Liturgical Logo

تأملات آباء الكنيسة حول الدعوة

آباء الكنيسة

الدعوات البابا بِندِكتُس السادس عشر، بابا روما من 2005 إلى 2013
رسالة بمناسبة اليوم العالمي للصلاة من أجل الدعوات 07/05/2006
«اسأَلوا رَبَّ الحَصَاد أَن يُرسِلَ عَمَلَةً إِلى حَصادِه»
إذ نتذكّر وصيّة الرّبّ يسوع: “الحَصادُ كثيرٌ ولكِنَّ العَمَلَةَ قَليلون، فٱسأَلوا رَبَّ الحَصَاد أَن يُرسِلَ عَمَلَةً إِلى حَصادِه”، نشعر بحاجة كبير للصلاة من أجل الدعوات إلى الكهنوت والحياة المكرسة. وليس الأمر بغريب أن تزدهر الدعوات حيث ترتفع الصلوات الحارة. إنّ قُدسيَّة الكنيسة تعتمد بشكل أساسي على الاتحاد بالرّبِّ يسوع المسيح والانفتاح على سرّ النِّعمة الذي يفعل في قلوب المؤمنين. لذا، فإنّي أود دعوة جميع المؤمنين إلى بناء علاقة حميمة مع الرّبِّ يسوع المسيح المعلم والراعي لشعبه، متشبهين بمريم التي حفظت في قلبها الأسرار الإلهية وتأملتها بٱستمرار (راجع لو 2: 19). ومعها، هي التي تحتلّ مكانة محورية في سرِّ الكنيسة، نصلي:

أيُّها الآب، إِجعَل بمشيئَتِكَ، أَن تَنشَأَ بينَ المَسيحيينَ دَعواتٍ عَديدَةٍ ومقدَّسَةٍ إِلى الكهنوت، تُبقي الإيمانَ حيًّا وتُحافِظَ على ذِكرى ٱبنِكَ ربِّنا يسوعَ مُفعَمَةً بالإِمتنانِ من خلالِ التَّبشيرِ بكلمَتِهِ ومِنْحِ الأَسرارِ التي من خلالِها تُجَدِّدُ مؤمنيكَ على الدَّوام. أَعطِنا خُدَّامًا قدِّيسينَ لِمَذبحِكَ يَحمونَ بتَيَقُّظٍ ووَرَعٍ الإفخارستيّا، سِرَّ عطاءِ الرَّبِّ يسوعَ المَسيحِ الأَسمى لِفِداءِ العالَم.
أُدعُ خُدَّامًا لِرَحمَتِكَ يَنشرونَ فَرَحَ غُفرانِكَ مِن خلالِ سِرِّ المُصالحة.
أَيُّها الآب، إِجعل الكنيسةَ تستقبلُ بِفَرَحٍ إِلهاماتِ روحِ ٱبنِكَ العَديدَة وبإِطاعَتِها تعاليمِه تقوم وتعتني بالدَّعوات الكهنوتية والحياة المكرسة.
أَسنِدِ الأساقفَةِ والكهنَةِ والشَّمامِسَةِ
والمُكرَّسين وكُلَّ المُعَمَّدينَ في الرَّبِّ يسوعَ المَسيح
حتَّى يُتَمِّموا رسالَتَهُم بأَمانَةٍ في خدمَةِ الإِنجيل.
نسأَلُكَ ذلكَ بالمَسيح ربِّنا. آمين.
يا مريم، سلطانَةَ الرُّسُل، صلّي لأَجلنا!
…………………

