Liturgical Logo

بشارة يوحنا المعمدان وشهادته عن يسوع (مرقس 1: 1-8)

الأب لويس حزبون

في الاحد الثاني من زمن المجيء يصف مرقس الانجيلي (مرقس 1: 1-8) بشارة يوحنا المعمدان وشهادته في إعداده لمجيء سيدنا يسوع وقبوله مسيحا مخلصا وابن الله (مرقس 1:1-8). ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الإنجيلي (مرقس 1: 1-8)
1″بَدءُ بِشارَةِ يسوعَ المسيحِ آبنِ الله”:
تشير كلمة “بدء” الى خلق جديد كما ورد في سفر التكوين “في البَدءِ خلَقَ اللهُ السَّمَواتِ والأَرض”(التكوين 1: 1) وتذكِّرنا في مقدمة انجيل يوحنا (يوحنا 1: 1). أمَّا كلمة “بشارة” في الاصل اليوناني εὐαγγέλιον فمنها اشتقت كلمة ” إنجيل” أي بشارة الخلاص، فتشير الى بشارة الله الذي أعلنها يسوع (مرقس1: 14)، ولفظة انجيل هنا لا تدل على السِفر ذاته، بل على محتوياته، أي البشارة المفرحة للعالم وسرها الخلاصي الذي قدمه المسيح للبشر؛ ومرقس هو الإنجيلي الوحيد الذي أعطى لسفره عنوان “إنجيل” ناسبًا إياه ” ليسوع المسيح ابن الله”. وهذا الانجيل هو البشارة التي أعلنها الرسل بان الخلاص قد تمَّ عبر حياة يسوع المسيح وموته وقيامته كما جاء في رسالة بولس الرسول “مِن بولُسَ عَبْدِ المسيحِ يسوع دُعِيَ لِيَكونَ رَسولاً وأُفرِدَ لِيُعلِنَ بِشارةَ الله”(رومة 1: 1). أمَّا كلمة “يسوع” ιησους، المشتقة من اللفظة العبرية יֵשׁוּעַ أي الرب يُخلص، فتشير الى الاسم البشري يسوع الناصري، وقد سلم الملاك ليوسف مهمة إعطاء اسم للولد وكأنه ابوه لا على المستوى الطبيعي بل على المستوى الشرعي (تبنى يوسف الولد). فيسوع، كإبن الله، هو علامة حضور الله الخلاصي في قلب البشرية: إنه المخلص والله معنا. أما عبارة “المسيح ” فتشير الى يسوع الذي مسحه الآب بروحه القدوس لتتميم عمل الفداء وإعلان محبة الثالوث القدوس العملية خلال الصليب. وفي انجيل مرقس، بطرس وحده اعترف أنَّ يسوع هو المسيح كما ورد في انجيل مرقس “سأَلَهم يسوع: ((ومَن أَنا، في قولِكم أَنتُم؟)) فأَجابَ بُطرس: ((أَنتَ المسيح” (مرقس8: 29)، أمَّا عبارة “ابن الله” فتشير الى لقب يسوع والذي يدلُّ على بنوَّته للآب، هو كلمة الله الأزليّة، ويعلق القديس هيلاري أسقف بواتيه “شهد الإنجيلي أن المسيح هو ابن الله حسب الطبيعة اللائقة به، وليس بمجرد الاسم. نحن أبناء الله، لكنه هو ليس ابنا مثلنا، إذ هو الابن ذاته بالطبيعة لا بالتبني، هو الابن بالحق لا بالاسم، بالميلاد لا بالخلقة”. وقد كشف الله هذا اللقب “ابن الله ” عند العماد “وانطَلَقَ صَوتٌ مِنَ السَّمَواتِ يقول: أَنتَ ابنِيَ الحَبيب، عَنكَ رَضيت”(مرقس 1: 11)، والشياطين أذاعوا هذا اللقب “وكانتِ الأَرواحُ النَّجِسَة، إِذا رَأَته، تَرتَمي على قَدَمَيه وتَصيح: أَنتَ ابنُ الله! “(مرقس3: 11)؛ ويسوع وافق على هذا اللقب اثناء محاكمته “فسأَلَه عظيمُ الكَهَنَةِ ثانيةً قالَ له: أَأَنتَ المسيحُ ابنُ المُبارَك؟ فقالَ يسوع: أَنا هو “(مرقس 14: 61-62). وقد أعلن قائد المائة هذه اللَّقب بعد موت يسوع على الصليب “كانَ هذا الرَّجُلُ ابنَ اللهِ حَقّاً! “(مرقس 15: 39). ولأنَّ انجيل مرقس كُتب من اجل المؤمنين في روما، حيث كانوا يعبدون آلهة كثيرة، أرادهم مرقس ان يعرفوا حقيقة شخص يسوع، أنَّه ابن الله الحقيقي الوحيد. وعليه نوى مرقس الانجيلي ان يروي بدء البشارة في التاريخ منذ كرازة يوحنا المعمدان. وكان الهدف من كرازة يوحنا المعمدان إعداد الشعب لقبول يسوع كإبن الله. وهذه الآية هي عنوان لإنجيل مرقس كله علما ان محور رسالة يوحنا المعمدان هو يسوع (اعمال الرسل 1: 22). لم يفتتح القديس مرقس الإنجيل بعرض أحداث الميلاد أو نسب السيد المسيح كما الحال في انجيلي متى ولوقا، إنما وهو يكتب للرومان أصحاب السلطة يقدم لنا السيد المسيح “ابن الله” صاحب السلطان الحقيقي على النفس أو الحياة الداخلية كما على الجسد أيضًا.
