تجارب يسوع في ضوء متى الإنجيلي
الأب لويس حزبون
يصف انجيل متى (متى 4: 1-11) رواية تجارب يسوع التي تركز على مواجهة مغريات الشيطان التي تبعد الانسان عن الله وخطة خلاصه. واما رسالة المسيح فهي عمل الفداء، وهذا يعني حتماً الدخول في صراع مع الشيطان الذي يريد هلاك الانسان. لذا تحتل التجربة دورًا رئيسيًا في خلاصنا. فيتوجب على كل مسيحي كابن لله بالمعمودية ان ينتصر على الشيطان كما انتصر المسيح ليتمم مشيئة الله. ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الانجيلي (متى 4: 1-11)
1ثُمَّ سارَ الرُّوحُ بِيَسوعَ إِلى البَرِّيَّةِ لِيُجَرِّبَه إِبليس.
تشير عبارة “ثُمَّ” في اليونانية Τότε الى صلة بيت فقرتين، بين فقرة المعمودية (متى 3: 13 – 17) وفقرة التجربة (متى 4: 1-11). فبالمعمودية كرّس يسوع نفسه لطريق الصليب، وفي التجربة، عرض الشيطان لعقله طرقا لإنجاز خدمته دون الصليب، ويقول أحد الباحثين في الكتاب المقدس “ان يسوع كان في المعمودية عاملا؛ اما في التجربة فكان معنا منقاذاً من الروح. في المعمودية أكمل البر، وفي التجربة كان برُّه تحت الامتحان”. اما عبارة” سارَ الرُّوحُ” فتشير الى تأثير قوة الروح القدس في يسوع كي يذهب الى البرية لمجابهة سلطان الشيطان وفقا للخطة الإلهيّة. الروح القدس هو الّذي يقود خطواته. وما يفعله يسوع إنّما هو تحقيق لإرادة الروح التي هي واحدة مع إرادة الآب وإرادة الابن. فيسير يسوع بدافع الروح القدس الذي ناله في المعمودية. اما عبارة ” البَرِّيَّةِ ” فتشير الى برّية أريحا وهي رمز الى مكان الشر. بحسب المفهوم اليهودي فالبرية هي مسكن للشياطين، فهي أماكن خربة وقبور، والمسيح ذهب بهذا للشيطان في عرينه ليحاربه. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم ” انظر أين يصعده الروح عندما أخذه لا إلى مدينة ولا إلى مسرح عام، بل إلى برية. بهذا كان يجتذبه الشيطان معطيًا إيّاه فرصة ليس فقط بجوعه، وإنما خلال الموضع أيضًا. وقد بدأت التجربة بعد اقامته في الصيام في البرية بحسب متى الإنجيلي، اما حسب انجيل مرقس فإن التجربة ظلت طيلة اقامته في البرية ” أَقام فيها أربَعينَ يَوماً يُجَرِّبُهُ الشَّيطانُ” (مرقس 1: 13). اما عبارة ” لِيُجَرِّبَه “فتشير الى هدف سيره الى البرية، وهو مواجهة تجربته العظيمة منفردا مع ابليس. يتضامن يسوع مع الوضع البشري فقبل ان يجرّبه ابليس كما يجرّب كل إنسان. اما عبارة ” إِبليس “فتشير الى اللفظة اليونانية διάβολος, ومعناها المُشتكي، الذي لا عمل له إلا أن يشتكي علينا، ليصدّ مراحم الله عنّا إنه عدو الله وعدو الانسان . اما لفظة شيطان Σατανᾶς ومعناها المقاوم، فهو خصم لا يتوقّف عن مقاومتنا، وكما يقول الرسول “إنَّ إِبليسَ خًصْمَكم كالأَسدِ الزَّائِرِ يَرودُ في طَلَبِ فَريسةٍ لَه ” (1 بطرس 5: 8). أبليس وشيطان اسمان يدلان على العدو الذي يعارض الله وإقامة ملكه بين البشر. ويدعى أيضا بَعلَ زَبول (مرقس 3: 22) وبَليعار (2 قورنتس 6: 15). وأبليس هو أحد أسماء الحية الأصلية التي جلبت السقوط للإنسان في جنة عدن كما جاء في رؤية يوحنا “فأُلقِيَ التِّنِّينُ الكَبير، الحَيَّة القَديمة، ذاكَ الَّذي يُقالُ لَه إِبْليسُ والشَّيطان، مُضَلِّلُ المَعْمورِ كُلِّه، أُلقِيَ إِلى الأَرضِ وأُلقِيَ معَه مَلائِكَتُه” (رؤيا 12: 9)، وهو رئيس مملكة الظلمة كما أوضح يسوع” أَمَّا على الدَّينونة فَلأَنَّ سَيِّدَ هذا العالَمِ قد دِين” (يوحنا 16: 11) وهو أيضا “سَيِّدِ مَملَكَةِ الجَوّ” (أفسس 2: 2). فالشيطان إذاً هو حقيقة وليس رمزا، وهو في حرب مستمرة ضد من يتبعون الله ويطيعونه.
2فصامَ أَربَعينَ يوماً وأَربَعينَ لَيلةً حتَّى جاع.