إتبعني للقديس بيدُس المُكرَّم الكاهن ومعلم الكنيسة (نحو 673 – 735)
“ومَضى يسوع فَرأى في طَريقِه رَجُلاً جالسًا في بَيتِ الجِبايَةِ يُقالُ لَه متّى، فقالَ لَه: اتبَعْني!”. إنَّ الرّبَّ يسوع لم ينظرْ إليه فقط بعينَيّ الجسد، وإنّما بنظرة الرحمة… فقد رأى جابي الضرائب، ولأنّه رآه بنظرة ترحم وتختار، “قال له: إِتبَعني”، أي كنْ مثلي. عندما طلبَ الرَّبُّ يسوع من متّى أن يتبعَه، دعاه إلى أن يعيشَ مثله أكثر منه أن يسيرَ خلفَه؛ لأنّ “مَن قالَ إنّه مُقيمٌ فيه وَجَبَ علَيه أن يَسِيرَ هو أيضًا كما سارَ يَسوع” (1يو2: 6).
أمّا متّى، “فَقامَ وَتَبِعَهُ”. ليست مفاجأة أن يتخلّى جابي الضرائب عن مكاسبه الأرضيّة عند سماع الدعوة الأولى والآمرة من الرَّبّ يسوع المسيح، وأن يهمل الممتلكات الزمنيّة ليلتحقَ بذاك الذي رآه مجرّدًا من كلّ ثروة. ذلك أنّ الرَّبّ الذي دعاه من الخارج بالكلمة، لمسَه في عمق أعماق روحه من خلال نشر نور النعمة الروحيّة. من خلال هذا النور، فَهِمَ متّى أنّ ذاك الذي دعاه إلى التخلّي عن الممتلكات الماديّة على الأرض كان قادرًا على منحه كنزًا لا يفنى في السماء. (راجع متى 6: 20).
“وبَينَما هو في البَيتِ على الطَّعام، جاءَ كثيرٌ مِنَ العَشَّارينَ والخاطِئين، فجالَسوا يسوعَ وتلاميذَه”: إنّ توبة عشّار واحد قد فتحت الطّريق واسعًا أمام توبة الكثير مِنَ العَشَّارينَ والخاطِئين وحصولهم على المغفرة… يا لها من علامة جميلة! ففي وقت ٱهتداء ذلك الّذي سيصبح فيما بعد رسولاً ومبشّرًا بين الوثنيين، ٱجتذبَ معه مجموعةً من الخطأة نحو طريق الخلاص!
…………………

الدَّعوة بحسب قول القديسة تريزا الطفل يسوع
“نحنُ من سُلالَةِ الذينَ شَعَروا بهذِه الدَّعوة، من أولئِكَ الآباءِ القديسين على جبلِ الكرمِل”.
“فَهِمْتُ أَنَّ المَحَبَّةَ تَشْمَلُ كُلَّ الدَّعَوات، وأَنَّها كُلُّ شيء، وتَشْمَلُ كُلَّ الأَوقاتِ وكُلَّ الأَمكِنةِ…بكَلِمَةٍ واحِدَةٍ هي أَبَدِيَّةٌ. ومِن فَرطِ فرَحِي المُتَفَجِّرِ صَرَخْتُ: يا يسوعُ، حُبِّي، إِنِّي وَجَدْتُ أَخيرًا دَعوتي. دَعوتي هي الحُبُّ”.
…………………

القدّيسة تريزا الطفل يسوع (1873 – 1897)
قصيدة “يسوع حبيبي، تذكّر!”
“وأَمَّا ابنُ الإِنسان فلَيسَ لَه ما يَضَعُ علَيهِ رَأسَه”
تذكّر مجد الآب، تذكّر العظمات الإلهيّة التي تركتَها عندما نَفَيتَ نفسك على الأرض كي تفتدي كلّ الخطأة البائسين.
يا يسوع! عندما نزلت نحو العذراء مريم، حَجَبْتَ عظمتك ومجدك اللامتناهي في الحشا الأمومي الذي كان سماءك الثانية. تذكّر…

تذكّر أنّه على شواطئ أُخرى، كانت النجوم الذهبيّة والقمر الفضّي التي أتأمّلها في السماء الخالية من الغيوم، تُفرِحُ عينيك حين كنت طفلاً، وتسحرك. بيدك الصغيرة التي كانت تلامس مريم، كنتَ تسند العالم وتعطيه الحياة وكنت تفكّر فيّ، يا يسوع، يا ملكي الصغير.
تذكّر.
تذكّر أنّه في الوِحدة كنتَ تعمل بيديك الإلهيّتين. كان العيشُ مَنْسِيًّا أَعذبُ ٱختباراتِكَ. رَفَضْتَ المَعرِفَةَ البَشَرِيَّة، أَنتَ الَّذي بكَلِمَةٍ واحدَةٍ كانَ بإمكانِكَ جَذْبَ العالَمِ إِليكَ. شِئْتَ أَنْ تَخفي حِكمَتَكَ العَميقةَ وظَهَرتَ جاهِلاً، أَيُّها الرَّبُّ الكُلِّيُّ القُدرة! تَذَكَّر.
تذكّر حين كنتَ غريبًا على الأرض، كنتَ تَجولُ، أَنتَ الكلمةُ الأَزَلِيُّ، لم تكُنْ تَملِكُ شيئًا؛ لا، ولا حتّى حَجَرًا. ولا مَلجأً لكَ، مِثلَ عُصفورِ السَّماء. يا يسوع! تَعالَ إِليَّ، تَعالَ وأَلقِ رأسَكَ، تَعالَ، فإِنَّ نَفْسي مُستَعِدَّة لاستِقبالِكَ، يا مُخَلِّصي الحَبيب. إِرْتَحْ في قَلبي، إِنَّه لكَ.
…………………