2كُتِبَ في سِفرِ النَّبِيِّ أَشَعيا: ((هاءنذا أُرسِلُ رَسولي قُدَّامَكَ لِيُعِدَّ طَريقَكَ”:
تشير عبارة ” النَّبِيِّ أَشَعيا ” وفي العبرية יְשַׁעְיָהו (معناه الرب يخلص)، الى النبي العظيم الذي تنبأ في يهوذا في أيام عزيا ويوثام وآحاز وحزقيا -ملوك يهوذا. وكان اسم أبيه “آموص” (أشعيا 1: 1) ويقول التقليد العبري أن آموص هذا كان أخ أمصيا ملك يهوذا. وكان ذا ثروة طائلة، وثقافة عالية. ويدل تاريخه على أنه كان يقطن أورشليم وأنه كان يعرف الهيكل والطقوس التي كانت تجري فيه تمام المعرفة. وفي سنة وفاة عزيا الملك (سنة 740 ق.م. تقريبًا) رأى أشعياء في الهيكل رؤيا فيها وسمع دعوة الله له للاضطلاع بالعمل النبوي (أشعيا 6: 1-7). وفي سنة 736 ق.م. تقريبًا وعد أشعياء الملك آحاز بأن الله سيُنقذ يهوذا من الهجوم المزدوج الذي يشنَّه إسرائيل، المملكة الشمالية، وآرام، على يد آشور ولكنه في نفس الوقت أنذر بأن آشور ستُخرِّب يهوذا أيضًا (أشعيا 7). وبما أن آحاز رفض أن يقبل تعاليم أشعياء فقد سلّم النبي شهادته ورسالته لتلاميذه (اشعيا 8: 16). وقد خصَّص اشعيا النصف الثاني من سفره لوعد الخلاص. وتنبأ بمجيء المسيح، وبمجيء يوحنا المعمدان الذي يتقدمه المسيح؛ أمَّا عبارة “هاءنذا أُرسِلُ رَسولي قُدَّامَكَ لِيُعِدَّ طَريقَكَ” فتشير الى آية مقتبسة من ملاخي النبي (ملاخي 3: 1)، ويطبقها ملاخي على ايليا النبي (ملاخي 3: 23)، وأمَّا مرقس الانجيلي فيُطبقها على يوحنا المعمدان، ايليا الجديد. وقد وعد الله أشعيا النبي بان مخلصا سيأتي وسيَعدَّ يوحنا المعمدان الطريق امامه. وقد خصَّص اشعيا النبي القسم الثاني من سفره لوعد الخلاص. لقد تنبأ أشعيا بمجيء المسيح، وبمجيء يوحنا المعمدان، هو رسول الله المكلَّف بإعداد طريق الرب سبع مائة سنة قبل الميلاد.
“3صَوتُ مُنادٍ في البَرِّيَّة: أَعِدُّوا طَريقَ الرَّبّ وَاجعَلوا سُبُلَه قَويمة”:
تشير الآية “صَوتُ مُنادٍ في البَرِّيَّة: أَعِدُّوا طَريقَ الرَّبّ وَاجعَلوا سُبُلَه قَويمة” الى اقتباس من النبي أشعيا (اشعيا 40: 3)؛ ويعلق القديس اوسابيوس القيصري ” يبيِّنُ هذا الكلامُ بصراحةٍ ما جاء في النبوءة، وأنَّ ما جاءَ فيها سيتمُّ في الصحراءِ لا في أورشليم. يبيِّنُ ما يجب أن يَحدُثَ ليَظهَرَ مجدُ الربِّ، وليَعرِفَ كلُّ ذي جسدِ خلاصَ الله” أذ جاء المسيح هناك وظهر مجده للجميع لدى عماده. كما انه كان من الضروري ان يسبق الامبراطور الروماني شخص يعلن قدومه الى مدينة، فيعرف الناس ان شخصا بارزا على وشك الوصول كذلك بدأ يوحنا المعمدان مهمته إعلان مجيء يسوع “هاءنذا أُرسِلُ رَسولي قُدَّامَكَ لِيُعِدَّ طَريقَكَ” حيث أنَّ إنجيل مرقس كُتب اساسا للمسيحيين الرومانيين؛ أمَّا عبارة “صَوتُ مُنادٍ في البَرِّيَّة ” فتشير الى تطبيق مرقس الإنجيلي هذه العبارة على يوحنا المعمدان الذي دعا الشعب الى التوبة استعدادا لمجيء المسيح القريب؛ أمَّا عبارة ” صَوتُ ” فتشير الى صوت يوحنا الذي كان يوجّه نظر الناس ليسوع عن طريق كلام وعظه؛ ويُعلق القديس كيرلس الكبير “كان يوحنا صوتًا لا كلمة، يتقدم المسيح، كما يتقدم الصوت الكلمة”؛ وأمَّا عبارة ” البَرِّيَّة” فتشير الى منطقة تقع قرب البحر الميت والبعض يشير اليها في برية عين كارم والبعض في منطقة صحراء الاردن. لم تكن البرية صحراء رملية، ولكن ينقصها الخصب الذي يجعل زرعه مُجدياً. واختار يوحنا منطقة البَرِّيَّة لإتمام نبوءات العهد القديم التي ذكرت ان يوحنا سيكون ” صوت صارخ في البرية (أشعيا 40: 3). في حين ان لوقا الإنجيلي كتب ان يوحنا المعمدان اقام أولا في البرية (لوقا 1: 8) ثم غادر البرية لينادي في ناحية الأردن، وكان فيها عدد يُذكر من السكان، نتيجة للأبنية التي شيّدها هيرودس الكبير وأرخلاوس (لوقا 3: 3). وتحمل البَرِّيَّة في الكتاب المقدس رنة عميقة. هناك عاش شعب العهد القديم بداية مسيرته مع الرب. والى هناك أراد الرب ان يُعيد شعبه كما قال “هاءَنَذا أَستَغْويها وآتي بِها إِلى البَرِّيَّةِ وأُخاطِبُ قَلبَها” (هوشع 2: 16). وأمَّا عبارة ” أَعِدُّوا طَريقَ الرَّبّ وَاجعَلوا سُبُلَه قَويمة ” فتشير الى نصوص بابلية تتكلم بألفاظ مماثلة على طرق يُقام فيها الطواف او يُحتفل بالانتصار للإله او الملك الظافر. والنبي اشعيا يقصد بهذه العبارة الطريق الذي يقود الرب شعبه عبر البرية في الخروج من مصر (اشعيا10: 25-27). وأمَّا مرقس الانجيلي يطبّق هذه النص على مجيء المسيح المنتظر. وعليه يتنبأ اشعيا النبي عن مجيء يوحنا المعمدان ويسوع المسيح. فهذه الآية تُظهر طبيعة رسالة يوحنا المعمدان، وهي إعداد الطريق لمجيء المسيح المنتظر الذي يعد له يوحنا الطريق. وإعداد الطريق لمجيء المسيح هي تهيئة خلقية وروحية بواسطة خدمة يوحنا المعمدان التي شدّدت على التوبة وغفران الخطايا والحاجة الى مخلص. وقد كانت كلمات أشعيا مصدر تعزية لأناس كثيرين الذين كانوا يتطلعون الى مجيء المسيح. ويعلق الأب ثيوفلاكتيوس” أن طريق الرب هو إنجيله أو العهد الجديد، أمَّا سبله فهي النبوات التي تقودنا إليه، فكأن غاية يوحنا المعمدان أن نتقبل إنجيل الرب خلال الإدراك المستقيم لنبوءات العهد القديم ورموزه”.
