Liturgical Logo

تأملات آباء الكنيسة حول الخدمة

آباء الكنيسة

الخدمة وسِلوانُس (1866 – 1938)، راهب روسي وقدّيس في الكنائس الأرثوذكسيّة
كتابات روحيّة
«مَن أَرادَ أَن يَكونَ أَوَّلَ ٱلقَوم، فَليَكُن آخِرَهُم جَميعًا وَخادِمَهُم»
يا لتواضعك يا ربّي يسوع المسيح! أنت تغمر النفس بفرح لا يوصف. أنا ظمآن إليكَ، ففيك تنسى النفس الأرض وتتوق بٱتّقاد إلى الله. لو فهم العالم قوّة الكلمات التي قالها الرّب يسوع: “تَتَلمَذوا لي فإِنِّي وَديعٌ مُتواضِعُ القَلْب” (مت 11: 29)، لوضع جانبًا كلّ علم آخر، ليكتسب هذه المعرفة السماويّة. لا يعرف الناس قوّة تواضع الرّب يسوع؛ وهم يرغبون في الأمور الأرضيّة. لكنّ الإنسان لا يسعه أن يدرك قوّة كلمات الربّ من دون الرُّوح القدس. لكن مَن يفهمها لا يمكنه التخلّي عنها، حتّى لو قُدِّمت له كنوز العالم كلّها… ذاك الذي تذوّقَ حُبَّ الله اللطيف هذا لا يمكنه أن يفكِّر بعد ذلك بالأمور الأرضيّة؛ بل يشعر بأنّ هذا الحُبَّ لا ينفكّ يجتذبه. لكنّنا نفقده بسبب كبريائِنا وغرورِنا، بسبب عداواتِنا مع إخوتِنا والأحكام التي نصدرها عليهم؛ نتخلّى عنه بأفكارنا الجشعة وبنزوعنا نحو الأرض. فتتخلّى عنّا النِّعمة، وها هي النَّفسُ المضطربة والمكتئبة تطلبُ الله وتُناديه، كما آدم المطرود من الفردوس. نفسي تتوق إليكَ وأنا أبحثُ عنك وعيوني مغمورة بالدموع! أُنظر إلى حُزني وأَنِرْ ظُلمتي حتى تَعرِفَ نفسي الفرح! ربي، أعطِني تواضُعَكَ حتّى يدخُلَ حُبَّكَ إلى نفسي وتعيشَ مخافَتَكَ فِيّ.

الخدمة البابا بندكتوس السادس عشر (1927…)
أثار مطلب يعقوب ويوحنا استنكار العشرة الآخرين. يغتنم يسوع أزمة الغيرة هذه حتى يُوضّح الأمور. لا ندخل ملكوت السموات كما ندخل في المجتمع. ملكوت السموات لا يخدم أطماع أحد في تأمين مستقبله. بل على العكس: نبحث عن الأماكن التي لا يريدها الآخرون. في المجتمعات يمارس الرؤساء سلطتهم. في الكنيسة، لا يكون هكذا. السلطة في الكنيسة تمارس كخدمة وليس كوجاهة. في ملكوت الله ليس المطلوب أن يسطع نجمك ولكن أن تنمحي. هذا هو منطق الصليب الأعوج.
على الكنيسة أن تحذِّر دائمًا من الطموحات. ومن الوصوليين إلى الأماكن الأولى. وعلى الشباب خصوصًا أن يُحَذَّروا من أحلامِهم المثالية. يجب أن نعترف أنه من الصعب جدًّا تطبيق الإنجيل، وفينا طموحات ٱبني زبدة.
نحن خدم لا خير فيهم والقديسة تريزا من كلكتا (1910 – 1997)، مؤسِّسة الأخوات مرسلات المحبّة
درب بسيط
«نَحنُ خَدَمٌ لا خَيرَ فيهِم»
لا تصرفوا جهدًا في البحث عن سبب مشاكل الإنسانيّة الكبرى؛ ارتضوا أن تصنعوا ما يُمكنكم عمله كي تجدوا حلاًّ لها من خلال دعمكم لمَن هم بحاجة إليه. يقول لي البعض إنّنا نعفي الدول من مسؤوليّاتها تجاه المُعوَزين والفقراء عندما نقدّم المحبّة للآخرين. لا يعتريني همٌّ لذلك، لأنّ المحبّة ليست هي ما تقدّمه الدول بشكلٍ عام. ببساطة، إنّي أعمل ما أقدر عليه، والباقي ليس من ٱختصاصي. إنّ الله طيّبٌ معنا! هكذا، فإنّ العمل بالحبّ يشكّل طريقةً للتقرّب منه. أُنظروا ما عمِلَه الربّ يسوع المسيح خلال حياته على الأرض! لقد قضاها في عملِ الخير (أع 10: 38). أُذَكِّرُ أخواتي الراهبات أنّه قضى السنوات الثلاث من حياته العلنيّة وهو يعتني بالمرضى، والبُرص، والأولاد وآخرين أيضًا. هذا تمامًا ما نقوم به عندما نبشّر بالإنجيل من خلال أعمالنا. نعتقد أنّ في خدمة الآخرين ٱمتيازًا ونحن نحاول في كلّ لحظةٍ أن نعملَه من كلّ قلبنا. نحن نُدرك جيّدًا أنّ عملَنا ليس إلاَّ نقطةَ ماءٍ في مُحيط، إنّما بدون مساهمتنا تنقُص تلك النقطة.

