القاضي الظالم (لوقا 18: 1-8)
الأب لويس حزبون
يتناول إنجيل الأحد (لوقا 18: 1-8) مثل القاضي الظالم ليحثنا يسوع به على واجب المداومة على الصلاة وعدم فتور الهمة للحفاظ على الايمان ولا سيما إبان الضيقات والشدائد والتجارب، ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.
اولا: وقائع النص الإنجيلي (لوقا 18: 1-8)
1وضرَبَ لَهم مثَلاً في وُجوبِ المُداوَمةِ على الصَّلاةِ مِن غَيرِ مَلَل،
تشير عبارة وُجوبِ ” الى الالتزام الأخلاقي أو التعهد او فرض فهو ليس مسالة شعور أو مجرد تقدير ولكنه واجب على الانسان الصلاة. فكل من امتنع عن الصلاة مع قدرته عليها يرتكب إثماً؛ أمَّا عبارة “المُداوَمةِ ” فتشير الى كل حين ودائما. اما عبارة ” المُداوَمةِ على الصَّلاةِ ” فتشير الى الصلاة الدائمة بمعنى ان نضع طلباتنا امام الله، نحيا له يوما فيوم، مؤمنين دائما أنه يستجيب. وعندما نحيا هكذا، بالإيمان لن نيأس ابداً. اما عبارة “مَلَل” فتشير الى الضجر والسأم والابتعاد عن الصلاة لشعور الشخص ان الصلاة غير مهمة. ولكن فإن كانت الصلاة مهمة فعلينا أن نصليّ “دائما”.
2قال: ((كانَ في إِحدى المُدُنِ قاضٍ لا يَخافُ اللهَ ولا يَهابُ النَّاس.
تشير عبارة “لا أَخافُ اللهَ ” الى القاضي غير العادل وبلا ضمير وإرادته هي شريعته؛ لقد جعل من نفسه الإله والشريعة والقانون؛ اما عبارة ” لا يَهابُ النَّاس ” فتشير الى تصلُّب القاضي الظالم الذي لا يهتم بالناس وحاجتهم، او لا يهتم بما يقوله عنه بعض الناس ويُصدر أحكاماً استبداديّةً بعيدةً عن الحقّ والعدل؛ وفساد القضاء كان آفة اجتماعية ندد بها الأنبياء والحكماء وشيوخ اليهود (جامعة 8: 9).
3وكانَ في تلك المَدينَةِ أَرمَلَةٌ تَأتيهِ فتَقول: أَنصِفْني من خَصْمي،
تشير عبارة ” أَرمَلَةٌ ” الى امرأة في حالة ضعف التي فقدت سندها وأضحت عرضة للخصم. وبالرغم من ضعفها ألحَّت الارملة بدون تُهدّيد ولا تطلب من أيّ أحد أن يتدخّل في قضيّتها. بل، وصلت بإصرارها الى ما تريد، كذلك على المؤمن او الخاطئ ان يلحُّ في صلاته بالرغم من شعوره بضعف حاله وأنه لا قوة له ولا سند سوى الله؛ وعليه فإنَّ الأرملة تمثل كل نفس عديمة القوة، التي لا سند لها ولديها خصم رهيب يريد أن يذل كيانها بسبب ضعفه، فهي ضحية الظلم، وبالتالي رمز لمن يعاني الظلم. وكانت الارامل بين جميع الطبقات محرومات من وسائل العون والدفاع في ذلك الزمن، وأكثر الناس تعرضا للتجارب والضيقات وهضم الحقوق. وأكد سواء أنبياء العهد القديم (خروج 22:22-24) أو رسل العهد الجديد (1 طيموتاوس 5: 3) على ضرورة العناية بالأرامل. أمَّا عبارة ” تَأتيهِ ” فتشير الى اصرار الارملة للحصول على حقوقها من القاضي الظالم؛ ومَن مِنّا لا يريد أن يُصارع من أجل الحصول على حقوقه والتغلّب على الشرّ؟ اما عبارة ” أَنصِفْني ” فتشير الى موضوع العدالة والمطالبة في الحق، وتتكرر كلمة الانصاف في النص أربع مرات للدلالة على أهميتها؛ فالأرملة هي ضحية ظلم وتطالب في إحقاق حقها؛ أما عبارة ” خَصْمي” فتشير الى إبليس وشهوات الجسد والعالم كما يعلنه بولس الرسول ” وَلكِنِّي أَشعُرُ في أَعْضائي بِشَريعةٍ أُخرى تُحارِبُ شَريعةَ عَقْلي وتَجعَلُني أَسيراً لِشَريعةِ الخَطيئَة، تِلكَ الشَّريعةِ الَّتي هي في أَعْضائي”(رومة 23:7).
