واللطف، لا يجب ان تستفسر عن حياة الانسان الذي أمامك، انما فقط أعطه حاجته وخفف من فقره، الرجل الفقير له مطلب واحد فقط: ان تسد عوزه، فلا تطلب منه أكثر من ذلك! بل وحتى لو كان أشر الناس جميعاً ولكنه يفتقر الى الغذاء الضروري أعطه ما يسد جوعه، المسيح ايضًا أوصانا أن نفعل ذلك عندما قال: “لِكَيْ تَكُونُوا أَبْنَاءَ أَبِيكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، فَإِنَّهُ يُشْرِقُ شَمْسَهُ عَلَى الأَشْرَارِ وَالصَّالِحِينَ، وَيُمْطِرُ عَلَى الأَبْرَارِ وَالظَّالِمِينَ” (متى 5: 45).
“إنَّ المتصدِّق هو ميناء للمحتاجين، ميناء لكل من ٱنكسرت بهم السفينة، يشبع جوعهم ما إذا كانوا أشرارا أو صالحين أو مهما كانوا، فطالما كانوا في خطر فإن الميناء يحميهم تحت مظلته. هكذا أنتم ايضاً، عندما ترون على الأرض إنسانًا ٱنكسرت به سفينة الفقر لا تدينوه ولا تطلبوا بيانات عن حياته إنَّما حرِّروه من مصيبته. لماذا تتسبَّبون في المشاكل لأنفسكم؟ الله أعفاكم من كل فضول ٱستفسار. كم يكون تذمرنا إذا طلب الله أوَّلاً ان نفحص حياة كل إنسان بتدقيق، وأن نتدخل في تصرفاته وأعماله، ثم بعد ذلك فقط نعطيه الصدقة؟ إلاَّ أنَّ الله أعفانا من كل هذا القلق والإنزعاج. فلماذا تجلبون على أنفسكم هموماً إضافية لا داعي لها؟ القاضي شيء، والمُتصدِّق شيءٌ آخر. إنَّ الإحسان سُمي كذلك لأننا نقدِّمه حتى لغير المستحقِّين”.
“فنحن لا نُقدِّم الإحسان لصفات الرجل إنَّما للرجل ذاته. ونحن لا نُظهِرْ نحوه الرحمة بسبب فضيلته وإنما بسبب مصيبته، وذلك لكي ننال نحن ايضاً من السيد الرب عظيم رحمته، ولكي نتمتع نحن أيضاً رغم عدم ٱستحقاقنا بإحسانات الرب. فإذا كنا سوف نفحص ونحقق في ٱستحقاق العبد رفيقنا ونسأل بتدقيق فسوف يعمل الرب معنا نفس الشيء، إذا طلبنا بيانات من العبيد رفقائِنا سوف نخسر نحن أنفسنا الأحسان الآتي من فوق”.
“إنَّنا عندما لا نُشرِك الفقراء في أموالنا فهذا معناه أنَّنا نسرقهم … أشقى الناس جميعًا هو مَن يعيش في رخاء ولا يُشرِك أحد معه في خيراته”.
“إنَّ الرجل الغني ليس هو مَن يجمع ممتلكات كثيرة إنَّما هو مَن يحتاج إلى مقتنيات قليلة، والرجل الفقير ليس هو مَن لا يملك شيئاً إنَّما مَن له رغبات كثيرة، يجب أن نعتبر أنَّ هذا هو تعريف الفقر والغني. فإذا رأيتَ إنساناً يطمع في أشياء كثيرة يجب أن نعتبره أفقر الفقراء حتى ولو ٱقتني أموال كافة الناس، وإذا رأيت في المقابل إنساناً ليست له حاجة إلاَّ إلى القليل يجب أن تعتبره أغني الأغنياء حتى ولو كان لا يملك شيئاً. يجب أن نحكم على الغني والفقر طبقاً لميول الذهن وليس طبقاً لمقدار المادة التي يملكها كلُّ واحد”.
…………………
“صومُ اللِّسانِ خيرٌ من صومِ الفَم، وصومُ القَلبِ عَنِ الشَّهواتِ خَيرٌ من الإِثنين”.