4″تَمَّ ذلكَ يَومَ ظَهَرَ يوحَنَّا المَعمَدانُ في البَرِّيَّة، يُنادي بِمَعمودِيَّةِ تَوبَةٍ لِغُفرانِ الخَطايا”:
تشير عبارة “تَمَّ ذلكَ يَومَ ظَهَرَ” الى بدء كرازة يوحنا المعمدان في سنة 26 ب. م. ومن المرجح أنها كانت السنة السبتية مما مكّن الشعب الذي كان منقطعًا عن العمل، من الذهاب إليه إلى غور الأردن. يبدأ انجيل مرقس في رسالة يوحنا المعمدان دون ذكر خبر طفولته. أمَّا عبارة “يوحَنَّا ” في اليونانية Ἰωάννης لفظة مشتقة من العبرية יוֹחָנָן (ومعناه الله حنون) فتشير الى يوحنا المعمدان الذي وُلد تقريبا سنة 7 ق. م. وهو ابن زكريا الكاهن وأليصابات ونسيب ليسوع، دُعي وكُرِّس منذ ولادته ليكون سابق المسيح (لوقا 1: 5 -25 و57 – 85). وتقول التقاليد أنه ولد في قرية عين كارم المتصلة بأورشليم من الجنوب (لوقا 1: 39)، وكان أبواه يسكنان اليهودية، يطَّا القريبة من حبرون(الخليل)، مدينة الكهنة. وكانا محرومين من بركة النسل فانعم الله عليهما بابن في شيخوختهما وأسمياه يوحنا وأن مصدر عظمته الشخصية هو امتلاؤه من الروح القدس، ومصدر عظمته الوظيفية يكمن في انه مُعدَّ لطريق الرب، فيتقدم أمامه متممًا النبوة التي كان يتوق إليها كل يهودي بأن إيليا يأتي قدام المسيح، ويهيئ للرب شعبًا مستعدًا ” إِن شِئتُم أَن تَفهَموا، فهُو إِيلِيَّا الَّذي سيَأتي. (متى 11: 14). ونراه في رجولته ناسكًا زاهدًا على خطى إيليا النبي؛ وهناك التقارب بين ما نادى به إيليا وما نادى به يوحنا والتشابه في مظهرهما الخارجي ولبسهما ومعيشتهما واضح للعيان من مقارنة قصة حياتهما. وحوالي نهاية سنة 27 أو مطلع سنة 28 ب.م. أمر هيرودس انتيباس رئيس الربع بزجه في السجن في مكاور لأنه وبَّخه على فجوره (لوقا 3: 19 -20). وبعد ثلاثة أشهر امر بقطع رأسه حسب رغبة هيروديا وابنتها سالومة؛ ويقول ايرونيموس “ان تلاميذه حملوه إلى سبسطية ودفنوه هناك بجانب ضريح اليشاع وعوبديا.” ويذكره القرآن باسم “يحيى” المُغَطِّس. أمَّا عبارة ” ظَهَرَ يوحَنَّا المَعمَدانُ في البَرِّيَّة ” فتشير الى إتمام نبوءات العهد القديم التي ذكرت ان يوحنا سيكون” صَوتُ مُنادٍ في البَرِّيَّة ” (اشعيا 40: 3)؛ أمَّا فعل “ينادي” κηρύσσων فيشير الى المناداة باسم الملك (التكوين 41: 43)، وانتقل المعنى على الصعيد الديني، وهو المناداة باسم الله (يوئيل 2: 1). وهي المناداة العلنية بإعلان البشارة، والبشارة هي الكرازة بمجيء يسوع المسيح على الأرض موجّهة الى جميع الناس (لوقا 2: 1)، وهذه البشارة هي عمل الله في يسوع المسيح. وهذا الاعلان هو مُهمة الرسل كما صرّح بولس الرسول “فقَد لَقِينا في فيلِبِّيَ العَذابَ والإِهانَةَ كما تَعلَمون، ولكِنَّنا جَرؤْنا، لِثِقَتِنا بِإِلهِنا، أَن نُكلِّمَكم بِبِشارةِ الله في جِهادٍ كَثير”(1 تسالونيقي 2: 2). فقد نادى يوحنا المعمدان الشعب ان يقوِّموا حياتهم ويتخلّوا عن طرقهم الانانية ويتركوا خطاياهم، ويطلبوا المغفرة من الله. وهذا يسترعي الانتباه بأن البشرى السارة عن مجيء المسيح بدأت بنهضة دينية، وليس بثورة سياسية كما ينْتظر عادة. والمناداة بالبشارة هي من لغة المسيحية القديمة (1 تسالونيقي 2: 9)، وقد أطلقه لوقا الإنجيلي على مناداة يسوع الأولى العلنية (لوقا 4: 18-19) وعلى تبشيره العادي (لوقا 4: 44) وعلى تبشير الرسل (لوقا 9: 2) وتبشير بولس الرسول (اعمال الرسل 9: 20) وسائر المرسلين (لوقا 8: 39). أمَّا كلمة “معمودية” فهي تستعمل في العهد الجديد على ثلاث دلالات: تشير اولا الى الاغتسال الذي يُمارسه اليهود للتطهير من النجاسات الطقسية “وإذا رجَعوا مِنَ السُّوق، لا يَأكُلونَ إِلاَّ بَعدَ أَن يَغتَسِلوا بِإِتْقان. وهُناكَ أَشياءُ أُخرى كَثيرةٌ مِنَ السُّنَّةِ يَتمسَّكونَ بها، كَغَسْلِ الكُؤُوسِ والجِرارِ وآنِيَةِ النُّحاس”(مرقس 7: 4)؛ والدلالة الثانية هي معمودية يوحنا وهي معروضة لجميع الناس وليس لليهود فقط ولا تُمنح