تشير عبارة “صامَ” الى اظهار ان يسوع في غاية ضعفه يستطيع ان يجابه ويقهر ابليس في اقوى حالاته. اما عبارة ” أَربَعينَ ” فتشير إلى عمر جيل كامل وهي فترة زمنية طويلة يعقبها خير أو عقوبة كما هو واضح من كلام الله لنوح ” إِنَّني، بَعدَ سَبعَةِ الأُمٍ، مُمطِرٌ على الأَرضِ أَربَعينَ يَومًا وأَربَعينَ لَيلَةً، وماحٍ عن وَجهِ الأَرضِ كُلَّ كائِنٍ صَنَعتُه ” (التكوين 7: 4)، فجاء الطوفان. وتشير إلى الوقت الذي قضاه موسى على الجبل ” أَقامَ موسى هُناكَ عِندَ الرَّبِّ أَربَعينَ يَوماً وأَربَعينَ لَيلَةً”(خروج 34: 28) ليستلم شريعة العهد القديم. وتشير أيضا الى الأربعين سنة التي قضاها إسرائيل في البرية ” وبَنوكم يَكونونَ رعاةً في البَرِّيَّةِ أَربَعينَ سَنةً ” (عدد 14: 34)، وتشير إليها مسيرة إيليا أربعين يوما “فقامَ وأكَلَ وشَرِبَ وسارَ بِقُوَّةِ تِلكَ الأَكلَةِ أَربَعينَ يَومًا وأربَعينَ لَيلَةً إلى جَبَلِ اللهِ حوريب” (1ملوك 19: 8). اما القديس أوغسطينوس فيرى في رقم 40 معنى رمزيًا، “أن رقم 40 يحوى رقم “عشرة” أربع مرّات، ولما كان رقم 10 يُشير إلى كمال تطويبنا أو إلى المعرفة ( 3 = معرفة الله و7 = معرفة الانسان الكاملة) و”أربعة” تُشير إلى الزمن (صيف وشتاء وخريف وربيع)، فإن رقم 40 يُشير إلى كمال زماننا في حياة مطوّبة ومملوءة معرفة”. اما عبارة ” جاع ” فتشير الى ان يسوع إنسانا حقا. فجوع المسيح دليل لحقيقة ناسوته، فهو ليس خيالًا حيث ان جسد المسيح كان جسدًا كاملًا حقيقيًا يجوع ويعطش ويتألم كما يخبرنا يوحنا الإنجيلي (يوحنا 4: 6-7). وهكذا شابهنا في كل شيء ما عد الخطيئة كما يصرّح صاحب الرسالة الى العبرانيين “لَيسَ لَنا عَظيمُ كَهَنَةٍ لا يَستَطيعُ أَن يَرثِيَ لِضُعفِنا: لَقَدِ امتُحِنَ في كُلِّ شَيءٍ مِثْلَنا ما عَدا الخَطِيئَة” (عبرانيين 4: 15).
3فدَنا مِنه المُجَرِّبُ وقالَ له: ((إِن كُنتَ ابنَ الله، فمُرْ أَن تَصيرَ هذِه الحِجارةُ أَرغِفة)).
تشير عبارة ” المُجَرِّبُ ” الى ابليس الذي جرّب يسوع. وهناك مجربون كثيرون امتحنوا يسوع مدة حياته مثل الفريسيين والصدوقيين الذين سألوه ان يريهم آية من السماء (متى 16: 1)؛ اما عبارة ” ابنَ الله ” فتشير الى الصوت الذي سمعه يسوع وقت عماده فاستعمله الشيطان ” نَزَلَ الرُّوحُ القُدُسُ علَيه في صورةِ جِسْمٍ كَأَنَّهُ حَمامَة، وَأَتى صَوتٌ مِنَ السَّماءِ يَقول: ((أَنتَ ابنِيَ الحَبيب، عَنكَ رَضِي ” (لوقا 3: 22). يستعيد المُجرِّب ما قيل في عمل يسوع ليشكك ببنوّة يسوع الإلهية، ينطلق من هذه البنوّة إذا كان يسوع ابن الله لينتزع الارتباط بالآب الذي أرسل ابنه الى العالم ليخلّص العالم؛ اما عبارة ” فمُرْ أَن تَصيرَ هذِه الحِجارةُ أَرغِفة” فتشير الى الجوع الشخصي والى أكثر من ذلك انها ايحاء ليصير يسوع مصلحا اجتماعيا شهيرا بمعجزته بدل ان يكون مخلصا للإنسان بصليبه.
4فأَجابَه: ((مكتوبٌ: ليسَ بِالخُبزِ وَحدَه يَحيْا الإِنْسان بل بِكُلِّ كَلِمَةٍ تَخرُجُ مِن فَمِ الله)).
تشير عبارة “أَجابَه” إلى إجابة يسوع بصفته انسان وليس بصفته ابن الله. وهذه الإجابة يُمكن لأي إنسان ان يقدمها فيها مقتبسة من سفر تثنية الاشتراع؛ اما عبارة ” مكتوبٌ ” فتشير الى قبول السيد المسيح الى العهد القديم كوحي إلهي. فالحجة المستمدة من المكتوب كان لها قوة ملزمة، لأنها من الوحي الإلهي كما جاء في تعليم بولس الرسول ” فكُلُّ ما كُتِبَ هو مِن وَحيِ الله، يُفيدُ في التَّعْليمِ والتَّفنْيدِ والتَّقْويمِ والتَّأديبِ في البِرّ” (2 طيموتاوس 3: 16). وقد استعمل يسوع كلمة الله كسيف الروح لمقاومة التجربة كما يؤكد ذلك بولس الرسول “اتَّخِذوا لَكم خُوذَةَ الخَلاص وسَيفَ الرُّوح، أَي كَلِمَةَ الله” (افسس6: 17)؛ أمَّا عبارة ” ليسَ بِالخُبزِ وَحدَه يَحيْا الإِنْسان ” فتشير الى اقتباس من سفر تثنية الاشتراع حيث يقول موسى النبي للشعب “فذلَّلَكَ وأَجاعَكَ وأَطعَمَكَ المَنَّ الَّذي لم تَعرِفْه أَنتَ ولا عَرَفَه آباؤكَ، لِكَي يُعْلِمَكَ أَنَّه لا بالخُبزِ وَحدَه يَحْيا الإِنْسان، بل بِكُلِّ ما يَخرُجُ مِن فَمِ الرَّبِّ يَحْيا الإِنْسان ” (تثنية الاشتراع 8: 3)؛ وكما اعطى الله المنّ طعاماً جسدياً لشعبه في البرية لكي يرتبط به ارتباطا روحيا، هكذا يرتبط يسوع بأبيه وينتظر منه كل شيء. وتدل هذه الآية ان للإنسان حاجات روحية بالإضافة الى الحاجات المادية. لذا فالواجب الأول ليسوع هو ان يكرز بكلمة الله، دون أن يهمل الحاجات المادية كإطعام الخمسة الاف مثلا (متى 14: 13-21). لم يشأ يسوع ان يستخدم قوته الإلهية لإشباع حاجته الطبيعية للطعام. الطعام شيء طيب ولكن التوقيت كان خاطئا. لا يستخدم يسوع قوى روحية لغايات دنيوية شخصية.