نحن خدام لا خير فيهم البابا بندكتوس السادس عشر، بابا روما من 2005 إلى 2013

الرّسالة العامّة “الله محبّة (Deus Caritas Est)”، العدد 35
«نَحنُ خَدَمٌ لا خَيرَ فيهِم»
إنَّ طريقةَ الخدمةِ الصحيحةِ هذه تجعلُ مَن يَخدُمُ متواضعًا. فهو لا يعتبرُ نفسَه أرفعُ من الآخرِ، أيّاً كانت حالته البائسة. لقد أَخذَ الرّب يسوع المسيحُ المكانَ الأخيرَ في هذا العالم — الصّليب — وبهذا التواضع الجذري قد فدانا وما زالَ يُساعدنا. أولئك القادرون على مساعدةِ الآخرينَ سَيُدركونَ أنّه بقيامهم بذلك هم أنفسهم يقبلونَ المساعدة؛ أنْ يَكُونَ الإنسانُ قادرًا على مُسَاعَدَةِ الآخرين لا يُعتَبَرُ ٱستحقاقًا لهُ أَو إنجازًا يفتخرُ بهِ. هذا الواجبِ هو نعمة.
كلّما بذل الإنسانُ ذاتهُ لأجلِ الآخرين، يُدركُ أنّ كلمات الرّب يسوع المسيح تخصّه: “نَحنُ خَدَمٌ لا خَيرَ فيهِم”. ويعترفُ بأنّهُ لا يتصرّفُ وفقَ أيّةِ قاعدةِ تفوقٍ أَو كفاءة شخصيّة، بل لأنَّ الرَّبَّ قد أعطاه النّعمةَ ليعملَ ذلك. في بعض الأحيانِ، عندما تكونُ الحاجةُ بالغةٌ وقدراتُ الشخصِ محدودةٌ، يُمكن أن تثبط عزيمته. لكن هنا بالضبط سيساعدُهُ وعيُهُ بأنه، في النهاية، ليس إلاَّ مجرَّد أداةٍ في يدِ الرَّبّ؛ هذا الوعيُ يُحرِّرُه مِنْ الفرضيةِ القائلة بأنّه هو وحده شخصيًّا مسؤولٌ عن بناءِ عالمٍ أفضل. عندها سيَعمل ما بوسعه بكلِّ تواضعٍ، وسيسلِّمُ الباقي للرَّبِّ بكُلّ تواضعٍ أيضًا.
لسنا نحن مَن نحكم العالم بل الله. نحن نَعْرضُ له خدمتَنا فقط بقدر ما نستطيع، وطالما هو يَمْنحُنا القوّةَ. عَمَلُ ما في الإمكان بحسب القوّة التي يملكها الشخصُ، هي المهمّةُ التي تُبقي خادمَ المسيح الأمين في نشاطٍ دائمٍ “لأَنَّ مَحبَّةَ المسيحِ تَأخُذُ بِمَجامٍعِ قَلْبِنا” (2 قور 5: 14)

الخدمة من أراد أن يكون أوّل القوم فليكن القدّيس غريغوريوس النزيانزيّ (330 – 390)، أسقف وملفان الكنيسة
عظة لعيد الفصح
«مَن أَرادَ أَن يَكونَ أَوَّلَ ٱلقَوم، فَليَكُن آخِرَهُم جَميعًا وخادِمَهُم»
عندما يسألك اللّذين يغوصون في الشك لدى رُؤيتهم آثار جروحات المسامير في جسد الرّب يسوع المسيح خلال آلامه: “مَن هذا مَلِكُ المَجْد؟” (مز 24[23]: 8)، أجبهم أنه الرّب يسوع المسيح، “الرَّبُّ العَزيزُ الجبَار الرَّبُّ الجبَارُ في…” كل ما فعل ويستمرّ بفعله…
هل أصبح صغيرًا لمجرّد أنّه تواضع بسببك؟ هل أصبح حقيرًا لمجرّد أنّه بَذَل، كراعٍ صالحٍ، حياتَه من أجلِ خِرافِه، وأنّه أتى يبحثُ عن نعجتِه الضائعة وحين وَجَدَها، عادَ بها على كتفيه اللّتان حملتا الصليب من أجلها، وبعد أن عاد بها إلى الحياة العليا، وَضَعَها بين الخِرافِ الأمينة التي بقيت في الحظيرة؟ (راجع لو 15: 4؛ يو 10: 11) هل تحتقره لأنّه أضاء مِصباحًا، أي جَسَدَه بالذَّات، ولأنّه كنّسَ منزِلَه، مُطَهِّرًا العالم من الخطيئة، ليبحثَ عن الدرهَمِ الضَّائِع، وهو يخسر جمال صورتِه الملكيّة بآلامه؟ (راجع لو 15: 8؛ مر 12: 16) …
هل تعتبره أقلّ عظمة لأنّه ٱئتزّرَ بمنديلٍ كي يغسِلَ أرجُلَ تلاميذِه مُبَيّنًا لهم أنّ أفضَلَ وسيلةٍ كي يرتَفِعَ الإنسانُ هي أن ينزل أي أن يتواضع؟ (راجع يو 13: 4). هل تُوَجِّه ٱحتجاجًا إِلى الله لأنَّ الرَّبَّ يسوعَ المسيح نَزَلَ حانيًا نفسَه نحو الأرض، حتى يرفع معه الذين رزحوا تحت ثِقل الخطيئة؟ (راجع مت 11: 28) هل تلومَه لأنّه تناول الطعام مع العشّارين والخطأة … لأجل خلاصِهِم؟ (راجع مت 9: 10) هل تُقاضي طبيبًا ينحني على آلام وجراح المرضى كي يحمِلَ لهم الشِّفاء؟