الا مرّة واحدة، وكان الشخص المُعَّمد قد قرر تغيير حياته متخلّيا عن حياة الخطيئة والأنانية وقرر الرجوع الى الله، وبالتالي تَعدُّ هذه المعمودية الناس لعطية الملكوت، وهي عطية معمودية السيد المسيح “أنا عَمَّدتُكم بِالماء، وأَمَّا هُوَ فيُعَمِّدُكم بِالرُّوحِ القُدُس”(مرقس 1: 8). أمَّا الدلالة الثالثة “المعمودية” فتشير الى معمودية يسوع؛ وهي ترتبط بموت المسيح وقيامته (1بطرس 3: 21)، وتحتوي على التحوّل الباطني (متى 3: 2) وتهدف الى مغفرة الخطايا. وهي هبة من ملكوت الله المعلن عنه. أمَّا كلمة ” التوبة ” في اللغة اليونانية (μετάνοια) فتعني في الاصل تغييراً في العقلية، في النظر الى الأمور وتغيير في القلب ثم في العمل. ولكنها في العهد الجديد تتخذ معنى أعمق وهو رجوع الانسان متعمدا الى نفسه وينتج عنه تغيير في السلوك (لوقا 3: 1-20). وهي تشير الى موقف به يتحوّل الانسان من الخطيئة الى البر وتبديل الحياة والانفتاح على ذاك الذي يُهيئ له يوحنا الطريق، وعودة غير مشروطة الى المسيح. وعلامة التوبة هي قبول المعمودية من يد يوحنا. ومن هنا يُستدل على ان يوحنا كان يقف في خط الانبياء الذين نادوا بالتوبة (هوشع 5: 3-4). وقد بدأ يوحنا يكرز بالتوبة في منطقة الاردن مستخدما المعمودية علامة للتوبة متمما بذلك نبوءة أشعيا. وهذه التوبة تُعدُّ الناس لعطيَّة الملكوت كما ورد في سفر اشعيا النبي “أغتَسِلوا وتَطَهَّروا وأَزيلوا شَرَّ أَعْمالِكم مِن أَمامِ عَينَيَّ وكُفُّوا عنِ الإِساءَة”(اشعيا 1: 16). أمَّا عبارة “غُفرانِ الخَطايا” فتشير الى تبدُّل القلب، والاقرار بالخطايا والانطلاقة في حياة جديدة. وعليه توضح هذه الآية ماهية خدمة يوحنا الاعدادية وتأثيرها ورسالته وقوتها الأدبية، وهي” ِمَعمودِيَّةِ تَوبَةٍ لِغُفرانِ الخَطايا” لإعداد قلوب الناس لملاقاة المسيح.
5″وكانَت تَخرُجُ إِليه بِلادُ اليَهودِيَّةِ كُلُّها وجَميعُ أَهلِ أُورَشَليم، فيَعتَمِدونَ عن يَدِه في نَهرِ الأُردُنِّ مُعتَرِفينَ بِخطاياهم”:
تشير عبارة ” بِلادُ اليَهودِيَّةِ كُلُّها ” الى الاهتمام الكبير الذي لقيته كرازة يوحنا في العالم اليهودي. أمَّا عبارة ” فيَعتَمِدونَ “تشير الى عماد يُعطى مرة واحدة، ويُعطى للجميع وبالتالي يتميَّز عن الاغتسال الطقسي، وبما انه يرتبط بالتوبة، فهو يُهيَّأ للمعمودية التي حملها يسوع “أنا أُعمِّدُكم في الماءِ مِن أَجْلِ التَّوبة، وأمَّا الآتي بَعدِي فهو أَقْوى مِنِّي، مَن لَستُ أَهْلاً لأَن أَخلَعَ نَعْلَيْه. إِنَّه سيُعَمِّدُكم في الرُّوحِ القُدُسِ والنَّار”(متى 3: 11). أمَّا عبارة “نَهرِ الأُردُنِّ ” فتشير الى نهرٍ ينبع من جبل الشيخ (حرمون)، ويفصل بين فلسطين والأردن ويصب في البحر الميت. ويبلغ طوله نحو سبعين كم، ويمتد الجزء الرئيسي منه ما بين بحيرة طبرية والبحر الميت، وقد وقعت هناك الاحداث الهامة في تاريخ شعب العهد القديم. فعند نهر الأردن جدّد هذا الشعب عهدهم مع الله (يشوع 1، 2) ودعاهم يوحنا المعمدان في نفس المكان ان يفعلوا نفس الشيء. أمَّا عبارة “مُعتَرِفينَ بِخطاياهم” فتشير الى اعتراف الانسان بخطاياه بالقول، لا بمجرد القيام بالحركة كرتبة التكفير (أحبار 5: 5). فكان الناس يقرّون بخطيئتهم بفمهم، وفي الوقت عينه يغتسلون كعلامة خارجية رمزية للتوبة. نشير هنا ان العهد القديم عرف الاعتراف بالخطايا الذي يدل على عودة الانسان الى الله للحصول على الغفران. ويعبّر الاعتراف عن التوبة الى الله لنيل الغفران كما يؤكد ذلك صاحب المزامير: “ْأَبَحتُكَ خَطيئَتي وما كَتَمتُ إِثْمي”(مزمور 32: 5). وحافظت الكنيسة على هذا الإقرار بالخطايا (الاعتراف) منذ انطلاقتها الأولى مع بطرس الرسول الذي دعا المؤمنين الى التوبة والعماد لتُغفر خطاياهم “توبوا، وَلْيَعتَمِدْ كُلٌّ مِنكُم بِاسمِ يسوعَ المَسيح، لِغُفْرانِ خَطاياكم، فتَنالوا عَطِيَّةَ الرُّوحِ القُدُس” (اعمال الرسل 2: 38).