(القديس إسحق السِّرياني 700†)
…………………
“طريقُ الصَّومِ يؤدي لطريقِ النَّقاوَةِ. الصُّومُ هو بَتْــرُ الشَّهوَةِ والأَفكارِ الشِّرِّيرة، وهو نقاوَةُ الصَّلاة، وٱستنارَةُ النَّفْس، وضبطُ العَقل، والتَّخَلُّصُ من قَساوَةِ القَلب، وهو البابُ للنَّدَم”.
(القديس يوحنا السلمي (525 – 606)
…………………
قول أعجبني من القديس قبريانس الأُسقُف الشهيد
“مِن إِرثِكَ… أَطعِمْ المسيح… إِصرفْ كنوزَكَ حيثُ لا يَستطيعُ سارقٌ أنْ يحفُرَ، ولا مُسيءُ أَنْ يَدْخُلَ بالخِداع. حاوِلْ أَنْ تَتَمَلَّكَ، شرطَ أَنْ يكونَ مُلكُكَ في السَّماء، حيثُ الثِّمارُ محفوظةٌ إِلى الأَبَد، مُوَقَّاةٌ مِن أَيِّ تَماسٍّ مع ظلمِ العالم، ومَحمِيَّةٌ مِن خَطَرِ التآكُلِ بالصَّدأ، والتكسيرِ بالبَردِ، والإِحتراقِ بالشَّمسِ أَو التَّشويهِ بالمطر. من المؤكَّدِ أَنَّكَ تَخطىءُ أَمامَ اللهِ نَفْسِه، إذا فَكَّرْتَ أَنَّه وَهَبَ لكَ ثرواتِكَ لكي تَستعمِلَها بطريقةٍ غيرِ نافعة…”.
(القديس قبريانس الأسقف والشهيد 205-258)
…………………
“كُلُّ مَن لم يَغْفِرْ لأَخيه، الَّذي أَخطأَ في حَقِّه، من أَعماقِ قلبِه، فسوفَ ينالُ من صلاتِهِ الدَّينونَة، بدلًا مِنَ الرَّحمَة”.
(القديس يوحنّا كاسيان من مرسيليا 360 – 435، عاشَ مع الرهبانِ في بيتَ لحمَ ومِصرَ لسنواتٍ عديدة)
…………………
“مَن كانَتْ نفسُهُ مقيَّدةً بالخيراتِ الأرضيةِ أيًّا كانَتْ، لا يستطيعُ أن يحصلَ على مَلَكَةِ المحبةِ. مَن أحبَّ الله أَحبَّ القريبَ أَيضًا محبّةً كاملة. ومن كانَ كذلك لم يستطِعْ أن يحتفظَ بأموالِه، بل وزَّعَها مثلَ الله ووهبَها كلَّ محتاج. ولا تَظهرُ المحبّةُ بتوزيعِ الأَموالِ فقط، بل في: إِسداءِ التَّعاليمِ الإِلهيةِ أَيضًا، وبِكُلِّ عَمَلِ رحمةٍ مع النَّاس. مَن زَهَدَ حقًّا بمتاعِ الدنيا وبذلَ محبَّتَهً الصادِقَةَ في خِدْمَةِ القَريب، تَحَرَّرَ بِسُرعَةٍ من كُلِّ ٱنحرافٍ ونَقيصَة، وأَصبَحَ مُشارِكًا في عِلْمِ اللهِ ومحبَّتِهِ. ثَمَرَةُ المحبَّةِ هي الإِحسانُ إِلى القَريبِ، وهي الصَّبُر والأَناةُ، والتَّصَرُّفُ بالخَيراتِ بِتَعَقُّلٍ وحِكْمَة”. (القديس مكسيموس المعترِف ورئيس الرهبان580- 662)
…………………
“غالبًا ما نَظُنُّ أَنَّنا نُخَفِّفُ عن فَقيرٍ، فيَتَبَيَّنُ لنا أنَّه ربَّنا. أَنَّه هو مَن يُبَدِّدُ الشَّكَ الَّذي قد يَتَبادَرُ إِلى ذهنِنا عندما يكونُ علينا أَنْ نُساعِدَ مجهولًا: “هناكَ مَن يَقول: “إِنَّه يُسيءُ ٱستعمالَ الإِحسان”. فلْيَسْتَعْمِلْهُ كما يَشاءُ، فسوفَ يُحاسَبُ الفَقيرُ على كيفيةِ ٱستِعْمالِهِ لإِحسانِكم، وأَنتُم تُحاسَبونَ على الإِحسانِ الَّذي كانَ بإمكانِكُم أَنْ تَفْعَلوهُ ولم تَفْعَلوه”.