5فمَضى بِه إِبليسُ إِلى المدينَةِ المُقدَّسة وأَقامَه على شُرفَةِ الهَيكل،
تشير عبارة “مَضى به” الى اخذ ابليس ليسوع بالفكر والايحاء. اما عبارة ” شُرفَةِ ” وفي اليونانية πτερύγιον فتشير إلى سطح او جناح الهيكل في المدينة المقدسة اورشليم. والأرجح ان جناح الهيكل كان سور الزاوية الناتئ من سفح التل المشرف على اسفل الوادي . وقد طلب الشيطان من يسوع ان يُلقي بنفسه من الشرفة ليُظهر للجموع التي تحتشد عادة في ذلك المكان انه هو المسيح المنتظر؛ اما عبارة ” الهَيكل ” فتشير الى المركز الديني لكل الآمة اليهودية، المكان الذي كان اليهود ينتظرون مجيء المسيح اليه (ملاخي 3: 1) وقد جدّد هيرودس الكبير الهيكل مع أروقته مؤملاً ان يحظى بثقة اليهود كما جاء في حوار اليهود مع يسوع ” بُنِيَ هذا الهَيكَلُ في سِتٍّ وأَربَعينَ سَنَة، أوَ أَنتَ تُقيمُه في ثَلاَثةِ أيَّام؟ ” (يوحنا 2: 20).
6وقالَ لَه: ((إِن كُنتَ ابنَ الله فأَلقِ بِنَفسِكَ إِلى الأَسفَل، لأَنَّه مَكتوب: ((يُوصي مَلائكتَه بِكَ فعلى أَيديهم يَحمِلونَكَ لِئَلاَّ تَصدِمَ بِحَجرٍ رِجلَكَ)).
تشير عبارة ” ابنَ الله ” الى لقب يسوع يستعمله ابليس كي يجرّب الرب يسوع كما جرّب الشعب العبراني الله في البرية قائلين: “هَلِ الرَّبُّ في وَسْطِنا أَم لا؟ ” (خروج 17: 7)؛ اما عبارة ” فأَلقِ بِنَفسِكَ إِلى الأَسفَل” فتشير الى تجربة تعرض على يسوع ان يكون صانع معجزات شهير. ويعلق القديس ايرونيموس “هذه هي كلمات إبليس دائمًا إذ يتمنى السقوط للجميع”؛ أمَّا عبارة “لأَنَّه مَكتوب” فتشير الى استناد ابليس على الكتاب المقدس ليُوقع يسوع في التجربة؛ اما عبارة ” يُوصي مَلائكتَه بِكَ فعلى أَيديهم يَحمِلونَكَ لِئَلاَّ تَصدِمَ بِحَجرٍ رِجلَكَ” فهي آية اقتبسها ابليس من الكتاب المقدس “على أَيديهم يَحمِلونَكَ لئَلاَّ تَصدِمَ بحَجَر رجلَكَ” (مزمور 91: 12). لم يخطئ ا في اقتباس النص الكتابي، إنما اساء تطبيق النص وتفسيره ليجعله يعني اتكالا اجباريا على الله بدل ان يعني الايمان. والأسو من ذلك ان ابليس لم يكمل المزمور نفسه الذي ينتهي بالوعد بالانتصار عليه “يَدعوني فأُجيبُه أَنَّا معه في الضِّيقِ فأُنقِذُه وأُمَجِّدُه. بِطولِ الأيامِ أُشبِعُه وأُريه خلاصي”(مزمور 91: 15-16). وهو مزمور يصّليه المؤمن حين يحتاج عون الله. ومن هنا نستنج ان الشيطان يتلاعب بآيات الكتاب المقدس لأغراضه الخاصة بعيدا عن معناها الجوهري ومدلولها الأساسي.
7فقالَ له يسوع ((مَكتوبٌ أَيضاً: لا تُجَرِّبَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ)).
تشير عبارة ” لا تُجَرِّبَنَّ الرَّبَّ إِلهَكَ ” الى تجربة الانسان لله المألوفة في العهد القديم بعصيانه تعالى لمعرفة مدى صبره، كما صرّح موسى النبي: ((لِماذا تُخاصِموَنني ولماذا تُجَربونَ الرَّبّ؟ ” (خروج 17: 2)، فقد خاصم بني إسرائيل موسى، ومن خلاله جرّبوا الله. ولكن المسيح رفض ان يجرّب الله كما طلب منه ابليس فعاد الى ما ورد في الكتاب المقدس على لسان موسى ” لا تُجَرِّبوا الرَّبَّ إِلهَكم ” (تثنية الاشتراع 6: 16). يظهر ان “تجربة الرب ” تعني ان المرء يُعرض نفسه لخطر، وبعد ذلك يُرغم الله بان يُنجِّيه من الخطر. قد يضع الانسان يده في النار ثم يشتكي لان الله لم يحفظها من ان تحترق. طلب علامات من الله هو محاولة تحريك الله كما تشاء، في حين يريدنا الله ان نحيا بالإيمان. لم يُجرِّب يسوع الله أبيه السماوي بان يرُغمه بعمل معجزة، بل عرف كلمة الله واطاعها. اما الشيطان فيعرف كلمة الله ولا يطيعها. أن كلمة الله هي سلاح مثل سيف ذي حدين كما صرّح كاتب الرسالة الى العبرانيين “إِنَّ كَلامَ اللهِ حَيٌّ ناجع، أَمْضى مِن كُلِّ سَيفٍ ذي حَدَّين ” (العبرانيين (عبرانيين 4: 12).
8ثُمَّ مَضى بِه إِبليسُ إِلى جَبَلٍ عالٍ جدّاً وأَراهُ جَميعَ مَمالِكِ الدُّنيا ومَجدَها،
تشير عبارة ” جَبَلٍ ” الى أهمية الجبل في انجيل متى وذلك للدلالة على الجبل (سيناء) حيث استلم موسى الشريعة وعلى جبل (نيبو) حيث رأى موسى ارض الموعد ولم يدخل اليها. لذا وضع متى الإنجيلي تجربة على الجبل في المرتبة الثالثة والاخيرة لأهمية موضوع الجبل في تعليمه، في حين لوقا وضع في اورشليم التجربة الثالثة، لان هذه المدينة هي البداية والنهاية في انجيله الطاهر. وبما انه لا يوجد جبل يمكن منه رؤية جميع العالم فيُستنتج ان هذه التجارب التي مرّ بها الرب كانت ذهنية باطنية. اما عبارة ” أَراهُ جَميعَ مَمالِكِ الدُّنيا ومَجدَها ” فتشير الى الغنى والسلطان في يد ابليس. ولكن تجاه ممالك الدنيا، هناك ملكوت الله، وتجاه مجد هذا العالم، هناك المجد الآتي من الله. إن الخبث في هذه التجربة يكمن في ان الشيطان وضع تأثيره الشخصي في العالم تحت تصرف يسوع في سبيل تقدم الملكوت المسيحاني. لكن يسوع رفض السيطرة الارضية على العالم، لان رسالته كانت تبشير الفقراء بالخلاص كما تنبأ عنه اشعيا النبي ” الفُقراءُ يُبَشَّرون” (متى 11: 5).