6″وكانَ يوحنَّا يَلبَسُ وَبَرَ الإِبِل، وزُنَّاراً مِن جِلْدٍ حَولَ وَسَطِه. وكانَ يَأكُلُ الجَرادَ والعَسلَ البَرِّيّ”:
تشير عبارة ” وَبَرَ الإِبِل ” الى جلد الإبل فكان يوحنا شبيه بإيليا النبي في ملابسه (2 ملوك 1: 8) وهو لباس الأنبياء (زكريا 13: 4) وذلك ليميِّز بينه وبين القادة الدينيين الذين كانت ثيابهم الفضاضة الكبيرة الطويلة تعكس كبرياءهم العظمية في مراكزهم. وقد رأى يسوع إيليا في شخص يوحنا المعمدان “إِنَّ إِيلِيَّا قد أَتى، فلَم يَعرِفوه، بَل صَنَعوا بِه كُلَّ ما أَرادوا …فَهِمَ التَّلاميذُ أَنَّه كَلَّمهم على يُوحَنَّا المَعمَدان” (متى 17: 12-13). وأمَّا عيارة “الجَرادَ والعَسلَ البَرِّيّ ” فتشير الى طعام يوحنا المعمدان وهو طعام الفقراء العائشين في البرية (الاحبار 11: 21-22)، ومن هذا المنطلق فإن ملابس يوحنا وطعامه كانت تدل على الزهد والتخلي عن الاهتمامات العالمية.
7وكانَ يُعلِنُ فيَقول: ((يَأتي بَعدي مَن هو أَقوى مِنيِّ، مَن لَستُ أهلاً لِأَن أَنَحنِيَ فأَفُكَ رِباطَ حِذائِه”:
تشير عبارة “يَأتي بَعدي مَن هو أَقوى مِنيِّ” الى ان يسوع المسيح أعظم من يوحنا المعمدان بالرغم من ان يوحنا المعمدان يعتبر اول نبي بعد اربعمائة سنة، بعد ملاخي الذي كتب آخر أسفار العهد القديم. فالأقوى يأتي في الأخير؛ أمَّا عبارة “مَن هو أَقوى مِنيِّ” فتشير الى صفة الله في العهد القديم (دانيال 9: 4) وعلى المسيح المنتظر في العهد الجديد أيضا، وتدل هنا على شهادة يوحنا على قوة المسيح، والقوة هي من صفات المسيح المنتظر (اشعيا 11: 2)، وستظهر هذه القوة في مقاومة يسوع للشيطان (مرقس 3: 27). ويعلق القديس أمبروسيوس ” لا يوجد من هو أقوى من المسيح، دليل ذلك أن يوحنا لم يشأ أن يقارن نفسه بالمسيح بقوله: لَستُ أهلاً لِأَن أَنَحنِيَ فأَفُكَ رِباطَ حِذائِه”؛ والجدير بالذكر ان الرومان يحبون القوة فنجد إنجيل مرقس يُصوِّر لهم المسيح القوي، بل الذي يعطي للمؤمنين به قوة “والَّذينَ يُؤمِنونَ تَصحَبُهم هذهِ الآيات: فبِاسْمي يَطرُدونَ الشَّياطين، ويَتَكَلَّمون بِلُغاتٍ لا يَعرِفونَها، ويُمسِكونَ الحَيَّاتِ بِأَيديهِم، وإِن شَرِبوا شَراباً قاتِلاً لا يُؤذيهِم، ويضَعونَ أَيديَهُم على المَرْضى فَيَتَعافَون “(مرقس 17:16-18)؛ أمَّا عبارة “مَن لَستُ أهلاً لِأَن أَنَحنِيَ فأَفُكَ رِباطَ حِذائِه” فتشير الى يوحنا الذي اعتبر نفسه خادما غير مستحق ان يكون عبد للمسيح؛ أمَّا المسيح فقد قال عن المعمدان أنه لا يوجد بين البشر أعظم منه ” لَيسَ في أَولادِ النَّساءِ أَكبَرُ مِن يوحنَّا ” (لوقا 7: 28)؛ وأمَّا “أَفُكَ رِباطَ حِذائِه ” فتشير الى ربط الحذاء او حلّه الذي هو كان من اعمال العبيد (يوحنا 13/ 4-17) ذاك هو موقف يوحنا امام يسوع. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم ” اليد التي أكد أنها غير مستحقة أن تمس حذائه سحبها المسيح على رأسه ” وفي الواقع ما بدأ به يوحنا أكمله يسوع، وما اعدَّه يوحنا أتمه يسوع. اتى يسوع من يغفر الخطايا بالحقيقة، وهو دور لا يقدر سوى ابن الله، المسيح، على إدائه وإتمامه.
8أَنا عَمَّدتُكم بِالماء، وأمَّا هُوَ فيُعَمِّدُكم بِالرُّوحِ القُدُس”:
تشير عبارة “أَنا …، وأمَّا هو” الى تشديد يوحنا الى الفرق بين معموديته بالماء ومعمودية المسيح بالروح القدس. أمَّا عبارة “أَنا عَمَّدتُكم بِالماء ” فتشير الى معمودية يوحنا بالماء أعدت الناس لقبول رسالة يسوع، أمَّا عبارة ” هُوَ فيُعَمِّدُكم بِالرُّوحِ القُدُس ” فتشير الى معمودية يسوع التي تقوم على ارسال الروح القدس الى كل مؤمن. ويريد مرقس الانجيلي بمعمودية الروح القدس ان يُشدِّد على عمل الخلاص الذي افتتحه يسوع بالروح القدس ليُطهرنا من الخطايا ويقدّسنا. وقد سلَّم يسوع مهمة التعميد بالروح القدس الى الرسل كما ورد على لسانه بعد القيامة: ” بِأَنَّ يوحَنَّا قد عَمَّدَ بِالماء، وأمَّا أَنتُم ففي الرُّوحِ القُدُسِ تُعَمَّدونَ بَعدَ أَيَّامٍ غَيرِ كثيرة” (اعمال الرسل 1: 5).