(القديس يوحنا فيانيه 1786-1859)
…………………
الصَّومُ والصَّلاةُ والصَّدَقَة في كتاباتِ القديس بطرس كريزولوغوس الأسقف ومعلم الكنيسة (380- 450)
الصَّلاة تقرع على الباب، والصَّوم يبتهل ويتوسل، والرَّحمَة تنال
أيُّها الإخوة، هي أمورٌ ثلاثة يَقُومُ بها الإيمانُ، وتَثبُتُ بها العبادةُ وتَبقَى بها الفضيلةُ: الصَّلاةُ والصَّومُ والرَّحمَةُ. الصَّلاةُ تَقرَعُ على البابِ، والصَّومُ يبتهلُ ويتوَسَّلُ، والرَّحمةُ تَنالُ. الصَّلاةُ والرَّحمَةُ والصَّومُ، هذه الثلاثةُ هي أمرٌ واحِدٌ، وكلُّ واحدٍ يَسنُدُ الآخَرَ.
فالصَّومُ هو روحُ الصَّلاة، والرَّحمَةُ هي حياةُ الصَّومِ. ولا يَفصِلْ أحدٌ هذه الأمورَ عن بعضِها البعضَ. لا يُمكِنُ فَصلُها. ومن مَلَكَ واحدًا منها فقط، أو مَن لم يَملِكْها كلَّها معًا، لم يَملِكْ شيئًا. فمَن صَلَّى لِيَصُمْ أيضًا. ومَن صَامَ لِيَرحَمْ أيضًا. ومَن يطلُبُ ويريدُ أن يُسمَعَ له لِيَسمَعْ مَن يَسألُهُ. فإنَّ مَن لم يَسُدَّ أذُنَيْهِ دونَ مَن يَطلُبُ منه يضمَنُ لنفسِه سَماعَ اللهِ له.
لِيَفهَمِ الصائِمُ ما هو الصَّومُ. لِيَشعُرْ بمَن هو جوعانٌ إذا أرادَ أن يُحِسَّ اللهُ بجوعِه. مَن طلَبَ الرَّحمَةَ فَلْيَرحَمْ. مَن سألَ التقوى فَلْيمارِسِ التقوى. مَن أرادَ أن يَقرِضَه الناسُ فَلْيُقرِضْ. مَن يَسألُ ويَرفُضُ سؤالَ غيرِه فهو سَائِلٌ لا ينالُ.
أيُّها الإنسانُ، كُنْ لنفسِكَ مقياسًا للرَّحمة. بذلك تجدُ الرَّحمَةَ كما تشاءُ وبقَدْرِ ما تشاءُ وبأَسرَعِ ممّا تشاءُ. بقَدْرِ ما تسارِعُ إلى رحمةِ الآخَرِين تنالُ الرَّحمةَ لنفسِكَ.
ولهذا فَلْتكُنِ الصَّلاةُ والرَّحمةُ والصَّومُ شفاعَتَنا الوحيدَةَ لدى الله. لتكُنْ هذه الأمورُ كلُّها سؤالَنا الوحيد. تلك الأمورُ الثلاثةُ هي لنا صلاةٌ على ثلاثةِ وُجوهٍ.
فما فقَدْناه بالتبذيرِ نكتَسِبُهُ بالصَّومِ. فَلْنُضحِّ بأنفُسِنا في الصَّومِ، فلا شيءَ أكرَمُ من ذواتِنا يمكنُ أن نقدِّمَه للهِ، والدليلُ على ذلك كلامُ النبِّي: “إنّمَا الذَّبِيحَةُ للهِ رُوحٌ مُنكَسِرٌ، القَلبُ المُنكَسِرُ المُنسَحِقُ لا تَزدَرِيهِ، يَا الله” (مزمور 50: 19).
أيُّها الإنسانُ، قَدِّمْ للهِ ذاتَكَ، وقدِّمْ قربانَ الصَّومِ، فيكونَ القربانُ طاهرًا، والذبيحةُ مقدَّسةً، والضحِيَّةُ حيَّةً، فتقدِّمَها للهِ وتَبقَى لك. مَن لم يقرِّبْ ذاتَه للهِ فلا عُذرَ له، لأنّه لا يُمكِنُه ألا يَملِكَ ذاتَه فلا يقرِّبُها.