من أراد أن يتبعني فليحمل صليبه ويتبعني القدّيس فرنسيس كسفاريوس (1506 – 1552)
“إنّ الَّذي يُريدُ أَن يُخَلِّصَ حَياتَه يَفقِدُها، وأَمَّا الَّذِي يَفقِدُ حَياتَه في سبيلي وسبيلِ البِشارَة فإِنَّه يُخَلِّصُها”
إنّ هذا البلد هو خطير جدًا بما أنّ سكانه الغدّارين غالبًا ما يخلطون السمّ مع الغذاء والمشروب. لهذا السبب لا يوجد أي شخص مستعدّ للاهتمام بالمسيحيين. وإنما إنّ هؤلاء هم بحاجة إلى التعليم الروحي وإلى شخص يعمّدهم لكي تخلص نفسهم؛ أرى من واجبي أن أضحّي بحياتي الزّمنيّة من أجل أن أخلّص حياة قريبي الروحية… أنا أضع رجائي وثقتي بالله ربنا الذي يقودني بحسب وزناتي الصغيرة الفقيرة إلى كلمة المسيح مخلّصنا وإلهنا: “إنّ الَّذي يُريدُ أَن يُخَلِّصَ حَياتَه يَفقِدُها، وأَمَّا الَّذِي يَفقِدُ حَياتَه في سبيلي وسبيلِ البِشارَة فإِنَّه يُخَلِّصُها”.
بالرَّغمِ من أنّ المَعنى العام لكلمَةِ رَبِّنا هي سهلة الفهم عندما نبدأ بفهم هذه الحالة وننوي أن نخسر الحياة من أجل الله بهدف أن نجدها فيه، عندئذٍ نبدأ بتخايل الصعاب… كلّ شيء يصبح غير واضح، وحتّى نص الكتاب المقدّس، الّذي هو واضحٌ بحد ذاته، يكتسيه الغموض. يبدو لي في هذه الحالة أنّ وحده من يفهم هو من يترك لله مجال إفهامه بطريقة استثنائية من خلال رحمته. من هنا نرى أن ّ جسدنا ضعيف وعاجز.
…………………
الدعوة وسماع صوت الرب البابا بِندِكتوس السادس عشر، بابا روما من 2005 إلى 2013

خطبة إلى الإكليركيّين بتاريخ 17/2/2007
“اليومَ إِذا سَمِعتُم صَوتَه” (مز95: 7)
كيف يمكننا تمييز صوت الله بين آلاف الأصوات التي نسمعها كلّ يوم في عالمنا؟ أودّ القول إنّ الله يخاطبنا بطرق عديدة. يخاطبنا بواسطة أُناس آخَرين، ومن خِلالِ أصدقائِنا وأهلنا وكاهِن الرَّعيّة والكَهَنَة… هو يتكلّم من خلال أحداث حياتنا التي نستطيع أن نميّز فيها عملاً من أعمال الله. يتكلّم أيضًا من خلال الطبيعة والخَلق، ويتكلّم طبعًا وخاصّةً من خلال كلمته في الكتاب المقدّس، تلك الكلمة المقروءة في شراكة الكنيسة، والمقروءة بطريقة خاصّة من خلال الحوار مع الله.
من المهمّ أن نقرأ الكتاب المقدّس بطريقة شخصيّة جدًّا من جهة، وبواقعيّة، كما قال القدّيس بولس (1تس2: 13)، ليس ككلمة إنسان أو كوثيقة من الماضي، كما لو كنّا نقرأ هوميروس وفيرجيل، بل ككلمة من الله موجّهة إليّ دائمًا في الوقت الحاضر. من المهمّ أن نتعلّم كيفيّة الإصغاء إلى نصّ من الماضي على الصعيد التاريخيّ، لكنّه كلمة الله الحيّة، هذا يعني الدخول في الصلاة وتحويل قراءة الكتاب المقدّس إلى حوار مع الله. غالبًا ما قال القدّيس أوغسطينُس في عظاته: “لقد طرقتُ باب هذه الكلمة مرّات عديدة حتّى استطعتُ سَماع ما كان الله يقوله لي”. فمن جهة، هناك تلك القراءة الشخصيّة جدًّا، ذلك الحديث الشخصيّ مع الله، الّذي أبحث فيه عمّا يقوله لي الربّ. ولكن أبعد من هذه القراءة الشخصيّة، من المهمّ أن نقوم بقراءة جَماعيّة، لأنّ الموضوع الحَيّ في الكتاب المقدّس هو شعب الله، أي الكنيسة.