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (مرقس 1: 1-8)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (مرقس 1: 1-8)، نستنتج انه يتمحور حول بشارة يوحنا المعمدان وشهادته عن يسوع المسيح ابن الله.
1) بشارة يوحنا المعمدان عن يسوع
منذ الجملة الثانية من إنجيل مرقس يظهر يوحنا المعمدان في البرية وهو يبشِّر بان يسوع هو المسيح ابن الله. “بِشارَةِ يسوعَ المسيحِ ابنِ الله “(متى 1: 1). ليس هذا بعنوان، بل هو الجملة الأولى التي يبدأ بها إنجيل مرقس، ولم يكن الانجيل في ذلك وقت كتابا، بل البشرى التي يُكرز بها فيتقبلها المسيحيون في الايمان، وهذا ما يؤكده بولس الرسول “إِنِّي لا أَستَحيِي بِالبِشارة، فهي قُدرَةُ اللهِ لِخَلاصِ كُلِّ مُؤمِن” (رومة 1: 16). فالبشرى يُكرز بها، ونقبلها بالإيمان. فبشرى مرقس الانجيلي لدى تكلمه عن يوحنا المعمدان تُبين لنا منذ البداية أن ليسوع لقبين: المسيح وابن الله
(ا) المسيح:
المسيح في اليونانية Χριστός مشتقة من العبرية הַמָּשִׁיחַ المشيح، الذي أنبأ به الأنبياء ومهّدوا له السبيل، ومنهم يوحنا المعمدان في الزمن الذي دوّن فيه مرقس أنجيله، وكان هذا اللقب يعبّر عن إيمان الكنيسة بيسوع. والمسيح في الأصل هو الممسوح بالزيت من اجل خدمة معينة. ويُمسح الملك (1 صموئيل 16: 10) والكاهن (خروج 40: 13-15) والانبياء، ولكن الشعب لم ينتظر مسيحا مثل سائر المسحاء، بل انتظر المسيح. وفي المسيحية، المسيح هو الكلمة المتجسدة والمتألم والقائم من بين الأموات وهو ابن الله.
وفي إنجيل مرقس ورد مرة واحدة حقيقة ان يسوع هو المسيح، وذلك لمّا شهد بطرس بان يسوع هو المسيح في قيصرية فيلبس جوابا لسؤال يسوع “ومَن أَنا، في قولِكم أَنتُم؟)) فأَجابَ بُطرس: ((أَنتَ المسيح” (مرقس 8: 29)، فباسم التلاميذ أجاب بطرس. وهي المرة الأولى الذي يظهر هذا اللقب منذ بداية انجيل مرقس. هذا هو الجواب الذي توصّل ايه التلاميذ، وهو الجواب لسؤال طرحه التلاميذ على أنفسهم بعد تسكين العاطفة “مَن تُرى هذا حتَّى تُطيعَه الرِّيحُ والبحر؟ ” (مرقس 4: 41). ولكن أيسوع ُرغمهم حالا على السكوت “فنَهاهُم أَن يُخبِروا أَحَداً بِأَمرِه” (مرقس 8: 30)، لان هذا السر المسيحاني مرتبط مع اعلان الآلام والقيامة حيث ان يسوع له رسالة يجب ان يتممها، والى ذاك الوقت يجب الا يقول انه المسيح. فقد جاء المسيح الى الأرض كالعبد المتألم، ولكنه سيأتي ثانية كالملك الديان ظافرا على كل الأرض.
ولم يقبل يسوع بهذا اللقب إلا خلال محاكمته لما سأَلَه عظيمُ الكَهَنَةِ قالَ له” أَأَنتَ المسيحُ ابنُ المُبارَك؟ فقالَ يسوع: أَنا هو. وسَوفَ تَرونَ ابنَ الإنسانِ جالِساً عن يَمينِ القَدير، وآتِياً في غَمامِ السَّماء” (مرقس 14: 61). قبل يسوع هنا لقب المسيح ولقب ابن الله للدلالة على نفسه، ولكنه يضيف “وسَوفَ تَرونَ ابنَ الإنسانِ جالِساً عن يَمينِ القَدير، وآتِياً في غَمامِ السَّماء” (مرقس 14: 62). ينسب يسوع لنفسه عرشا سماويا ليمارس دينونة تشمل الكون كله. انه يجلس عن يمين الله فيقاسم الله صلاحياته الإلهية ووظائف محفوظة له تعالى. لقد صرَّح يسوع انه المسيح بصورة مباشرة وبصورة غير مباشرة؛ في انجيل مرقس كان جواب يسوع مباشرا واضحا ” أَنا هو” (مرقس 14: 61)؛ أمَّا في إنجيل متى فجواب يسوع كان غير مباشر “هو ما تقول” (متى 26: 64).
(ب) ابن الله
لم يوحي الله انَّ يسوع هو المسيح المنتظر فحسب، بل أوحى أيضا أنه ابن الله وذلك في أثناء عماده “انطَلَقَ صَوتٌ مِنَ السَّمَواتِ يقول: أَنتَ ابنِيَ الحَبيب، عَنكَ رَضيت”(مرقس 1: 11). هذا هو وحي إلهي يعلمنا منذ البداية بان يسوع هو ابن الله حقا. لكن الناس يتساءلون حول ذلك والشياطين يعرفون. إذ يعلن يسوع تعليمه في ملكوت الله ويعطي علامات لهذا لملكوت بأقواله وأفعاله، ولكنه لم يتكلم عن شخصه (مرقس 1: 14-15)؛ ولما شفى الرجل الذي فيه روح نجس في مجمع كفرناحوم صاح الشيطان “ما لَنا ولكَ يا يَسوعُ النَّاصِريّ؟ أَجِئتَ لِتُهلِكَنا؟ أَنا أَعرِفُ مَن أَنتَ: أَنتَ قُدُّوسُ الله” (مرقس 1: 24). الله وحده قدوس وقداسته تشمل كل ما هو له او ما كُرِّس له: يسوع هو قدوس الله بكل معنى الكلمة، لأنه المسيح ابن الله.