وحتّى يكونَ هذا القربانُ مقبولاً يجبُ أن ترافقَهُ الرَّحمَة. الصَّومُ لا يَنبُتُ ولا يَنمُو، إن لم تَروِهِ الرَّحمَةُ. إنَّ الصَّومَ يجِفُّ بجَفافِ الرَّحمَة. الرَّحمَةُ للصَّومِ هي مِثلُ المطرِ للأرضِ. مهما شَذَّبَ الصَّائِمُ قلبَهُ، وطهَّرَ جسدَهُ، وٱستأصَلَ منه الرَّذائِلَ، ونَمَّى فيه الفضائلَ، فإن لم يَروِها بمياهِ الرَّحمةِ، فلن يُصِيبَ ثمرًا.
أيُّها الصَّائِمُ، ما زالَ حقلُكَ صائمًا عن الرَّحمةِ سوف يَبقَى صائمًا أي جافًّا. أيُّها الصَّائِمُ، ما تُعطِيهِ بالرَّحمَةِ فإنَّه يُدَّخَرُ لك في الأهرَاءِ. فإن لم تُرِدْ أن تَخسَرَ ما تَخزِنُهُ، أَعطِ فإنّكَ بالعَطاءِ تُجَمِّعُ. أيُّها الإنسانُ، إذا أعطَيْتَ الفقيرَ أعطَيْتَ لنفسِكَ. أمّا ما تترُكُه لغيرِكَ من بعدِكَ فلن يكونَ لكَ.
…………………
الصوم في كتابات القديس أفتيموس (377- 473)
“إنَّ أفضلَ الصومِ هو ما حالَ دونَ الشِّبَعِ، وما به نحرِمُ أنفسَنا لإطعامِ المحتاجين. فَلْيأخُذْ كلُّ واحِدٍ من الطعامِ ما يَلزَمُهُ. وَلْيُقاوِمْ مشاعِرَ الجسدِ، وليتسلَّحْ بأسلحةِ الرهبان، وهي التواضعُ والاعتدالُ والتأمُّلُ والحشمةُ وطاعةُ الله، والفضيلةُ التي تَحمِلُنا على الاقتداءِ بالله”.
…………………
أقوال من القديس يوحنا الذهبي الفم
“لا يصعدُ الصوم إلى السماءِ إذا ما رافقته الصَّدَقة”.
“الصلاةُ وإغاثَةُ الفقيرِ والصدقَة هي أمرٌ واحد: روحُ الصلاةِ هي الصوم ولبُّ الصوم هو إغاثَةُ الفقير”.
“مَن لا يَصم من أجلِ الفقير يستهزئُ في الرَّبّ”.
…………………
في الصوم القديس لاون الكبير البابا
(العظة 6 في الصوم، 1- 2: PL 54، 285- 287)
ينقي الإنسان نفسه بالصَّوم وبأعمال الرَّحمَة
أيّها الأحبّاء، إنّ “الأرضَ ممتلئةٌ دائمًا برحمةِ الرَّبّ” (مزمور 32: 5). فالطَّبيعةُ نفسُها تعلِّمُ كلَّ واحدٍ عبادةَ الله، إذ إنَّ السماءَ والأرضَ والبحرَ وكلَّ ما فيها يُشيدُ بصلاحِ اللهِ وبقدرتِه. والجمالُ العجيبُ في العناصرِ المسخَّرةِ لخدمتِنا يَفرِضُ على الخليقةِ العاقلةِ شكرًا واجبًا لله.
وبما أنّنا أقبَلْنا على هذه الأيّامِ التي تشيرُ بنوعٍ خاصٍّ إلى أسرارِ التكفيرِ وتوبةِ الإنسان، وهي الأيّامُ التي تَسبِقُ عيدَ الفصح، يجبُ علينا أن نستعدَّ بجهدٍ خاصٍّ لتطهيرِ أنفسِنا أمامَ الله.
يتميَّزُ الاحتفالُ الفصحيُّ بأنّ الكنيسةَ كلَّها تنالُ فيه مغفرةَ الخطايا. ولا تُوهَبُ المغفرةُ فقط لمن وُلِدوا ولادةً ثانيةً في المعموديّةِ المقدَّسة، بل وأيضًا لهؤلاء الذين عُدُّوا منذ القِدَمِ بينَ أبناءِ التبنّي.