4فأَبى علَيها ذلِكَ مُدَّةً طَويلة، ثُمَّ قالَ في نَفْسِه: أَنا لا أَخافُ اللهَ ولا أَهابُ النَّاس،
تشير عبارة ” مُدَّةً طَويلة ” الى التأخر؛ وكان يماطلها ويأبى النظر في قضيتها وإنصافها والحكم لها بالعدل؛ اما عبارة “قالَ في نَفْسِه” فتشير الى ما يعبر القاضي عن فكره بكلام يحدّث فيه صاحبه نفسه كما ورد في أمثال يسوع: الغنى الجاهل (لوقا 12: 13-16)، والابن الضال (لوقا 15: 17)، والوكيل الخائن (لوقا 16: 3).
5ولكِنَّ هذِه الأَرمَلَةَ تُزعِجُني، فسَأُنصِفُها لِئَلاَّ تَظَلَّ تَأتي وتَصدَعَ رَأسي)).
تشير عبارة ” تُزعِجُني” الى الحاح الارملة على القاضي لإنصافها، فاتخذ القاضي قراره في أنانيته لا بدافع العطف مع الارملة او من أجل العدل؛ اما عبارة” فسَأُنصِفُها ” فتشير الى إنصاف القاضي لهذه الأرملة الفقيرة ليس بدافع حب العدل بل رغبة في التخلص من إلحاحها وإزعاجها المتكرر. إن القاضي يمتلك قوة القضاء، ولكنه لا يملك قوة الحقيقة، فصبرت الارملة وصرخت ونالت، وقد قالوا في صاحب الحق “لا يضيع حق ووراءه مطالب”. اما عبارة ” تَصدَعَ رَأسي ” فتشير في أصل اللغة اليونانية ὑπωπιάζῃ ومعناها تقمعني. هي الكلمة نفسها التي استخدمها بولس الرسول في قوله “أقَمَعُ جَسَدي ” (1قورنتس 27:9). والقمع هو الضرب بقبضة اليد تحت العين. والصورة استعارية تشبيهيه بطبيعة الحال، وكأنما القاضي يقول لئلاَّ تأتي عليّ بتوسلاتها مرة بعد مرة، وهذا بالنسبة له كأنه قمع. فإن كان إلحاح الارملة قد حننت هذا القلب القاسي فكم بالأولى نستعطف قلب الله كلي الحنان. ولسان حال الارملة ترنيمة صاحب المزامير “في ضيقي الرَّبَّ دَعَوتُ وإِلَيه إِلهي صَرَختُ فسَمعَ صَوتي مِن هَيكَلِه وبَلَغَ صُراخي مِسمَعَيه”(مزمور 18: 7).
6ثّمَّ قالَ الرَّبّ: ((اِسمَعوا ما قالَ القاضي الظَّالِم.
تشير عبارة ” الرَّبّ” الى يسوع (لوقا 7: 13). ويطلق لوقا الإنجيلي هذا اللقب على يسوع نحو (20) مرة للدلالة على مُلك يسوع الخفي، والعهد الجديد يطلق هذا الاسم لا على الآب وحسبُ ولكن على يسوع أيضا معترفا به الهاً كما جاء في تعليم بولس الرسول ” ولَم يَعرِفْ حكمته أَحَدٌ مِن رُؤَساءِ هذِه الدُّنْيا، ولَو عَرَفوها لَما صَلَبوا رَبَّ المَجْد” (1قورنتس 2: 8). ويطبِّق لوقا المثل فيقابل بين الله الرحيم وهذا القاضي الظالم ليعطي قوة لبرهانه. ومن الواضح من ان الرب يسوع لا يحث ذويه على الظلم. إذا فعل القاضي كذلك، فكم بالأحرى الله. لقد شبه لوقا الله بالقاضي الظالم، لكنه نفى عن الله الظلم وتوقف منه على استعداده لإنصاف مختاريه. وتوخى من وراء هذا التشبيه أن يؤثر في خيال السامعين ليُعلمهم ويثقفهم فكأنه أراد أن يقول لهم: إذا كان القاضي الظالم، قد استجاب إلى طلب ِالأرملة فكم بالحري يستجيب الله، وهو العادل الشفيق، طلب من يتضرعون إليه، وهو يعنى بصفة خاصة بالمظلومين وبالأرامل كما يقول صاحب المزامير ” أَبو اليَتامى ومُنصِفُ الأَرامل ” (مزمور 68: 5).