9وقالَ له: ((أُعطيكَ هذا كُلَّه إِن جَثوتَ لي سـاجداً)).
تشير عبارة ((أُعطيكَ هذا كُلَّه” الى السلطان السياسي على حكومات وممالك العالم. فيعرضه على يسوع ليكون المسيح الدنيوي الذي ينتظره معاصروه؛ لكن سلطان الشيطان مهدّد (لوقا 10: 1)، ومدته قصيرة (لوقا 22: 53). أما سلطان يسوع فلا يستمّده إلاّ من أبيه السماوي “قَد سَلَّمَني أَبي كُلَّ شَيء” (لوقا 10: 22)؛ اما عبارة ” سـاجداً” προσκυνήσῃς (ومعناها تقبيل اليد او ركوع على الركبتين احتراما) فتشير الى الخضوع التام المؤدي الى نتائج عملية ” كما حدث مع المجوس الذين قالوا: ((أَينَ مَلِكُ اليهودِ الَّذي وُلِد؟ فقَد رأَينا نَجمَه في المَشرِق، فجِئْنا لِنَسجُدَ لَه” (متى 2: 2) وكما حدث ايضاً مع التلاميذ الاثني عشر بعد القيامة “لَمَّا رَأَوهُ سَجَدوا له” (متى 28: 17)؛ اما عبارة ” إِن جَثوتَ لي سـاجداً ” فتشير الى الشرط الوحيد الذي يضعه ابليس على يسوع لكي يعطيه السلطان على ممالك الدينا. ويدل السجود على الخضوع التام الذي لا يليق إلاّ بالله (متى 2: 2). اما السجود للشياطين فهي عبادة الاصنام كما قال بولس الرسول ” أَما ذُبِحَ لِلأَوثانِ شَيء أَمِ الوَثَنُ شَيء؟ لا، ولكِن لمَّا كانَ ما يُذبَحُ إنَّما يُذبَحُ لِلشَّياطينِ لا لله” (1 قورنتس 10: 19-20). يبدو ان التجربة كانت تولي السلطة عن طريق تجنّب الصليب. فحاول الشيطان ان يحوّل يسوع عن هدفه، بجعله يركز بصره على السلطة العالمية وليس على مخطة الله وملكوته.
10فقالَ له يسوع: ((اِذهَبْ، يا شَيطان! لأَنَّه مَكتوب: لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسجُد وايَّاهُ وَحدَه تَعبُد)).
تشير عبارة ” اِذهَبْ” في اليونانية Υπαγε (ومعناه انسحب) الى ما قاله يسوع لبطرس “إِنسَحِبْ! Υπαγε وَرائي! يا شَيطان، فأَنتَ لي حَجَرُ عَثْرَة، لأَنَّ أَفكارَكَ لَيسَت أَفكارَ الله، بل أَفكارُ البَشَر “(متى 16: 23). هكذا طرد يسوع التجربة وهكذا فعل مع بطرس الذي دعاه كيلا يكون عائقا للرب في طريقه الى الصلب والموت والقيامة. اما عبارة ” يا شَيطان! ” تشير الى خصم كما تلمح اليها اللفظة العبرية הַשָּׂטָן. فالشيطان يرفع الدعوى على ابناء الله متهماً إياهم امام محكمة السماء” فقالَ الرَّبُّ لِلشَّيطان: ((ها إِنَّ كُلَّ شيَءٍ لَه (أيوب) في يَدِكَ، ولكِن إِلَيه لا تَمدُدْ “(أيوب 1: 12)؛ اما عبارة ” لِلرَّبِّ إِلهِكَ تَسجُد وايَّاهُ وَحدَه تَعبُد ” فتشير الى قرار يسوع باتباع الله وعمل مشيئته كما ورد في تثنية الاشتراع ” الرَّبَّ إِلهَكَ تَتَّقي وإِيَّاه تعبُدُ ” (6: 13)، لذا حياة يسوع العلنية منذ بدايتها هي سجود وعبادة لله وحده. ورفض السجود للشيطان كي يسود العالم سيادة سياسية. فالسجود والعبادة هي مبدا أساسي من مبادئ الدين في الكتاب المقدس.
11ثُمَّ تَركَه إِبليس، وإِذا بِمَلائكةٍ قد دنَوا منهُ وأَخذوا يَخدُمونَه.
تشير عبارة “المَلائكة” فتشير الى مرسلي الله للدلالة على حضور الله والعون الذي يحمله الى أتقيائه، وهم في خدمة يسوع في حياته على الارض. فقد أعلنوا مولده لمريم البتول (لوقا 1: 35)، واكَّدوا الامر ليوسف (متى 1: 20) وأعلنوا ان اسمه يسوع (متى 1: 20) ومولده للرعاة لوقا 2: 11) وحافظوا على يسوع في هربه الى مصر (متى 2: 13) وقاموا بخدمته في الجسمانية (لوقا 22:43)؛ اما عبارة “يَخدُمونَه” فتشير الى خدمة المائدة وتقديم الطعام كما هو الحال مع حماة بطرس ” فنَهضَت وأَخذَت تَخدُمُه “(متى 8 :15). اما عبارة “بِمَلائكةٍ قد دنَوا منهُ وأَخذوا يَخدُمونَه ” فتشير الى الخدمة التي يقوم بها الملائكة وهي العون الإلهي. ينال يسوع من الله عن يد الملائكة الطعام الذي رفض ان يؤمّنه لنفسه كما طلب منه الشيطان، وهكذا يعلم يسوع تلاميذه ان يطلبوا طعامهم من الآب السماوي “أُرْزُقْنا اليومَ خُبْزَ يَومِنا ” (متى 6: 11). فحضور الملائكة دلالة على انتصار يسوع على التجربة. ويعلق القديس ايرونيموس “التجربة تسبق لكي تتبعها نصرة، وتأتي الملائكة فتخدم لتثبت كرامة المنتصر”.
ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 4: 1-11)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي متى 4: 1-11)، نستنتج انه يتمحور حول تجارب يسوع.
ومن هنا نتساءل ما هو واقع التجربة؟ كيف واجه يسوع التجربة وكيف نواجه التجربة؟
1) ما هو واقع التجربة؟
وُجدت التجربة لدى وجود الانسان على الارض. فمنذ البداية الشيطان يوسوس ويخدع كما يقول بولس الرسول “يَخدَعَنا الشَّيطان، ونَحنُ لا نَجهَلُ وَساوِسَه”(2 قورنتس 2: 11) وهو كالأسد الزائر كما يصفه بطرس الرسول “إنَّ إِبليسَ خًصْمَكم كالأَسدِ الزَّائِرِ يَرودُ في طَلَبِ فَريسةٍ لَه” (1بطرس 5: 8). والتجربة ” شوكة في الجسد” كما صرّح بولس الرسول ” ومَخافَةَ أَن أَتَكَبَّرَ بِسُمُوِّ المُكاشَفات، جُعِلَ لي شَوكَةٌ في جَسَدي: رَسولٌ لِلشَّيطانِ وُكِلَ إِلَيه بِأَن يَلطِمَني لِئَلاَّ أَتَكبر”(2 قورنتس 12: 7). ونبّه السيد المسيح من وقوع ما يعرّض للخطيئة “الوَيلُ لِلعالَمِ مِن أَسبابِ العَثَرات! ولابُدَّ مِن وجُودِها، ولكِنِ الوَيلُ لِلَّذي يكونُ حَجَرَ عَثرَة!”(متى 18: 7). فالخطيئة تسكن فينا كما يعترف بولس الرسول قائلا” لأَنَّ الخَيرَ الَّذي أُريدُه لا أَفعَلُه، والشَّرَّ الَّذي لا أُريدُه إِيَّاه أَفعَل. فإِذا كُنتُ أَفعَلُ ما لا أُريد، فلَستُ أَنا أَفعَلُ ذلِك، بلِ الخَطيئَةُ السَّاكِنةُ فِيَّ “(رومة 7: 14-25).
اما مراحل التجربة فهي ثلاثة. المرحلة الأولى: الاغراء من الخارج، والمرحلة الثانية: التأثير على الإرادة من الداخل، والمرحلة الثالثة: اتخاذ القرار. فإذا ما قبلنا التجربة وقبلنا الإغراء الذي يستهوينا كانت التجربة خطيئة وموتا وهلاكاً. لكن إن رفضنا التجربة وقاومناها، كانت لنا التجربة سبب اجرٍ وثوابٍ.
الشيطان يجرّب والله يختبر. فالتجربة هي عادة إغراء شخص ما للقيام بما هو خطأ أو ممنوع هدفها ابعاده عن الله، واما الاختبار فهو بمثابة امتحان هدفه إثبات وتنقية شخصاً ما للتحقّق من جاهزيّته للواجب الّذي في متناول اليد. يختبر الربّ شعبه لمعرفة إنّ كانوا مُستعدّين لاتّباعه وخدمته دون تحفّظ أو مساومة مثل اختبار لله لإبراهيم في تقديم ابنه إسحاق قائلا له ” خُذِ اَبنَكَ وَحيدَكَ الَّذي تُحِبُّه، إِسحق، وآمضِ إِلى أَرضِ المورِيِّا وأَصعِدْه هُناكَ مُحرَقَةً على أَحَدِ الجِبالِ الَّذي أريكَ” (التكوين 22: 2).
فقد اغوى الشيطان حواء وآدم فتمردا على الخالق (تكوين 3: 1-6)، “دَخَلَ الشَّيطانُ في يَهوذا المَعْروفِ بِالإِسْخَرْيوطِيّ، وهو مِن جُملَةِ الاِثَنيْ عَشَر فخان المعلم ( لوقا 22: 3)، وغربل الرسل فتفرّقوا وتركوا المعلم وحده كما صرّح الرب “سِمعان سِمعان، هُوذا الشَّيطانُ قد طَلَبكُم لِيُغَربِلَكُم كَما تُغَربَلُ الحِنطَة”( لوقا 22: 31)، ودخل الشيطان في حنانيا وزوجته سفيرة فكذبا على الروح القدس كما أوضح بطرس الرسول ” لِماذا مَلأَ الشَّيطانُ قَلبَكَ فكذَبتَ على الرُّوحِ القُدُس”( اعمال الرسل 5: 3) . وجرّب الشيطان المسيح نفسه (متى 3: 1-11). وهو يجرّبنا في كل حين. ولكن بولس الرسول يعلمنا انه مع التجربة هناك وسيلة للنجاة ” لم تُصِبْكُمْ تَجرِبَةٌ إِلاَّ وهي على مِقدارِ وُسْعِ الإِنسان. إِنَّ اللهَ أَمينٌ فلَن يأذَنَ أَن تُجَرَّبوا بما يفوقُ طاقتَكم، بل يُؤتيكُم مع التَّجرِبَةِ وَسيلةَ الخُروجِ مِنها بِالقُدرةِ على تَحَمُّلِها” (1 قورنتس 10: 13). ولم ينجو يسوع من تجربة الشيطان.
2) كيف واجه يسوع التجربة
جُرب يسوع في البرية في أحرج الظروف حيث كان وحيدا ومتعبا وجائعا بعد صومه أربعين يوما. جرَّبه الشيطان على دفعات ثلاث محاولاً ان يختبر موقفه البنوي تجاه ابيه السماوي من خلال بث أفكاره المسمومة من تشكيك، وإثارة شهوات. اما يسوع فأظهر الطريقة التي اعتمدها كابن الله ليكون مسيحا، أختار العلاقة والطاعة البنويّة ، وعبّر عنها بطريق آلامه وموته وقيامته كما ورد في الكتب المقدسة “بَدأَ يسوعُ مِن ذلِكَ الحينِ يُظهِرُ لِتَلاميذِه أَنَّه يَجِبُ علَيهِ أَن يَذهَبَ إِلى أُورَشَليم ويُعانِيَ آلاماً شَديدة مِنَ الشُّيوخِ وعُظَماءِ الكَهَنَةِ والكَتَبَة ويُقتَلَ ويقومَ في اليومِ الثَّالث. فَانفَرَدَ بِه بُطرُس وجَعلَ يُعاتِبُه فيَقول: ((حاشَ لَكَ يا رَبّ! لن يُصيبَكَ هذا! “(متى 16: 21 -23). اما الطريقة التي يعرضها عليه ابليس والتي يريد البشر ان ينسبوها اليه هي ان يكون مسيحا سياسيا أرضيا. فردّ يسوع هذه التجارب التي تلخص تجارب ادم في الفردوس وبني اسرائيل في الصحراء.