هي المعموديّةُ التي تجدِّدُ الإنسانَ بصورةٍ خاصّة. ومع ذلك فعلى الجميعِ أن يَسعَوْا في تجديدِ أنفسِهم في كلّ يومٍ ليُزيلوا عنهم صدأَ الموت. وفي المسيرةِ نحو الكمالِ لا يُوجدُ أحدٌ إِلاَّ ويمكنُه أن يكونَ أفضلَ ممّا هو عليه. ولهذا لا بدَّ من مواصلةِ السَّعيِ والإِجتهادِ حتى لا يبقى أحدٌ في يومِ الفداءِ منغمسًا في رذائِلِه القَديمَة.
أَيُّها الأَحِبَّاء، ما يَعمِلُه المَسيحيُّ في كُلِّ حين، يَجِبُ أن يَعمَلَه في هذِه الأيّامِ بعنايةٍ وتَقوى فائِقة، فيُحافِظَ على أَيَّامِ الصَّومِ الَّتي تَعودُ إِلى الرُّسُل، ولا يُقَلِّلُ مِنَ الطَّعامِ فقط بل يَمتَنِعُ بِصورَةٍ خاصّةٍ عَنِ الرَّذائِل.
وأعمالُ الرَّحمَةِ أفضَلُ عَمَلٍ يُمكِنُ أَنْ يُضافَ إِلى أعمالِ الصَّومِ الحَكيمةِ والمُقَدَّسَة. وتَشمَلُ لفظةُ الرَّحمَةِ أعمالاً تَقَوِيَّةً عَديدَةً وجَديرَةً كُلُّها بالثَّناء: فبها يِتَساوى جَميعُ المؤمنين، وإِن كانوا في إِمكاناتِهم وأموالِهِم غَيرَ مُتَساوين.
المَحَبَّةُ الواجِبَةُ للهِ وللنَّاسِ مَعًا، لا يَحولُ دونَها أيُّ مانِع، بِحيثُ إِنَّ المُؤمِنَ هو دائِمًا حُرٌّ للقِيامِ بِما تُوصِي. قالَ الملائكة: “المَجدُ للهِ فِي العُلَى، وَالسَّلامُ فِي الأرضِ، لِلنَّاسِ أهلِ رِضَاهُ” (لوقا 2: 14). فالسَّعادَةُ هي بأَعمالِ الرَّحمَةِ وبالسَّلام. وسَعيدٌ هو كُلُّ مَن يَرحَمُ ويُخَفِّفُ مِن أَلمِ أَيِّ إِنسانٍ يُعاني مِن أَيِّ نوعٍ مِنَ الشَّقاء.
كَثيرَةٌ هي أَعمالُ البِرِّ، وبِتَنَوُّعِها تُمَكِّنُ جَميعَ المَسيحيّين الحَقيقيّينَ مِنَ الإِسهامِ في تَوزيعِ الصَّدقاتِ، فلا يَتَصَدَّقُ الأَغنياءُ والمُوسِرون فقط، بل وأهلُ الوَسَطِ والفُقراءُ أَيضًا. ومَن لَم يَكونوا مُتَساوِينَ بالمَقدِرَةِ على السَّخاءِ يِتَساوُون أَقَلَّه بِمَشاعِرِ المَحَبَّةِ في النَّفْس.
…………………
قول للقديس فرنسيس الأسيزي
“وَلْنُثمِرْ ثمارًا تَلِيقُ بالتَّوبةِ. وَلْنُحبِبْ قريبَنا مثلَ أَنْفُسِنا. لِتَكُنْ فينا المحبَّةُ والتَّواضُعُ وَلْنُحسِنْ إِلى الفُقراءِ، لأَنَّ الصَّدَقَةَ تَغْسِلُ النَّفْسَ مِن أَوساخِ الخطيئةِ. فالنَّاسُ يَخسَرُون كُلَّ ما يتَرُكونَه في هذا الدَّهرِ، بينَما يأخذونَ مَعَهم أَجرَ المحبَّةِ والصَّدَقَةِ الَّتي صَنَعوها: سيَجِدونَ بَدَلَها عِندَ اللهِ المكافأةَ والثَّوابَ الَّذي تَستَحِقُّه”. (القديس فرنسيس الأسيزي 1182- 1226)