7أَفما يُنصِفُ اللهُ مُختاريهِ الَّذينَ يُنادونه نهاراً ولَيلاً وهو يَتَمهَّلُ في أَمرِهم؟
تشير عبارة ” أَفما يُنصِفُ اللهُ مُختاريهِ ” الى استدلال في صيغة كم بالأحرى او بالأولى. إذا كان القاضي الظالم قد أنصف الارملة كم بالأحرى الله ينصف مؤمنيه الذين يسألونه. وبعبار ة أخرى، إن كان هذا حال قاضي ظالم مع أرملة ضعيفة أفلا ينصف الله الكلي العدل مختاريه، أصحاب حق، الصارخين إليه ليلا ونهارا. وهذا الموضوع يتردد في المزامير ” أللَّهُمَّ أَنصِفْني ودافع عن قَضِيَّتيِ مع قَوْمٍ غَيرِ أَصفِياء ومِن صاحِبِ الكَيدِ والإِثْمِ نَجني”(مزمور 43: 1)؛ اما عبارة “يُنادونه نهاراً ولَيلاً ” فتشير إلى الصلاة “كنافذة مفتوحة نحو الله من الفجر إلى الفجر”، ليل نهاركما يُعلق جبران خليل جبران؛ امّا عبارة “هو يَتَمهَّلُ في أَمرِهم؟” فتشير الى تأخير له أسبابه، وينبغي ان لا نخلط بين التأخير والتجاهل. والمثل الشعبي يقول الله يُمهل ولا يُهمل”. فهو طويل الروح وكثير الرحمة لمحبيه وحافظي وصاياه كماء جاء في صلاة النبي دانيال “أَيُّها السَّيِّدُ الإِلهُ العَظيمُ الرَّهيب، حافِظُ العَهدِ والرَّحمَةِ لِلَّذينَ يُحِبُّونَكَ ويَحفَظونَ وَصاياكَ” (دانيال9: 4). وفي الوقت المناسب يعطينا الله أكثر مما طلبنا، وأكثر ممّا نظن أو نطلب كما جاء في تعليم بولس الرسول “ذاكَ الَّذي يَستَطيعُ، بِقُوَّتِه العامِلَةِ فينا، أَن يَبلُغَ ما يَفوقُ كثيرًا كُلَّ ما نَسأَلُه أَو نَتصَوَّرُه” (أفسس 20:3)، لذلك يتصور الإنسان أن الله متمهل إذ يطيل أناته وصبره، ولكن التأخير قد يؤدي الى جمود لدى الله مما يُولد حجر عثرة كما يسأل النبي زكريا “يا رَبَّ القُوَّات، الى مَتى لا تَرحَمُ أُورَشَليمَ ومُدُنَ يَهوذا الَّتي غضِبتَ علَيها هذه السَّبْعينَ سَنَة؟” (زكريا 1: 12) علما أن مجيء المسيح يضاعف الشعور بحجر العثرة عند المسيحين. ويجيب بطرس الرسول ” إِنَّ الرَّبَّ لا يُبطِئُ في إِنجازِ وَعْدِه، كما اتَّهَمَه بَعْضُ النَّاس، ولكِنَّه يَصبرُ علَيكم لأَنَّه لا يَشاءُ أَن يَهلِكَ أَحَدٌ، بل أَن يَبلُغَ جَميعُ النَّاسِ إِلى التَّوبَة” (2 بطرس 3: 9). اما عبارة “أَمرِهم” فتشير الى المختارين او الى مضايقيهم.
