Liturgical Logo

الله لم يضنّ لا بكلمته ولا بمسيحيّيه!

الأب بيتر مدروس

“الله لم يبخل بابنه” (روم 8: 31)
يعني الفعل اليونانيّ الأصليّ هنا “فيدومي φείδομαι أنّ الله “لم يوفّر، لم يضنّ، لم يبخل” بكلمته المتجسّد بل “أسلمه إلى الموت من أجلنا جميعًا”. يربط مار بولس هذه العبارة بمشروع تضحية إسحق حيث “وفّر” الله ابن إبراهيم خليله. وأتى “توفير” إسحق مكافأةً – غير متوقّعة، بصراحة- لما فعل إبراهيم أي لأنّه “لم يدّخر، لم يوفّر (فعل חשך) ابنه وحيده”.
لا مجال “للتّوفير” مع الله الّذي أعطانا كلّ شيء بالخلق وبالمسيح!
أمّا قصّة “ابنك وحيدك إسحق”، فهل فيها تجاهل إلهيّ لإسماعيل المسكين (تكوين 16: 12)؟ أم تقليل من قدر “ابن الأمَة” الّذي “لا يُحسَب” ولا يرث مع ابن الحّرّة؟ مهما يكن من أمر، تشكو أمّتنا “الإسماعيليّة الهاجريّة” من مركّب النّقص. ولكن، في المسيح يسوع، “لم يعد هنالك ذَكَر ولا أنثى، ولا عبد ولا حرّ، ولا يونانيّ ولا يهوديّ”، فيسوعنا وإنجيلنا ومعموديّتنا نهاية العنصريّة (غلاطية 3: 26 وتابع) وإعلان المساواة التّامّة في القيمة بين النّاس، والأخوّة الشّاملة وقد فدانا أي خلّصنا الرّبّ “من كلّ أمّة وقبيلة وشعب ولسان” بمعنى أنه أنقذ كلّ النّاس، من كلّ الشّعوب، وأيضًا بمعنى أنّه نجّانا وحرّرنا من كلّ نعرة وعنصريّة وتمييز. وفعلاً، كانت الكنيسة والبلاد المسيحيّة السّبّاقة – والوحيدة- في إعلان “حقوق الإنسان” وخصوصًا المادّة الأولى منها أي المساواة وإن اختلف الجنس والدّين. ومن المؤسف أن ” قد بُنيَ الشّرع التّلموديّ بالضّبط على هذا الاختلاف والتّمييز والنّعرة، بسبب الجنس (ذَكَر وأنثى) والدّين” (“حقوق الإنسان”، ص 16). أمّا “الثّورة الفرنسيّة” التي تشدّقت بإعلان حقوق الإنسان- قبل الأمم المتّحدة- فكانت أوّل من انتهك تلك الحقوق، وكانت أيضًا قد تجاهلت- كعادتها- أنّ الإنجيل والكنيسة هما أساس المساواة والأخوّة والحرّيّة!

يا ربّ، لماذا تضنّ بالمسيحيّين ولا توفّرهم؟
مسيحيّو العراق: من مليون ونصف المليون في وطنهم (الّذي فيه هم المواطنون الأصليّون من أشوريين وكلدان وسريان) اليوم أمسوا 200000 (إعلان المطران بشّار وردة). وللمسيحيّين في الهند: سنة 2017 أسوأ عام! وفي الغرب أيضًا: اضطهاد من الحكومات “العلمانيّة” وسواها على المسيحيّين وتضييق خناق…
وكما سأل الأرمن “أبانا الله” ( أسدفادز بابان) Աստուած պապան: “لماذا يا ربّ؟” وقت “المحرقة الأرمنيّة” أي “المذبحة سنة 1915، “الشّرّ الكبير”، يسأل اليوم مسيحيّو العالم كلّه، والمسيحيّة أكثر الأديان اضطهادًا. ويأتينا الجواب من رسول الأمم الإناء المختار: “الله لم يضنّ بابنه” أي بكلمته المتجسّد، فسوف “يهب لنا معه كلّ شيء”! نعم، كلّ نعمة وفضيلة وبطولة وشهادة وثبات في الإيمان وصلابة في الرّجاء ودفء في المحبّة وسط نيران الاضطهادات. ولا ننسى مسيحيّي سورية ونيجيريا والفليبين وسواهم. “فما من تلميذ أسمى من معلّمه”.
شرق أوسط جديد وغرب مسيحيّ مجدّد!
قال هذه الكلمة أحد الكهنة الكاثوليك السّوريّين وعيناه مغرورقتان بالدّموع. فوق أشلاء المسيحيّين سيرتفع الصّليب، وهذا هو مكانه: فوق الجثث، عرشًا للمصلوب وراية للخلاص وجسرًا بين الأرض والسّماء! ويتمّ من جديد قول ترتليانوس المأثور: “دم الشّهداء بذار المسيحيّين”. توهّمت بابل، روما الوثنيّة، باضطهادات عشر، أن تقضي على المسيحيّة تلك “البدعة البغيضة” التي يأتيها “الاسم من كريستوس الّذي سلّمه بونطيوس بيلاطوس إلى العذاب في عهد طيباريوس قيصر”، حسب تعبير المؤرّخ الرّومانيّ تاشيتوس (في “الحوليّات”). وانشرح صدر الطّاغية نيرون المصاب بجنون النّار والعظمة والاضطهاد (pyromane, paranoïaque mégalomane) عندما وسوست إليه هامسة – أن يُلصق بالمسيحيّين تهمة إحراق روما – وسوست إليه زوجته الثّانية الانتهازيّة الوصوليّة سابينا بوبيا (البنت)، من مواليد مدينة بومبيي، المتعاطفة مع اليهود (حسب كتابة للمؤرّخ فلافيوس يوسيفوس)! وكانت ضغوطات على المسيحيّين كثيرة، حتّى قبل الاضطهاد النيرونيّ الأوّل، وما أشبه اليوم بالأمس: لا وصول إلى المناصب العليا في الإمبراطورية، لا دخول للمسيحيّين في مجلس الشّيوخ، تجريد من وظائفهم…
مثل طير “الفينكس” الأسطوريّ، “سيتجدّد كالنّسر” شباب مسيحيّي الشّرق الأوسط والغرب الذي أصبح “ملجأ عجزة” (مع الاحترام للمسنّين!). ولا نستغرب نحن المسيحيّين من هذا الانقلاب الأبيض المنير “وعيوننا شاخصة إلى بادىء إيماننا يسوع الّذي للفرح المقدّم له تحمّل الصّليب” (عبر 12: 2).
خاتمة
في زمن الصّوم هذا، وفي كلّ كنائس العالم، في صلاة السّاعات للطّقس اللاتينيّ، ننهي “فرض الظّلمات” في الأسبوع المقدّس بهذه الصّلاة المؤثّرة: “يا ربّ، انظر إلى عشيرتك هذه الّتي من أجلها لم يتردّد ابنك ربّنا يسوع المسيح أن يُسلَم إلى أيدي الأشرار ويتحمّل عذاب الصّليب!”
وكما مات هو- له المجد، والغار بعد العار- ثمّ قام، هكذا ستقوم الكنيسة بعد كثير ألم ووافر معاناة وشديد اضطهاد وعسير ضيق وثقيل صليب!