ا) تجارب آدم في الفردوس
التجارب الثلاث التي واجهها السيّد المسيح وغلب، إنّما هي ذات التجارب التي واجهت آدم وسقط فيها وهو في الفردوس، (التكوين 2: 7-9، 3: 1-7). وهذه التجارب هي: شهوة الجسد، وشهوة العين والكبرياء. في تجربة الجسد كما جرّب ابليس آدم بأكل من شجرة المعرفة والخير كذلك جرّب يسوع في تحويل الحجارة لخبز. آدم غلبه إبليس إذ أكل، والمسيح هزم إبليس إذ امتنع عن الأكل.
وفي التجربة شهوة العين كما جرَّب الشيطان آدم بالشجرة التي كانت شهية للنظر وبهجة للعيون، كذلك جرّب الشيطان يسوع إذ أراه كل ممالك الأرض. وفي تجربة الكبرياء كما عرض الشيطان على آدم ان يصير هو وزوجته كآلِهَةٍ قائلا: “فاللهُ عالِمٌ أَنَّكُما في يَومِ تأكُلانِ مِنه تَنفَتِحُ أَعيُنُكُما وتَصيرانِ كآلِهَةٍ تَعرِفانِ الخَيرَ والشَّرّ” (تكوين 3: 5)، كذلك عرض على المسيح ان يلقى نفسه ولا يصيبه أذى. “أَلقِ بِنَفسِكَ إِلى الأَسفَل، لأَنَّه مَكتوب: ((يُوصي مَلائكتَه بِكَ فعلى أَيديهم يَحمِلونَكَ لِئَلاَّ تَصدِمَ بِحَجرٍ رِجلَكَ)) (متى 4: 6).
ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم ان التجارب الثلاث تتلخص بتجربة ” عبوديّة البطن، والعمل من أجل المجد الباطل، والخضوع لجنون الغنى”. وما سقط فيه آدم الأول غلب فيه آدم الثاني، وصار لنا الهلاك الأبدي خلال آدم الأول، وصار لنا المجد الأبدي خلال آدم الثاني. يسوع هو ادم الجديد. المسيح كرأس للخليقة الجديدة دخل المعركة وغلب، لأن آدم رأس الخليقة القديمة دخل المعركة وهُزِمَ. دخل الربّ يسوع طوعاً إلى البرّية كي يستعيد الفردوس الّذي فقده ابوينا الاولين آدم وحواء.
ب) تجارب بني إسرائيل في الصحراء
اما متى الإنجيلي فاظهر في رواية التجارب ان يسوع هو إسرائيل الجديد، الذي مرّ في البرية وانتصر، وهو وموسى الجديد الذي صامَ أَربَعينَ يوماً وأَربَعينَ لَيلةً (الخروج 24: 18).
برجوع الى سفر تثنية الاشتراع 8: 2-3). يرينا متى الإنجيلي ان يسوع عاش في البرية تلك التجارب التي عاش الشعب في أثناء خروجه من مصر. فقد عرض الشيطان على يسوع التجارب الكبرى التي سقط فيها بني إسرائيل فيما مضى كما ورد في سفر الخروج كتجربة المنّ (خروج 16) وتجربة الأصنام وعجل الذهب (خروج 32-34) وتجربة المعجزات والآيات (خروج 17). إنّ تجربة إسرائيل هي تجربة يسوع، وهي تجربة البشرية كلها، وهي تجربتنا نحن أيضا. فظهر يسوع في رواية التجارب بمظهر شعب اسرائيل الذي جُرّب في البرية كما تدل الاستشهادات الصريحة المأخوذة من سفر تثنية الاشتراع (تثنية 8/3-6/13-6/16).
التجربة الأولى: حاجة جسدية: “إشباع الجوع”
تشتد شهوة الإنسان للطعام مع الجوع، وهي لحظة ضعف للجسد. استغل الشيطان جوع يسوع (متى 4: 2) ليجرِّبه “إِن كُنتَ ابنَ الله، فمُرْ أَن تَصيرَ هذِه الحِجارةُ أَرغِفة” (متى 4: 3). فالشيطان يريد ان يُشكك يسوع في محبة الآب له، فهو يقصد أن يقول، إن كان الله الآب هو أبوك حقًا، وهو إله خير محب، فلماذا يتركك جائعًا. إذًا فليحوِّل لك الحجارة إلى خبز. ويعلق القديس ايرونيموس “يقصد إبليس بكل هذه التجارب أن يعرف إن كان هو ابن الله!”. وكأن الشيطان يتساءل: هل الله قادر ان يزوّد ابنه يسوع بالطعام؟ اما يسوع فأتكل على الله الاب وأجابه مستشهدا في الكلمة الإلهيّة المكتوبة ” لا بالخُبزِ وَحدَه يَحْيا الإِنْسان، بل بِكُلِّ ما يَخرُجُ مِن فَمِ الرَّبِّ يَحْيا الإِنْسان”(تثنية الاشتراع 8: 3). رفض الربّ يسوع الطعام كي يُثبت اعتماده على خبز السماء، كلمة الربّ، الّذي سوف يسنده، ليس فقط في جوعه الجسدي، بل في ساعة التجربة كذلك.