8أَقولُ لَكم: إِنَّه يُسرِعُ إِلى إِنصافِهم. ولكِن، متى جاءَ ابنُ الإِنسان، أَفَتُراه يَجِدُ الإِيمانَ على الأَرض؟))
تشير عبارة ” يُسرِعُ إِلى إِنصافِهم ” الى تدخل الله في حياة المختارين ليمنحهم الخلاص. فالدينونة عاجلة كما صرّح السيد المسيح ” الحَقَّ أَقولُ لَكُم: في جُملَةِ الحاضِرينَ ههُنا مَن لا يَذوقونَ المَوت، حتَّى يُشاهِدوا مَلكوتَ اللهِ آتِياً بِقُوَّة” (مرقس 9: 1)، ولكن في إنجيل لوقا الدينونة هي غير منتظرة وفي مستقبل غير مُحدَّد؛ اما عبارة “أَفَتُراه يَجِدُ الإِيمانَ على الأَرض؟” فتشير الى الجحود الذي يحصل في نهاية الأزمنة كما صرّح بذلك بولس الرسول ” لا يَخدَعَنَّكم أَحَدٌ بِشَكْلٍ مِنَ الأَشكال. فلا بُدَّ قَبلَ ذلِكَ أَن يَكونَ ارتِدادٌ عنِ الدِّين، وأَن يَظهَرَ رَجُلُ الإِلْحاد، اِبْنُ الهَلاك” (2تسالونيقي 2: 3)؛ أمَّا متى الإنجيلي فيشير بعبارة “أَفَتُراه يَجِدُ الإِيمانَ على الأَرض؟” أن الخطايا ستزداد على الأرض فكتب “يَزْدادُ الإِثْم، فتَفتُرُ المَحَبَّةُ في أَكثرِ النَّاس” (متى 24: 12). لكن الإيمان بإنصاف الله لنا يتم من خلال الصلاة. الصلاة تسمح لنا بأن نواصل إيماننا وأن نحافظ على علاقة الثقة مع الله ونقاوم وننتصر عندما نتعرض الى التجربة او الألم او الشك.
ثانياً: تطبيق النص الإنجيلي (لوقا 18: 1-8)
انطلاقا من الملاحظات الوجيزة حول وقائع النص الإنجيلي، نستنتج ان النص يتمحور حول واجب المداومة على الصلاة استعدادا للمجيء الثاني للسيد المسيح وحفاظا على الايمان.
1) المداومة على الصلاة استعداد للمجيء الثاني للسيد المسيح
بعد أن أعطى السيد علامات مجيئه الثاني، وتنبأ عن ضيق شديد يصاحب هذه الأيام، حثَّ المؤمنين الصلاة المداومة على الصلاة بلا ملل استعدادا لهذا المجيء. ويُعلق الاب ثيوفلاكتيوس ” إذ تحدث ربنا عن المتاعب والمخاطر التي ستحل أضاف العلاج في الحال، أي الصلاة الدائمة بغيرة. وإن المداومة على الصلاة تتطلب اللجاجة في الصلاة والصلاة ليل نهار.
ا) اللجاجة في الصلاة (لوقا 18: 5)
يوصي يسوع بوجوب المداومة على الصلاة مقدماً حجة مثل القاضي الظالم والارملة. إذا أنصف القاضي الظالم ارملة لا حول لها ولا قوة ولا سند بسبب توسلها غير المنقطع، “ولكِنَّ هذِه الأَرمَلَةَ تُزعِجُني، فسَأُنصِفُها لِئَلاَّ تَظَلَّ تَأتي وتَصدَعَ رَأسي” (لوقا 18: 5) فكم بالأحرى يستجيب الله القدوس لمختاريه الصارخين إليه ليلا نهاراً طلبا للإنصاف؛ إذا كان القاضي الظالم قد استجاب لإلحاح ولجاجة المرأة الارملة، فكم بالحري يستجيب لنا الإله المُحب العظيم. فإن كان صراخ الأرملة المظلومة قد غلب القاضي الظالم الذي لا يخاف الله ولا يهاب إنسانًا، حتى وهبها طلبتها بغير إرادته، أ فليس ذاك الذي يحب الرحمة ويكره الظلم، ويمد يده على الدوام لمحبيه، يقبل الذين يقتربون إليه ليل نهار، وينتقم لهم بكونهم مختاريه؟ وقد صرّح يشوع بن سيراخ “الرب لا يُحابي الوُجوهَ على حِسابِ الفَقير بل يَستَجيبُ صَلاةَ المَظْلوم. لا يُهمِلُ تَضَرُّعَ اليَتيم ولا تَضَرّعَ الأَرمَلَةِ إِذا سَكَبَت شَكْواها. ألَيسَت دُموعُ الأَرمَلَةِ تَسيلُ على خَدَّيها وصُراخُها على الَّذي أَسالَها؟ (يشوع بن سيراخ 35: 13-16). القاضي الذي لا يخاف الله وبدون قلب ينتهي به الامر الى الحكم بالعدل، فما أولى الله الآب الذي يُحب البشر ان ينصف من يُحبهم. فإن قد احسسنا بحبه له، فلنؤمن بأنه يسمع صراخنا.
