Liturgical Logo

” المدعوّون كثيرون، ولكن المختارين قليلون”

البطريرك بيتسابالا

ما زلنا في الفصل ٢٢ من إنجيل متى. ويعرض لنا انجيل اليوم مَثَلا آخر. يرويه يسوع إبان حواره الصعب مع رؤساء الفريسيين. وهو المَثَل الأخير الذي يوجّهه لهم.
دعونا نبدأ ببعض العناصر المشتركة التي تربط مَثَل اليوم مع أمثال الآحاد الأخيرة.
على غرار الأمثال السابقة يتضمن مَثَل اليوم دعوة. في النص، يتكرر فعل “يدعو” – ومشتقاته – ست مرات على الأقل.
قبل كل شيء يمكننا القول أن ملكوت الله هو دعوة مجانية للمشاركة في حياة شخص آخر: كالعمل في كرمه ومشاركته وليمة عرسه. ولكن حيث نتوقع أن تسير الأمور بسلاسة – أي تلبية الدعوة – يمكن أن يدخل عنصر مفاجىء يعكّر صفو الدعوة والاستجابة: في كل مَثَل نلقى عائقا مزعجا متكررا.
في مَثَل صاحب البيت (متى ٢٠: ١– ١٦) نجد أن العمال الذين استأجرهم السيّد في أول النهار لا يفهمون منطقه وينصرفون غير راضيين. أما في مَثَل الابنين (متى ٢١: ٢٨– ٣٢) فنرى أن واحداً منهم يجيب بنعم ولكنه لا يذهب، وفي مَثَل الكرّامين القتلة (متى ٢١: ٣٣– ٤٦) نجد سوء معاملة الأشخاص الذين أرسلهم صاحب الكرم بالإضافة إلى مقتل ابنه. حيثما هناك دعوة مجانية، توجد إمكانية الرفض.
اليوم يحصل أمر مماثل، ويجري الرفض بطريقتين مختلفتين.
أولاً هنالك رفض المدعوين الأوائل: يمكننا تسميتهم “مدعوي الساعة الأولى“. والغرابة هنا تتمثل في رفضهم تلبية الدعوة بالرغم من إصرار الملك وإرساله المتكرر لخدمه (متى ٢٢: ٣– ٤). وهذا يذكرنا بتعدد المرات التي خرج فيها صاحب البيت ليستأجر عمّالا لكرمه.
يتحدّث الإنجيل عن ثلاثة أنواع من الرفض. البعض وبكل بساطة “أبى أن يأتي” (متى ٢٢: ٣)؛ والبعض الآخر “لم يبال” (متى ٢٢: ٥) وذهب إلى تجارته. ومنهم في النهاية من تصرّف بعنف (متى ٢٢:٦).
قد يبدو الأمر غريبا، خاصة وأن الدعوة هي دعوة لوليمة عرس أي إلى حفل عيد. قد يبدو رفضهم منطقياً لو كان انشغالهم بالتزام خطير. ولكن لماذا رفضوا تلبية الدعوة إلى وليمة؟ ليس الأمر غريباً كما يبدو: إن الدعوة المجانية لإقامة علاقة ثقة ومحبة، حيث كل شيء مجاني ويتطلب مجرد القبول، يمكن أن تكون أكثر صعوبة من أي التزام جدّي. تستدعي المجانية أيضاً تحمّل المسؤولية، ومبادلة مجانية الدعوة بمجانية الاستجابة. لذلك ليس من الغريب تفضيل الذهاب إلى العمل أو عدم المبالاة اطلاقاً، أو التخلص من حاملي هذه الدعوة البسيطة…
سيقول الملك أن هؤلاء المدعوين غير مستحقين (متى ٢٢:٨): ما معنى ذلك؟ ما معنى أن يكون المرء مستحقاً؟
نجد الجواب في المقطع الذي يلي المَثَل، حيث نرى الملك غير محبط من الرفض ويمد الدعوة إلى الجميع، إلى الأخيار والأشرار (متى ٢٢: ١٠). إذاً، ليس عليك أن تكون صالحاً لتدخل بل يكفي أن تلبي الدعوة.
ولكن هنا أيضاً مفاجأة: يدخل الملك الغرفة ويرى رجلاً –صالحاً أو شريراً، لا يهم– لا يرتدي ملابس العرس، فيطرده خارجاً (متى ٢٢: ١١– ١٣). لماذا؟ ما معنى ذلك؟ لربما هذا يعني أنك لا تستطيع أن تحضر الحفل وتبقى كما كنت سابقاً، كما لو أن شيئا لم يحدث؛ إن من لا يفهم مجانية هذه الدعوة غير المستحَقّة، ومن لا “يتأقلّم” مع الحياة، يكون في الواقع مماثلاً لمن يرفض الدعوة.
كما يمكنك أن تشارك في الوليمة، ولكن إن لم تغيّر حياتك، كحياة من يُدعى إلى عرس، ستكون كما لو بقيت خارجاً. ليس مطلوباً أن تكون صالحاً حتى تدخل: فالجميع يدخلون!
إلا أنه مطلوب منك، طالما أنك دخلت بكل حرية، ومُنحت المحبة والمغفرة بحرية، أن تتقبل منطق المغفرة والمجانية فتغتني بها حياتك بشكل متزايد.
وبذلك فإن دخول الملكوت لا يستدعي التمييز بين الأخيار والأشرار: سيدخل الجميع وللجميع مكان. إلا أن ذلك لا يعني عدم وجود فرق.
باستعمال لغة إنجيل متى، يمكننا القول أن المستحقين للملكوت ليسوا أولا الأخيار بل الصغار والمتواضعون.(متى ١١: ٢٥ – ٢٦)؛ بالنسبة إلى العظماء والحكماء ومن يعتمدون على قوتهم، فإن طريق وصولهم إلى الملكوت مسدود لأن منطق الإنجيل يختلف تماماً عن ذلك.
ينتهي إنجيل اليوم بحكم يبدو صعباً: ” المدعوّون كثيرون، ولكن المختارين قليلون” (متى ٢٢: ١٤). في اللغة الأصلية للنص، هنالك تقارب في الكلمات، بين كلمتي مدعوين ومختارين، إذ الاختلاف بينهما بسيط جداً.
على أرض الواقع أيضا نجد نفس الاختلاف البسيط: لأن الدعوة هي للجميع، أما المختارون فهم من يلبّون الدعوة ويسمحون لهذه الهبة بأن تغيّر حياتهم؛ وهؤلاء هم الصغار.