اعتزم يسوع أن يقهر إبليس لا بالجبروت (تحويل الحجارة خبزًا)، وإنما بالتواضع بالتجاء الى كلمة الله. ومن لا يتغذّى بكلمة الله لا يحيا. أراد إبليس أن يجذب المسيح للاهتمام بالماديات فحوَّل المسيح الكلام إلى الروحانيات. ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “أننا نغلب الشيطان لا بعمل المعجزات، وإنما بالاحتمال وطول الأناة، فلا نفعل شيئًا بقصد المباهاة والمجد الباطل”. أن المسيح يُشبع الجموع بمعجزة ولا يعمل معجزة لأجل نفسه وهو جائع. فالمسيح لا يريد أن ينحصر في ذاته بل هو يسلم بكل ما يريده الآب، هو لا يريد أن يستخدم مشيئته بعيداً عن مشيئة الله. وبهذا انتزع سلاح الشيطان الذي يقوم على استخدام مشيئة الإنسان بعيداً عن مشيئة الله كما أعلن يسوع يوما امام الجمع ” فقَد نَزَلتُ مِنَ السَّماء لا لِأَعمَلَ بِمَشيئتي بل بِمَشيئَةِ الَّذي أَرسَلَني.” (يوحنا 6: 38).
التجربة الثانية: حاجة عاطفية: الأمان.
استغل الشيطان حاجة الأمان فجرّب يسوع قائلا” إِن كُنتَ ابنَ الله فأَلقِ بِنَفسِكَ إِلى الأَسفَل، لأَنَّه مَكتوب: “أَوصى مَلائِكَتَه بِكَ لِيَحفَظوكَ في جَميعِ طرقِكَ على أَيديهم يَحمِلونَكَ لئَلاَّ تَصدِمَ بحَجَر رجلَك ” (مزمور 91: 12). أستخدم الشيطان كلمة الله بطريقة مضللة ومحرّفة وجعلها أساسًا للتجربة. أذ يستخدم المزمور ولكنه لم يكمله، فالباقي ليس في مصلحته. ويعلق القديس جيروم” يفسّر الشيطان المكتوب تفسيرًا خاطئًا… كان يليق به أن يكمّل ذات المزمور الموجَّه ضدّه إذ يقول: “تطأ الأَسَدَ والأفعى تدوسُ الشبلَ والتنين” (مزمور 91: 13). فهو يتحدّث عن معونة الملائكة كمن يتحدّث إلى شخص ضعيف محتاج للعون، ولكنه لم يذكر أنه سيُداس بالأقدام. أستخدم الشيطان هذه الآية بخدعة لكي يدفع السيّد المسيح ليجرِّب أباه السماوي ويفسد رسالته بتجنب حمل الصليب مهتمّا باستعراض إمكانيّاته والمجد الباطل، وذلك بطلب الملائكة لتحفظه عِوض الدخول في حياة الألم.
أن هذه التجربة هي التجربة الدائمة التي كان معاصرو يسوع يطرحونها عليه طيلة حياته العلنية: اصنع المعجزات، أعطنا آية من السماء، (لوقا 11: 29) أظهِر لنا بقدرتك ومعجزاك أنك المسيح المنتظَر (يوحنا 2: 18)، انزل عن الصليب! (متى 27: 42). والشيطان يقول له “أَلقِ بِنَفسِكَ إِلى الأَسفَل” (متى 4: 6)، ولو فعل يسوع المعجزة بإلقاء نفسه الى الأسفل فأنه يقع في الكبرياء وآمن به الجميع بسبب هذه المعجزة الخارقة، ولكن يسوع رفض ذلك واظهر انه طريقه هو طريق الصليب. وقد اراد الشيطان ان يشكك يسوع في علاقته مع الله ابيه كي يفقد ثقته بالآب! هل الله قادر ان يحميه؟ لكن يسوع ركّز على خطة الله الاب مستشهدا في كلمته القدوس “لا تُجَرِّبوا الرَّبَّ إِلهَكم” (تثنية الاشتراع 6: 16). فلا نستغرب أن نُجَرَّبَ بدورنا بنفس التجربة المأساوية، تجربة فقدان الثقة بالله والإحساس بتخلّي الربّ عنا! وهذه أخطر التجارب؛ إنها تجربة الإلحاد: “فلو كان الله موجودا، لما حصل معي هذا!”. وأن مشكلة الشر والألم في العالم هي وراء فقدان الثقة بالله، ولكننا نؤمن بأنّ يسوع “معنا”، وأنه كان الأوّل في الانتصار على هذه التجربة ببقائه على الدوام أمينا للربّ حتى وهو “مسمّرٌ على الصليب”.
التجربة الثالثة حاجة نفسية: “السلطة الزمنية”
الشيطان هو رئيس هذا العالم، وهو يغوي المؤمنين بملذات وأمجاد هذا العالم الباطلة التي يملكها ويتحكم فيها، والثمن هو السجود له أي التبعية الكاملة له التي تصل لحد عبادته. أنه “كذَّابٌ وأَبو الكَذِب ” (يوحنا 44:8)، فهو يغوي المؤمنين بعالم فانٍ زائل. وقد استغل الشيطان هذه السلطة ليجرّب يسوع” وأَراهُ جَميعَ مَمالِكِ الدُّنيا ومَجدَها، أُعطيكَ هذا كُلَّه إِن جَثوتَ لي سـاجداً ” (متى 4: 8 -9). وحاول الشيطان ان يُطبِّق المثل العامي “حسنة وأنا سيدك”. فالشيطان أبو الكذاب قد ظنّ أنه قادر أن يخدع الرب يسوع ” أُعطيكَ هذا كُلَّه ” فلا حاجة إلى الصليب كي تكوّن مملكة من العالم، إنّما يكفي أن تسجد لي. وكان هذا هو طلب اليهود أيضا معاصري يسوع الذين أرادوا منه أن يكون مسيحا سياسيا، “ملِكا لهذا العالم” متزعّما مع الغيورين حركة استعادة “السلطة” والمجد من المحتل الروماني كما جاء في انجيل يوحنا ” وعَلِمَ يسوعُ أَنَّهم يَهُمُّونَ بِاختِطافِه لِيُقيموهُ مَلِكاً، فانصَرَفَ وعادَ وَحدَه إلى الجَبَل “(يوحنا 6: 15).
وحاول الشيطان ان يشكك يسوع في علاقته بالله ابيه السماوي: فهل يرشده الله؟ أجابه يسوع دون تساهل مع الشر مستشهدا في كلمة الله “لرَّبَّ إِلهَكَ تَتَّقي وإِيَّاه تعبُدُ” (تثنية الاشتراع 6: 13). ولم ينخدع يسوع، لأنه يعرف حقيقة سلطان أبيه، وأن ما لأبيه إنّما هو له كما صرّح “جَميعُ ما هو لي فهو لَكَ وما هو لَكَ فهو لي ” (يوحنا 17: 10). ويعلق القديس ايرونيموس “إن إبليس لا يملك العالم كلّه ليعطي ممالكه، وإنما الله هو الذي يهب الملكوت لكثيرين”.