يعلمنا السيد المسيح عن الحاجة إلى الصلاة الدائمة من خلال الارملة التي بلجاجتها غلبت القاضي الظالم بسؤالها المستمر. ويؤكد ذلك القديس يوحنا الذهبي الفم” ذاك الذي فَداك يظهر لك ما يريده منك أن تفعله؛ يريدك في صلاة دائمة”. لذا يوصينا يسوع في الالحاح في الصلاة “وإِنَّي أَقولُ لَكم. اِسأَلوا تُعطَوا، اُطلُبوا تَجِدوا، اِقرَعوا يُفتَحْ لَكم. لأَنَّ كُلَّ مَن يَسأَلُ ينال، ومَن يَطلُبُ يَجِد، ومَن يَقرَعُ يُفتَحُ له” (لوقا 11: 9-10). من يسال ينل، هذه الحكمة اتخذت من اختبار المتسولين، المتسول لجوج لأنه يعرف ان لجاجته تنتصر في النتيجة على صد الناس له، فكم بالحري أهمية اللجاجة في الصلاة.
وعليه فإن الالحاح في الصلاة يُعيننا على ان ندرك عمل الله عندما نراه. فعلينا الإلحاح و «الصراخ ليلًا ونهارًا». ويقول القديس يوحنا الذهبي الفم ” تأكد أنك لا تحد صلاتك بجزءٍ معين من اليوم. اتجه إلى الصلاة في أي وقت، كما يقول الرسول في موضع آخر: “لا تَكُفُّوا عن الصَّلاة” (1 تسالونيقي 5: 17)”.
ب) الصلاة ليل نهار بلا ملل (لوقا 18: 7)
قال السيد المسيح”أَفما يُنصِفُ اللهُ مُختاريهِ الَّذينَ يُنادونه نهاراً ولَيلاً وهو يَتَمهَّلُ في أَمرِهم؟” السؤال كيف تكون المداومة على الصلاة ليل نهار بلا ملل استعداداً لمجيء الرب؟ الصلاة ليست مجرد عمل لوقت معين فحسب، إنما هي حالة دائمة للروح. ويخبرنا الرسول بولس أن نصلي ” أَقيموا كُلَّ حينٍ أَنواعَ الصَّلاةِ والدُّعاءِ في الرُّوح” (أفسس 6: 18)، بمعنى أن الصلاة لا تكون فقط في الخارج بالشفاه (بكلمات مسموعة) بل وفي الداخل، فهي عمل العقل والقلب. بهذا يكون جوهر الصلاة هو رفع العقل والقلب نحو الله. ومن هنا جاءت توصية بولس الرسول “كُونوا في الرَّجاءِ فَرِحين وفي الشِّدَّةِ صابِرين وعلى الصَّلاةِ مُواظِبين” (رومة 12: 12). والصلاة هي التي تعطينا تعزية وقت الضيق، وتعطينا ثباتًا وقت الفرح، حتى لا ننجرف وراء أهوائنا وننسى الله. وهذا الاتصال بالربّ يحمينا من كل محاولات إبليس ضدنا. إبليس إن وَجَدَ إنسانًا في حالة صلاة لا يستطيع معه شيء.إن إبليس إن وَجَدَ إنسانًا في حالة صلاة لا يستطيع معه شيء.
من هذا كله يتضح أن الصلاة الدائمة ليست أمرًا عارضًا، بل سمة أساسية للروح المسيحية. فحياة المسيحي بحسب الرسول “مُحتَجِبةٌ معَ المسيحِ في الله (قولسي 3: 3)، إنها وجب على المسيحي أن يعيش في الله على الدوام بكل فكره ومشاعره؛ وإذ يفعل هذا إنما يصلي بلا انقطاع! قد أجاب القديس باسيليوس الكبير على السؤال: كيف استطاع الرسل أن يصلوا بلا انقطاع؟ قائلًا “أنهم في كل شيء كانوا يفعلونه يفكرون في الله، عائشين في تكريس دائم لله. هذا الحال الروحي كانت صلاتهم التي بلا انقطاع”.
ويعلمنا بولس الرسول أيضًا أن كل مسيحي هو “أَما تَعلَمونَ أَنَّكُم هَيكَلُ الله، وأَنَّ رُوحَ اللهِ حالٌّ فيكم؟ (1قورنتس 3: 16). هذا الروح دائمًا حال فيه، ويشفع فيه، مصليًا في داخله “بأَنَّاتٍ لا تُوصَف” (رومة 8: 26)، وهكذا يعلمه كيف يصلي بلا انقطاع.
