تأسيس الكنيسة في العلّيّة
الأب بيتر مدروس
كم من المسيحيين المقدسيين، والمسيحيين بشكل عامّ، يعلمون أنّ العنصرة هو هو عيد ميلاد الكنيسة، وأنّه “يوم القدس” المسيحيّ ، في حين يُطنطن العبرانيّون ويُقيمون الدنيا على “يوم يروشالايم” ذاكرين “توحيدها”، أي استكمال احتلالها سنة 1967 ؟ كم مسيحيّ عنده الشّجاعة أن يُعلن “القدس عاصمة المسيحيّة” – أمام الّذين ينادون بها عاصمة لأديان وكيانات أخرى ؟ وإذ لا ننتقد هنا غير المسيحيين أي “الّذين هم من خارج” كما يقول مار بولس ، ننتقد أنفسنا لأنّنا بخلاف صاحب المزامير أحيانًا “ننسى أورشالم” ولا “نضعها قمّة لسرورنا” .
وأوّل لوم على المقدسيين أو الذين تبقّوا منهم في “مدينة الملك العليّ”! لوم على الذين هاجروا من غير ضرورة ومن غير رجعة ، لوم على الّذين يشجّعون على الهجرة – خصوصًا من الحركات المستحدثة الغربيّة! لوم على الّذين يشكون ويبكون من سكّان القدس ، مع أنّ لا شيء يعوزهم !
ولوم على الذين لا يدعمون بصلواتهم وتضامنهم صمود كنيسة القدس وسائر فلسطين، ولا سيّما من أبناء شعب الأرض المقدّسة ، وقد اشتغلوا بأشغالهم واهتمّوا بهمومهم وبنوا في المهجر ، غير مُبالين بأطلال أرض التجسّد والفداء!
ميلاد الكنيسة في القدس!
“كان الرسل مجتمعين”: لعلّ هذا هو معنى اللفظة الآرامية “عنصرة” والكنعانيّة “عتسيرت” أي “اجتماع”. كانوا مجتمعين “مع” مريم أمّ يسوع ، أمّ الكنيسة ، وحولها. السيّدة العذراء ولدت يسوع في بيت لحم ، وهي حاضرة أمًّا للكنيسة وأمًّا لأمّ الكنائس القدس! بغير مريم لا حلول لروح القدس – ولا كنيسة ، والسبب بسيط وأبسط ما يمكن : بلا مريم لا يسوع! وعليه ، لا تستطيع حركات “خمسينيّة” أن تنسب نفسها إلى الرب يسوع لأنّها تتنكّر لوالدته دائمة البتوليّة ، ولأنّها تاريخيًّا نشأت سنة 1906 في لوس انجيلوس كاليفورنيا على يد الداعية وليم سييمور.
كم خسرنا من نفوس، وما زلنا نخسر، لعدم تعليمنا تاريخ الكنيسة في المدارس، ولقبولنا بتشويه الحقائق الذي تقوم به المناهج الدراسيّة للتاريخ في العديد من البلاد! نعم ، لو علم إخوتنا تاريخ الحركات التي انتموا إليها لتركوها ، كما قال أحد كبار المفكّرين ،وأحسب أنّ قوله قريب من النتيجة التي وصل إليها كلّ من الكردينال نيومان وتشسترتن وهانس سكوتّ وسواهم : “إن درَسَ أحد تاريخ الكنيسة ، عاد بالضرورة أدراجه إلى الكثلكة”. وهذا الكلام لا يناقض الحركة المسكونيّة للتقارب بل يعضدها ويؤيّدها خصوصًا بالحقائق الغائبة أو المغيّبة.
“لمّا حلّ يوم الخمسين” أي اليوم التالي لعيد “شبعاه شبوعوت” “الأسابيع السّبعة”، حلّ في القدس سنة 30 م لا في لوس أنجيلوس سنة 1906. وفي هذا العام (سنة 2014) فرحت الكنيسة الكاثوليكيّة باستقبال أكبر دعاة الخمسينيين في السويد وزوجته ، وقد تأثّرا من رسالة المودّة التي وجّهها قداسة البابا فرنسيس إلى الخمسينيين بمناسبة أحد اجتماعاتهم الكبيرة.
نحن العرب نحبّ البلاغة والإعجاز والمحسّنات اللفظيّة! وها هو القديس لوقا يُتحفنا ، بإلهام من الله ووحي منه تعالى ، بتلاعب بالألفاظ من باب “الجناس” مرّتين في أعمال 2 : “حدث كصوت ريح (في اليونانيّة “بنوما”) شديدة تعصف … فامتلأوا جميعًا من روح (“بنوما”) القدس… استقرّ على كلّ منهم لسان (في اليونانية “غلوسّا”) ، فصاروا يتكلّمون بألسنة (“غلوسا” أو “لغات” ) كما وهب لهم الروح أن ينطقوا”.
“عيد بأيّة حال عدتَ يا عيد؟”
يأتي العيد هذه السّنة وعدد كبير من مسيحيي القدس وسواهم “ما معهم خبر”، أو كما تقول اللهجة السودانيّة “ما جايبين ليهو خبر”، خصوصًا الذين يعملون أيّام الآحاد. فرحنا هذا العام سرورًا لأن قداسة البابا ، خليفة القديس بطرس ، والبطريرك اللاتيني المقدسي ، خليفة مار يعقوب الصغير – احتفلا مع لفيف من الأساقفة والكهنة (المحظوظين!) بالقداس الإلهيّ… في العلّيّة ، مع تهديدات قوم من العبرانيين المتشدّدين! والحمد لله ما أعاقت التهديدات الذبيحة الإلهيّة في مكان تأسيس الكهنوت والإفخارستيا ومكان ميلاد الكنيسة، ولكن بعد الزيارة البابويّة استطاعت يد مجهولة أن تحرق كتاب التشريفات في كنيسة النياحة القريبة من العلّيّة.
خاتمة
روح الحقّ روح القدس هو هو المؤيّد المعزّي البارقليط، وليست نبوّة يسوع عن أي نبيّ يأتي بعده. نحتاج في العالم العربيّ إلى تكرار هذه الحقيقة، مستندين إلى نص إنجيل يوحنا في الفصول الرابع عشر إلى السادس عشر : فالواضح كلّ الوضوح أن الباراكليتوس هو روح القدس. ولا أثر في أي مخطوط للفظة اخترعها قوم وتوهّموها هي “بيريكليتوس” التي تعني “شهير” ، كما أنّ “شهير ” (مثل الحكيم “بيريكليس” الأثيني) لا تعني بالضرورة “ممدوح”.
ليؤيّد ضعفنا روح القدس، ويشدّدنا ويجعلنا ننتصر على الجبن فينا واسترخاء الأيدي، وليلهب قلوبنا الباردة لنعيد بناء الكنيسة ، انطلاقًا من زهرة المدائن ، مع ما نلقى من تشديد وتضييق فيها ومن ضيقات واضطهادات في العديد من أقطار الشرق الأوسط وسائر المعمور ، فترجع الكنيسة “للمسيح عروسًا لا شائبة فيها ولا تغضّن”!