وأعلن الله بانَّ يسوع هو ابن الله أيضا عند التجلي “انطَلَقَ صَوتٌ مِنَ الغَمامِ يَقول: هذا هُوَ ابنِيَ الحَبيب، فلَهُ اسمَعوا “(مرقس 9: 7)، هذا الإعلان يستعيد إعلان العماد. والصوت هو صوت الله. فلا مجال للخطأ. ويذكّر هذا الإعلان للبنوة الإلهية بالإعلان عند اعتماد يسوع (متى 17: 5).
وعبارة الابن الحبيب تعني الابن الوحيد الذي يرتبط بالآب بعلاقة لا مثيل لها، بعلاقة لا يُمكن ان تكون لأي إنسان. في العماد وُجه الصوت الى يسوع: انت هو ابني الحبيب. وفي انجيل مرقس، لم يكن أحد حاضرا او شاهداً. كان الوحي سرياً موجّه الى يسوع. أمَّا هنا في التجلي فوُجّهت كلمة الله الى التلاميذ الثلاثة: وهي وحي خاص منحه الله لثلاثة شهود فقط، وهذا الوحي هو سري أيضا كما اوصاهم يسوع بعد التجلي “بَينَما هم نازِلونَ مِنَ الجَبَل أَوصاهم أَلاَّ يُخبِروا أَحداً بِما رَأَوا، إِلاَّ متى قامَ ابنُ الإِنسانِ مِن بَينِ الأَموات” (مرقس 9: 9). نحن أمام سر الى ان يتحقق برنامج الام والقيامة. هذا واضح والسر هو نبوءة يسوع التي لا تُفهم إلا عندما يتم مشروع الخلاص.
ومنذ ذلك الوقت لا يتلفظ بلقب “ابن الله” إلاَّ الشياطين. لان الشياطين كانوا يعرفون يسوع على حقيقته انه هو ابن الله، واخذوا يذيعونه “وكانتِ الأَرواحُ النَّجِسَة، إِذا رَأَته، تَرتَمي على قَدَمَيه وتَصيح: َنتَ ابنُ الله!”(مرقس 3: 11)، لكن هذا الامر يجب ان يبقى سرّاً، لذلك “كانَ يَنهاها بِشِدَّةٍ عن كَشْفِ أَمرِه” (مرقس 3: 12).
الشياطين يعرفون ان يسوع هو ابن الله والناس لا يعرفون وكانوا يتساءلون: من هذا؟ بعد ان شفى يسوع الرجل النجس في كفرناحوم وكشف عن سلطانه ” دَهِشوا جَميعاً حتَّى أَخذوا يَتَساءَلون: ((ما هذا؟ إِنَّهُ لَتعليمٌ جَديدٌ يُلْقى بِسُلْطان! حتَّى الأَرواحُ النَّجِسَةُ يأمُرُها فَتُطيعُه ” (مرقس 1: 27). وبعد ان سكن يسوع العاصفة، قال التلاميذ فيما بينهم “مَن تُرى هذا حتَّى تُطيعَه الرِّيحُ والبحر؟ ” (مرقس 4: 41).
غير ان يسوع يقبل بهذا اللقب خلال محاكمته امام رئيس الاحبار “فسأَلَه عظيمُ الكَهَنَةِ ثانيةً قالَ له: أَأَنتَ المسيحُ ابنُ المُبارَك؟ فقالَ يسوع: أَنا هو. وسَوفَ تَرونَ ابنَ الإنسانِ جالِساً عن يَمينِ القَدير، وآتِياً في غَمامِ السَّماء” (مرقس 14: 61-62). وأخيرا تلفظ بهذا اللقب الضابط الروماني الوثني عند قدم الصليب “كانَ هذا الرَّجُلُ ابنَ اللهِ حَقّاً!” (متى 15: 39).
ونستنتج مما سبق ان يسوع هو المسيح ولكن طريقته تختلف عن طريق البشر، فهو ليس كما ينتظرونه يستولي على المُلك، بل هو المسيح المصلوب، ابن الله. هذه هي الفكرة الاساسية في انجيل مرقس، والتي يريد ان ينشرها بين المسيحيين.
2) شهادة يوحنا المعمدان ليسوع المسيح ابن الله:
لم يكتفِ يوحنا المعمدان في البشارة بان يسوع هو المسيح وابن الله، إنما شهد له بذلك. بناء على دعوة من الله بدأ يوحنا يكرز بالتوبة في منطقة الأردن مستخدما المعمودية علامة للتوبة، متمما بذلك نبوءة اشعيا (اشعيا 40: 3-5). انه حذر الجماهير الذين جاؤوا ليعتمدوا بالماء ان يصنعوا ثمارا تليق بالتوبة وأعلن ان المسيح المنتظر آتٍ بعده من جهة الظهور التاريخي، ولكن كان قبله من جهة المقام والاسبقية، وانه سيُعمِّد بالروح القدس. ويشير الى الفرق بين معموديته هو بالماء ومعمودية المسيح بالروح القدس، وهذا نلاحظه في كل الاناجيل (متى 3: 11، مرقس 1: 8، يوحنا 1: 33).
شهادة يوحنا هي أفضل وسيلة للإعداد لمجيء يسوع المسيح ابن الله. فقد شهد بسيرة حياته وتعليمه وعلاقته بالمسيح. إن الملاك الذي بشّر زكريا الكاهن بولادة يوحنا قد اوضح أن هذه الطفل سيكون نذيراً لخدمة الله. وقد ظل يوحنا أمينا لهذا النذر. ورسالته في العالم هي إعلان لمجيء يسوع المخلص والمناداة به، وقد شحذ كل طاقاته من أجل هذه المهمة حيث جاء ليشهد ان يسوع هو المسيح ابن الله ” فهَتف: “هذا الَّذي قُلتُ فيه: إِنَّ الآتيَ بَعْدي قد تَقَدَّمَني لأَنَّه كانَ مِن قَبْلي “(يوحنا 1 /15) وانه حمل الله بقوله “هُوَذا حَمَلُ اللهِ الَّذي يَرفَعُ خَطيئَةَ العالَم” (يوحنا 1: 29). وقد طلب يسوع من يوحنا ان يعمّده، لا لأنه كان محتاجا الى التوبة، بل ليقدِّم بذلك الدليل على اندماجه في الجنس البشري وصيرورته أخا للجميع.