الله يريد منا الصلاة لا تأدية لوجب فحسب، بل جهادا متواصلا؛ ألم يقل المسيح “فمُنذُ أَيَّامِ يُوحنَّا المَعْمَدانِ إِلى اليَومِ مَلَكوتُ السَّمواتِ يُؤخَذُ بِالجِهاد، والمُجاهِدونَ يَختَطِفونَه”(متى 11: 12). بإلحاحنا في الصلاة تنمو شخصيتنا وايماننا ورجاؤنا. كما يبدو من صلاة بولس الرسول الى اهل تسالونيقي “لِذلِك نُصلِّي مِن أَجلِكم دائِمًا، عَسى أَن يَجعَلَكم إِلهُنا أَهْلاً لِدَعوَتِه وأَنُ يُتِمَّ بِقُدرَتِه كُلَّ رَغبَةٍ في الصَّلاحِ وكُلَّ نَشاطِ إِيمان” (2 تسالونيقي 1: 11). إن المثابرة والالحاج في الصلاة تصنع الكثير من أجل تغيير عقولنا، فمن المفيد ان نصلي كما لو ان الاستجابة تعتمد على صلاتنا، وإن كنا واثقين ان الاستجابة تعتمد على الله،
2) المداومة على الصلاة للحفاظ على الايمان يوم مجيء الثاني للمسيح (لوقا 18: 8)
وعد الله ان ينصف مختاريه وهم ينتظرون مجيء ابنه يسوع المسيح. “أَقولُ لَكم: إِنَّه يُسرِعُ إِلى إِنصافِهم. ولكِن، متى جاءَ ابنُ الإِنسان، أَفَتُراه يَجِدُ الإِيمانَ على الأَرض؟)) (لوقا 18: 8). لكن مجيئه قد يتأخر ويُنتظر، فهنالك سؤال ” حَتَّامَ، يا أَيُّها السَّيِّدُ القُدُّوسُ الحَقّ، تُؤَخِّرُ الإِنْصافَ؟ ” (رؤيا 6: 10). وأسئلة أخرى شائكة: هل اثبت حتى لنهاية؟ الست قادر الجحود والتخلي البطيء عن الايمان؟ الن يتفتت إلإيمان أمام الشك والمآسي؟ من يدري؟ تجربة التخلي عن الايمان تشمل كل زمان ومكان. المختارون تراودهم هذه التجربة. ضمانهم الوحيد هو المثابرة على الصلاة المستمرة. لا يتركنا الله ما لم نتركه نحن. فيجب ألا نياس ” فلا تَفْتُرُ هِمَّتُنا” (2 قورنتس 4: 1).
وإذا لم يتدخل الله لإنقاذ المختارين فوراً فلانَّه متمهِّل على ظالميهم. إن كان قد سمع طلبتها ذاك القاضي الظالم الذي يكره أن يسأله أحد، فكم يسمع لنا الله الذي يحثنا أن نسأله! الربّ يستجيب في الوقت الذي يراه مناسبًا وقد يتركنا فترة نتنقى فيها كالذهب في البوتقة؛ فإنّه يضع دائماً إيماننا تحت الاختبار كما جاء في تعليم بطرس الرسول “عُدُّوا طولَ أَناةِ رَبِّنا وَسيلةً لِخَلاصِكم” (2 بطرس 3، 15). والربّ يطيل أناته علينا، لأنه كلما نطيل صلواتنا، فنحن نقف أمامه وقتًا أطول، يتمّ فيه إصلاح الداخل والشفاء الداخلي ونشعر بضعفنا واحتياجنا للربّ. فإذا كان أسوأ الرجال الظالمين قد استسلم أمام إلحاح أرملة فقيرة ألا يُعطي الله الآب لأبنائه كلّ ما يحتاجونه؟ ويعلق أفرام السرياني (306-373 م) “ان الصلاة المستمرة تحول الظلم والشر إلى رحمة”
والسؤال الآخر “متى جاءَ ابنُ الإِنسان، أَفَتُراه يَجِدُ الإِيمانَ على الأَرض؟ ” (لوقا 18: 8). الإيمان المقصود هنا هو إيمان المثابرة في الصلاة والثبات عليها، إيمان الولاء للمسيح الربّ وانتظار مجيئه. وعليه فإن المسيح يوصي بأن نصلي دائمًا بإيمان؛ فهناك في الخارج أعداء كثيرون وشياطين ضد المسيح، وهناك في داخلنا شهواتنا وخطايانا. والسيد يعلن أن كثيرين يسقطون تبرد محبتهم، حتى يكاد الإيمان أن يختفي، مما يُشير الى الجحود الذي يحصل في نهاية الأزمنة كما صرّح بذلك بولس الرسول ” لا يَخدَعَنَّكم أَحَدٌ بِشَكْلٍ مِنَ الأَشكال. فلا بُدَّ قَبلَ ذلِكَ أَن يَكونَ ارتِدادٌ عنِ الدِّين، وأَن يَظهَرَ رَجُلُ الإِلْحاد، اِبْنُ الهَلاك” (2تسالونيقي 2: 3). وموضوع الارتداد عن الدين والمترقب حدوثه في اخر الازمنة هو موضوع تقليدي في الادب الرؤيوي.
