الغيرة والحسد عند البشر والنّكَد! (متّى 20 : 1 – 16)
الأب بيتر مدروس
يضرب سيّدنا يسوع المسيح مَثَل عمّال الساعة الأخيرة الّذين يتلقّون من سيّد الكرم أجرة دينار واحد مثل الّذين عملوا منذ أوّل النهار. ويتذمر الأوّلون على الآخرين. ولكنّ ربّ البيت يُجيبهم أنّه اتّفق معهم على دينار أصلاً. العدالة تمّت معهم ، ولكن مع الآخرين قام السيّد بعمل رحمة وطيبة لا حقّ لأحد أن يُحاسبه عليه. ويعني السيّد المسيح المعلّم أنّ الله حرّ في عطاياه وإنعاماته ، بحيث أنّ لا حقّ لنا في التّذمّر إذا حبى سوانا وأغدق عليهم مواهبه ونِعَمَه (وإن كنّا نتوهّم أحياناً أنّ الخيرات المادّية نعمة وقد تكون نقمة وتجربة وفخّاً وشركاً ومصيبة وآفة(.
كتب القديس غريغريوس الكبير: “ما من مُشتك ينال ملكوت الله ، وما من إنسان حظي بالملكوت يشتكي”. ولا مجال لنا أن نشكو من “ظلم” الله – حاشى وكلاّ ، بما أنّنا لا نقدر أن ندين الآخرين (عن متّى 7: 1) ولا نعرف نيّاتهم ولا فضائلهم و أفضالهم ولا سيّما الخفيّة، ولا نستطيع أن “نعرف فكر الرب”.
من جهة أخرى صحيح أنّ لا عدالة توزيعية على هذه البسيطة التي فيها الفقير والغني والذكي والغبيّ والمليح والقبيح وطويل العمر وقصير العمر وجيّد الطالع ومنكود الطالع! وما أراد الله أن تكون هذه الارض فردوساً وصمّم أن تكون الخليقة ناقصة وأن “يقهر عباده بالموت” كما يقول الفكر الاسلامي لئلاً يستكبر البشر! وانطلاقاً من عدم وجود مساواة في هذه الدنيا، يُدرك المرء – بعد الكتاب المقدس والقديس الفيلسوف العبقري الدومنكاني توما الأكويني – أنّ هنالك ضرورة لوجود الآخرة حيث سيتمّ كل عدل وإنصاف ، وقد بدأت المساواة بين البشر بالولادة وتكللت بالمساواة في الموت!
ويقصد السيّد له المجد أنّ الأوّلين أي قوم العهد القديم الأوّل – لنقضهم الميثاق مع الله وعصيانهم الأنبياء وعدم قبولهم للمسيح المُنتظر – نالو أجرة مثل الوثنيين الذين أتوا بعدهم مع أنّ العبرانيين تعبوا كثيرًا في أوّل عهدهم وقاوموا الوثنيّة والانحراف إلى حدّ ما.
وفي واقع التاريخ احتقر معظم العبرانيين البشارة والعدل (كما يفعل نفر منهم غير قليل في أيّامنا وبلادنا أيضاً) وانتقل إلى الامم ميراثهم. ولعلّ الآخرين أي الوثنيين وخصوصاً منذ القرن الميلادي الرابع نالوا قسطاً من النعم والمواهب كبيراً ، لتواضعهم واستقبالهم للمسيح – حرم ذاته منه شعب العهد العتيق.
ويا ليت كنيسة القدس تعود لتفرح بمُهتدين كثيرين من بني يعقوب يقبلون يسوع الناصريّ مسيحاً وربّاً وينضمّون إلى حضن الكنيسة الأمّ في الكنيسة الجامعة فيلتقي حول الرب القائم من بين الأموات وحول العذراء الأمّ أبناء العَمَلة الأوّلين والآخرين!