وما رسالة يوحنا المعمدان الاَّ اعداد الناس بالتوبة لمجيء يسوع المسيح، ابن الله. كان يوحنا المعمدان يدعو الناس الى ما هو أكثر من مجرد كلمات او طقوس حيث طلب منهم ان يغيّروا حياتهم. كانت المعمودية علامة خارجية، اما العلامة الحقيقية الداخلية هي التوبة. وللتوبة جانبان: البعد عن الخطيئة، والاقتراب من الله. ولكي لننال المغفرة يجب ان ننفِّذ كلا الامرين، فلا يمكن القول إننا نؤمن بالله ثم بعد ذك نحيا كما نشاء (لوقا 3: 3: 7-8). فلا بد ان ترتبط التوبة بالعمل، وإلا فلا تكون توبة فعلية.
تقوم شهادة يوحنا المعمدان على المناداة ” يُنادي بِمَعمودِيَّةِ تَوبَةٍ لِغُفرانِ الخَطايا” ومعنى هذا ان نحوّل وجوهنا الى الجهة المقابلة، ان نتحول 180 درجة، من حياة التركيز على الذات، الذي يؤدي الى تصرفات خاطئة مثل الكذب، والخداع، والسرقة، والنميمة، والانتقام، والفساد وخطايا الجنس، الى إتباع طريق الله ووصاياه. وأول خطوة في طريق العودة الى الله، هي الاعتراف بالخطايا كما أكد يوحنا.
وكانت المعمودية في مفهوم يوحنا المعمدان علامة منظورة على ان الشخص المتعمد قد قرّر تغيير حياته متخليا عن حياة الخطيئة والانانية، والرجوع الى الله. وبهذا اعدت معمودية يوحنا الناس لقبول يسوع كإبن الله. والناس الذين لا يعرفون المسيح، قد يحتاجون الى أعدادهم لمقابلته، بتصحيح المفاهيم الخاطئة التي قد تعطلهم عن الاقتراب من المسيح وبتوضيح لهم حاجتهم الى الغفران، وان المسيح يستطيع ان يعطي حياتهم معنى.
إن الله يدعونا للدخول في شركة معه. الا إن تلبية نداء الله يتطلب التوبة. والتوبة تتطلب منا “البحث عن الرب” (عاموس 5: 4)، “البحث عن وجهه” (هوشع 5: 15)، “الاتضاع أمامه” (1 ملوك 21: 29،)، “توطيد القلب فيه” (1 صموئيل 7: 3) تغيير الطريق، والعودة، والتراجع. وبكلمة أخرى، نحيد عما هو شرير ونتجه نحو الله. والعودة إلى الله، ينجم عنها تغيير في السلوك العملي. إذا عرفنا ان نستقبل سيدنا يسوع المسيح بالتوبة وحفظ الوصايا، ونعدَّ الطريق له ونشهد له على مثال يوحنا المعمدان فسيكون مجيئه قوتنا وراحتُنا وفرحنا وعزاؤُنا وسلامنا.
لقد اعطى الله لكل واحد فينا هدفا يحيا لأجله ورسالة يؤديها في الحياة. والهدف الأسمى لكل واحد فينا هي “بِشارَةِ يسوعَ المسيحِ آبنِ الله ” حيث ان الخلاص قد تمَّ بيسوع المسيح. فهل نؤمن ببشارة الانجيل، بشارة الخلاص، بشارة مجيء يسوع مسيحا على الارض كي يُخلصنا. هذا هو هدفنا الأسمى في الحياة. فهل نتمِّم رسالتي تجاه مجيء يسوع المسيح مخلصا لنا ثم ديانا بقبوله بالإيمان والتوبة والشهادة لذاك الذي “جاء إلى العالم ليشهد للحق (يوحنا 37:18).

الخلاصة
لم يكن ليوحنا المعمدان أية قوة او جاه في النظام السياسي اليهودي إلا أنه كان شجاعاً لا يخاف المواجهة ولا يقبل انصاف الحلول. فكان يتحدث بسلطان لا يُقاوم. لأنه كان يتكلم بالحق (لوقا 1: 17). وكان يحثُّ الناس على ترك خطاياهم ويُعمّدهم كرمز لتوبتهم (متى 3: 9) كي يقبلوا يسوع المسيح ابن الله.

فكان يوحنا صوت التوبة المعلن لا بكلماته فحسب، وإنما حتى بلباسه وطعامه، فكانت حياته كلها صوتًا صارخًا يقود النفوس نحو يسوع المسيح. وحيث ان بشارة يوحنا نهاية للعهد القديم، فإنها لنا خلاصة العهد القديم وجذب ودعوة العالم كله للمسيح.

ومناداة يوحنا للشعب أن يقوِّموا حياتهم، كان معناها أنه يجب ان يتخلّوا عن طرقهم الأنانية، ويتركوا خطاياهم، ويطلبوا المغفرة من الله، وأن تصبح لهم علاقة بالله القدير بالإيمان والطاعة لكلمته كما هي في الكتاب المقدس لا سيما في سفر اشعيا (اشعيا 1: 18-20). فكانت شهادته تلخّص كل بشارته رغماً من انها كانت مرفوضة من العالم غير المؤمن (يوحنا 11:3). ولما جاء المسيح الذي كان يوحنا المعمدان ينادي به وبدأ خدمته، أتمَّ يوحنا إرساليته. فاستحقَّ من سيدنا يسوع المسيح أعظم شهادة إذ قال ” لم يَظهَرْ في أَولادِ النِّساءِ أَكبَرُ مِن يُوحَنَّا المَعمَدان ” (متى 11: 11).

الدعاء

ايها الاب السماوي، إنك تحيي فينا الرجاء في رؤية يوم ابنك يسوع المسيح، أشركنا في قوة الروح القدس الذي ملأ يوحنا المعمدان، كي نعرف كيف ننتظر مجيء الرب بروح الصلاة والتوبة والمحبة، نكون شهوداً ليسوع المسيح في حياتنا، وذلك من خلال أعمالنا، وسيرتنا الحميدة، وإيماننا القوي والراسخ بيسوع ابن الله الحي. استجبنا ايها الرب المبارك الى دهر الدهور. آمين.