اما متى الإنجيلي فيشير بذلك أن الخطايا ستزداد على الأرض ” يَزْدادُ الإِثْم، فتَفتُرُ المَحَبَّةُ في أَكثرِ النَّاس” (متى 24: 12). أن شعلة الإيمان لن تنطفئ عن وجه الأرض، ولكنها ستتأتى أيام لا يأبه فيها الناس للعدالة الإلهية وستنتشر تيارات الكفر والإلحاد وتتكاثر المحن والمصائب وهذا كله يوجب مضاعفة الصلاة.
لذا يحثنا السيد المسيح على الصلاة بإيمان بالله المستجيب الصلوات. قد قيل “فلْيَطلُبْها بِإِيمانٍ مِن غَيرِ أَن يَرْتاب، لأَنَّ المُرتابَ يُشبِهُ مَوجَ البَحرِ إِذا لَعِبَت بِه الرِّيحُ فهاجَتْه. ولا يَظُنَّنَّ ذلك الرَّجُلُ أَنَّه يَنالُ مِنَ الرَّبِّ شَيئًا” (يعقوب 1: 6-7).
يعُلن أنه في أواخر الدهور إذ يجحد الكثيرون الإيمان وتبرد المحبة تتوقف أيضًا الصلاة، فيفقد الإنسان صلته وصداقته مع الله. هذا هو ما معنى قول يسوع “العله يجد الإيمان على الأرض؟ إن سقط الإيمان بطلت الصلاة، لأنه من يصلي لمن لا يؤمن به؟ لذلك عندما حث الرسول بولس على الصلاة، قال: ” فكُلُّ مَن يَدْعو بِاسمِ الرَّبِّ يَنالُ الخَلاص ” (رومة 10: 13). ولكي يظهر أن الإيمان هو ينبوع الصلاة أكمل قائلًا: كَيفَ يَدْعونَ مَن لم يُؤمِنوا بِه؟ ” (رومة 10: 14). يقول القديس أوغسطينوس “حتى نصلي، يجب ان نؤمن؛ ولكيلا يضعف الإيمان، علينا ان نصلي “. فالإيمان يساعد على نمو الصلاة، وعندما تنمو الصلاة تجعل إيماننا يتقوى شيئا فشيئا. الإيمان يفيض صلاة، وفيض الصلاة يقوي الإيمان. فلكيلا يضعف الإيمان أثناء التجربة قال الرب: “قُوموا فصَلُّوا لِئَلاَّ تَقَعوا في التَّجرِبَة”(لوقا 22: 46)”. ماذا يعني “تدخلوا في تجربة” أي ترك الإيمان؟ فالتجربة تشتد بضعف الإيمان، وتزول بنمو الإيمان.
ولكن الإيمان معرض للإنطفاء. وكثرة الصلاة تقوي الإيمان. فلكيلا يضعف الإيمان وقت التجربة علينا أن نصلي بلا ملل “قُوموا فصَلُّوا لِئَلاَّ تَقَعوا في التَّجرِبَة”(لوقا 22: 46)؛ والتجربة هنا هي ترك الإيمان كما صرّح السيد المسيح لبطرس الرسول ” سِمعان سِمعان، هُوذا الشَّيطانُ قد طَلَبكُم لِيُغَربِلَكُم كَما تُغَربَلُ الحِنطَة. ولكِنَّي دَعَوتُ لَكَ أَلاَّ تَفقِدَ إِيمانَكَ. وأَنتَ ثَبَّتْ إِخوانَكَ متى رَجَعْتَ” (لوقا 22: 31-32). يسوع ذاك الذي يحمي إيماننا يصلي، أفلا يصلي ذاك الذي يتعرض للخطر؟ فعلى المؤمن أن يصلي كما أوصى السيد المسيح ” إِذا صَلَّيتُم فَقولوا: أَيُّها الآب لِيُقَدَّسِ اسمُكَ لِيأتِ مَلَكوتُكَ. أُرزُقْنا خُبزَنا كَفافَ يَومِنا وأَعْفِنا مِن خَطايانا فإِنَّنا نُعْفي نَحنُ أَيضاً كُلَّ مَن لنا عليه ولا تَترُكْنا نَتَعرَّضُ لِلَّتجرِبَة” (لوقا 11: 2-5). والمسيح نفسه يقول لرسله ” حتَّى الآن لم تَسألوا شَيئاً بِاسمي. إِسأَلوا تَنالوا ” (يوحنا 16: 24). إنه شفيعنا، إنه كفارة عنا، إنه معزينا، واهبنا كل طلباتنا.
