تأملات آباء الكنيسة حول الأمانة
آباء الكنيسة
(3) إِنَّ اللهَ أَمينٌ في مواعِدِه – القديس كليمنس الأول البابا إلى أهل قورنتس (30- 102)
(فصل 24، 1-5؛ 27، 1-19، 1 :Funk 1،93-97)
إِنَّ اللهَ أَمينٌ في مواعِدِه
لِنُفَكِّرْ معًا، أَيُّها الأَحِبَّاء، ولْنَرَ كيفَ يُبَيِّنُ اللهُ لنا بٱستمرارٍ القيامةَ المُقبِلَة، بعد أن جَعَلَ قيامَةَ رَبِّنا يَسوعَ المَسيحَ مِن بينِ الأمواتِ باكورَةً لِقيامَتِنا. لِنتأمَّلْ، أَيُّها الأَحِبَّاء، في القيامَةِ الَّتي تَتِمُّ في كُلِّ يومٍ بِحَسَبِ الزَّمنِ المُحَدَّدِ لها: فالنَّهارُ واللَّيلُ يُبَيِّنانِ لنا القِيامَة: يَغيبُ اللَّيلُ فيُشرقُ النَّهارُ، ويَغيبُ النَّهارُ فيَلِيه اللَّيلُ ويُسدِلُ ظلامَه. ولْنَنظُرْ إِلى ثِمارِ الأَرض: ما الزَّرعُ وكيفَ يَكونُ؟ يَخرُجُ الزَّارعُ فيُلقي الزَّرعَ في الأَرض. وما يَقَعُ مِنه في الأَرضِ عارِيًا جافًّا يَتَحَلَّلُ، ثُمَّ تُقِيمُه العِزَّةُ الإلهيَّةُ والعِنايَةُ الرَّبَّانِيَّةُ مِن تَحَلُّلِه، ويُصبحُ الواحِدُ مِنه بِذارًا كَثيرًا يَحمِلُ ثَمَرًا.
على هذا الرَّجاءِ تَتَمَسَّكُ نُفوسُنا بِمَن هو أَمينٌ في مواعيدِه وعادِلٌ في أَحكامِه. هو الَّذي أَمَرَ بِعَدَمِ الكَذِبِ، وليسَ فيه كَذِبٌ البَتَّة. فلا شَيءَ مُستَحيلٌ على اللهِ إِلاَّ الكَذِب. فَلْنُنعِشْ فينا الإيمانَ به ولْنَعرِفْ أَنَّ كُلَّ شيءٍ مُمكِنٌ لديه.
كَوَّنَ كلَّ شيءٍ بكَلِمَةٍ منه، وبِكَلِمةٍ منه يَقدِرُ أن يُعيدَ كلَّ شيءٍ إلى العَدَم.”فمَن الَّذي يقولُ له: ماذا صنَعْتَ؟ أو مَن الذي يَعتَرِضُ على حُكمِه؟ (حكمة 12: 12). فهو يَصنَعُ كُلَّ شيءٍ متى شاءَ وكَيفما شاء، ولا يَزولُ شيءٌ أبدًا ممَّا شاء. كُلُّ شيءٍ مَكشوفٌ أَمامَه، ولا شَيءَ خافٍ على إِرادَتِه: “السَّمَاوَاتُ تُحَدِّثُ بِمَجدِ الله، والجَلَدُ يُخبِرُ بِمَا صَنَعَتْ يَدَاهُ. النَّهَارُ لِلنَّهَارِ يُعلِنُ أمرَهُ، واللَّيلُ لِلَّيلِ يُذِيعُ خَبَرَهُ. لا حَدِيثٌ ولا كَلامٌ، ولا صَوتٌ يَسمَعُهُ الأنَامُ” (مزمور 18: 2- 4).
فَلْنَخَفِ اللهَ الَّذي يَرى كُلَّ شيءٍ ويَسمعُ كُلَّ شيء، ولْنَبتعِدْ عن كُلِّ شَهوةٍ دَنِسةٍ وعَمَلٍ سَيِّءٍ، فتَشمَلَنا رَحمَتُه عِندَ ما نَقفُ أَمامَ مَحكَمتِه المُقبِلة (2قور 5: 9-10). لأنَّه مَن منَّا يَقدِرُ أَنْ يَهرُبَ من يدِه القَديرة؟ أيُّ عالَمٍ يقدرُ أن يأويَ الهارِبَ من وجهِه؟ يقولُ الكتاب: “أينَ أذهبُ من روحِكَ، وأين أهرُبُ من وجهِك؟ إنْ صعَدْتُ إلى السَّماءِ فأنتَ هناك، وإنْ ذهبْتُ إلى أقاصي الأرضِ فيمينُك هناك. وإذا ٱضطجعْتُ في مثوى الأمواتِ فروحُكَ هناك” (مزمور 138: 7- 11).
لِنَقتَرِبْ منه إِذًا بروحِ القَداسَة، ولْنرفَعْ إِليه أَيديًا طاهِرَةً لا عيبَ فيها، ولْنَذكُرْ حُبَّنا لأَبينا الرَّؤوفِ الرَّحيمِ الَّذي ٱختارَنا فجَعَلَنا مِن نَصيبِ ميراثِه.