الايمان هو التسليم والثقة المطلقة والطريق الوحيد الى الله. الإيمان هو الخلاص كما جاء في تعليم بولس الرسول الى السجان: “آمِنْ بِالرَّبِّ يسوع تَنَل الخَلاصَ أَنتَ وأَهلُ بَيِت ” (اعمال الرسل 16: 31)؛ الايمان هو تصديق لما جاء في بشرى الخلاص، القوة ليست في ايمانك، وإنما القوة في صحة الخبر الذي تصدّقه. لكن هل سيجد ابن الإنسان، متى جاء، هذا الإيمان ويجد مؤمنين يناضلون مع الأيدي المفتوحة التي تُصلّي له ليلًا ونهارًا؟ يمكننا أن نتوقّع الضيقات والشدائد، لكنّنا لسنا دون إيمان. سوف تكشف دينونة الربّ الأخيرة أنّ عدل الربّ ينتصر على جميع المظالم الّتي ترتكبها مخلوقاته، وأنّ محبّة الربّ أقوى من الموت كما ترنم صاحب النشيد أناشيد (نشيد الأناشيد 8، 6). لذا لا نتردد ان نطبق وصية بولس الرسول عن الصلاة “أُريدُ أَن يُصَلِّيَ الرِّجالُ في كُلِّ مَكانٍ رافِعينَ أَيدِياً طاهرة، مِن غَيرِ غَضَبٍ ولا خِصام.” (1طيموتاوس 2: 8).
العبرة
ليس الدرس من المثل الاستمرارية في الصلاة فحسب، ولكنه اليقين من الاستجابة للصلاة ايضا. فاذا كان هذا الرجل الظالم وفاقد الذمة قد استجاب طلب الارملة، فالله بأولى حجة يستجيب لمن يتوجّهون إليه في فقرهم وفي توسلاتهم. يجب ان نصلي دائما وبدون ملل. ويسوع كان يصلي بشكل دائم ليلا نهار وعلى شواطئ البحيرة وفي الصباح الباكر قبل شروق الشمس. لنصلي بلا ملل للحفاظ على الايمان لدى مجيئه الثاني. قد يُمهِل الله ولكنه لا يُهمِل. قد يمتحن إيماننا ولكنه في النهاية يستجيب لنا لأنه يريد أن يمحصنا كما يمحص الذهب في البوتقة والنار، هذا معنى الايمان، أي الثقة والتصديق والاستسلام لإرادة الله القديرة والمُحِبة.
الخلاصة
بعد حديث الربّ مع تلاميذه عن مجيئه الثاني، أراد أن يوجه نظرهم إلى ما ينبغي عمله وهم منتظرين مجيئه. ضرب مثل المرأة المظلومة التي تُلح علي القاضي لإنقاذها كي يحثنا على الصلاة الدائمة، ولا نمل أبدًا، بل نواظب عليها في أوقاتها، فهو ليس كالقاضي الذي يتأخر عن إنصاف الارملة عن قصد، ولكنه حينما يتمهل علينا فهو لحكمة عنده ولوقت معين، فعلينا أن ننتظره بصبر وإيمان، واثقين أنه سيستجيب.
الدعاء:
أيُّها المسيحُ إلهُنا ومخَلِّصنا. نرفع أيدينا نحوك، قوّي إيماننا لنواجه الضيقات والصعوبات، واُنصفنا نحن الصارخين اليك ليل نهار، انت مصدر الحب الذي منه كل عطية صالحة وكل موهبة تامة، فننمو في خدمة الخير ونقهر الشرّ الّذي يُهدّد العالم، نتقدم نحو عرشك الالهي بثقة وإيمان ورجاء فاستجب لنا. وأنتِ يا مريم أمّنا، عمّقي فيّنا روح الصلاة وعلّمينا أن أصلّي بإيمان وبدون ملل. آمين”.