رفض يسوع الملكية الزمنية او “المسيحانية الزمنية” مفضّلا أن يكون ذلك “العبد الفقير المتألّم” كما بيّن يسوع ذلك في غسل اقدام تلاميذه (يوحنا 13 :1-20). وجعل من نفسه ضعيفا، واختار “الصليب الذي كان عِثارٍ لِليَهود وحَماقةٍ لِلوَثنِيِّين”(1قورنتس 1: 23). إنّ تجربة السلطة هي تجربتنا نحن أيضا؛ إنها تجسّد ميلنا إلى السيطرة وفرض الرأي وتقديم المصلحة الخاصة.
واجه يسوع التجارب الثلاثة بكلام الله كما ورد في سفر تثنية الاشتراع. ظهر المسيح خادما لله، خاضعا تمام الخضوع لمشيئته الالهية. بهذا التغلب يسوع على ابليس: انه “ربط القوي” لكي يسترجع امتعت (مرقس 3: 27). ان انتصار يسوع على المُجرِّب في الصحراء استباق لانتصار الالام، وبالتالي خضوع محبته البنوية للاب. واثبت يسوع انه ابن الله بطاعته الكاملة وبتغلبه على الشيطان. جُرّب فعرف ضعفنا، وصار ” رئيس كهنة رحيما أمينا” (عبرانيين 2: 17). واستطاع ان يساعد المجرّبين ” (عبرانيين 2: 18). ولذا رأى صاحب الرسالة الى العبرانيين في السيّد المسيح ليس مثالًا خارجيًا نتمثل به في وقت التجارب فحسب، إنّما هو المثل الحيّ الذي يفيض علينا بإمكانيّات نصر كما جاء في تعليم كاتب الرسالة للعبرانيين “قَدِ ابتُلِيَ هو نَفسُه بِالآلام، فهو قادِرٌ على إِغاثَةِ المُبتَلَين” (عبرانيين 2: 18). ويعلق القديس غريغوريوس الكبير “يسوع يغلب تجاربنا بتجاربه”.
3) كيف نواجه التجربة
التجربة في حد ذاتها ليست خطيئة، فإننا نخطئ عندما نستسلم للتجربة ونعصي الله. لذلك قال الآباء “ليس الخطأ أن تحوم الطيور حول رؤوسنا، بل الخطأ أن تتخذ الطيور من رؤوسنا أوكارًا لها”. وفي الواقع، تدخل التجربة في مخطط الله الذي لا يريدنا ان نسقط، بل ليمتحن حبنا (أيوب 1-2). إنها شرط ضروري للفضيلة المجربة “لأَنَّه لابُدَّ مِنَ الشِّقاقِ فيما بَينَكُم لِيَظهَرَ فيكُم ذَوُو الفَضيلةِ المُجَرَّبة” (1 قورنتس 11: 19) التجربة تجعل الانسان أن يعبر من الحرية المعروضة الى الحرية المعاشة، من الاختيار الى العهد. فالله يسمح بالتجارب ولكنه يُعيننا لنخرج مملوئين من الروح القدس ونخرج أكثر قوة وصلابة وخبرة وتواضعاً، إذ ندرك ضعفنا واثقين في وعود الله، مختبرين قوته ونصرته على الشيطان وأسلحته.
لذا لا يمكنُ أن تخلوَ حياتُنا في غربتِنا الأرضيّةِ هذه من التجربة. لأنَّ تقدُّمَنا يتمُّ عن طريقِ التجربة. وفي هذا الصدد يقول القديس اوغسطينوس “لا أحدَ يقدرُ أن يَعرِفَ نفسَه إلا إذا مرَّ بالتجربة، ولا يمكنُ أن يُكلَّلَ بالمجدِ إلا إذا غَلَبَ. ولا يمكنُ أن يَغلِبَ إلا إذا جاهد، ولا يمكنُ أن يجاهدَ إلا إذا تعرّضَ له أعداءٌ وتجارِبُ”. لنتعلم من المسيح كيف نواجه التجربة، فتلميذ المسيح يسير على خطاه، ويقتدي بسيرته وانتصاره.
تقدم لنا تجارب يسوع مثالا نحتذيه عندما نتعرض لتجربة. فهو واجه التجربة ولكنه لم يستسلم لها، بل تغلّب عليها من أجلنا كما يصرح كاتب الرسالة الى العبرانيين ” فلَيسَ لَنا عَظيمُ كَهَنَةٍ لا يَستَطيعُ أَن يَرثِيَ لِضُعفِنا: لَقَدِ امتُحِنَ في كُلِّ شَيءٍ مِثْلَنا ما عَدا الخَطِيئَة” (عبرانيين 4: 15). يعرف يسوع معرفة كاملة ما نتعرض نحن له، وهو قادر وعلى استعداد ان يعيننا في تجاربنا، فعلينا ان نطلب منه القوة عندما نتعرض للتجربة. واجه يسوع المُجرّب كما يواجه كل واحد منا وذلك بامتلائه بالروح القدس واستعمال سلاح كلمة الله والصلاة والصوم:
(ا) التسلح بالروح القدس:
يروي لنا لوقا الإنجيلي ” رَجَعَ يسوعُ مِنَ الأُردُنّ، وهو مُمتَلِئٌ مِنَ الرُّوحِ القُدُس، فكانَ يَقودُه الرُّوحُ في البرِّيَّةِ ” (لوقا 4، 1) ويؤكد ذلك متى الإنجيلي بقوله “وسارَ الرُّوحُ بِيَسوعَ إِلى البَرِّيَّةِ لِيُجَرِّبَه إِبليس ” (متى 4: 1). فاستطاع يسوع ان يواجه الشيطان وتجاربه وينتصر عليها بقوة الروح. لذا يوصينا بولس الرسول: “تَسلَّحوا بِسِلاحِ الله لِتَستَطيعوا مُقاوَمةَ مَكايدِ إِبليس ” (أفسس 6: 10-12). وهذا السلاح هو ” دِرْع البر وخوذَةَ الخَلاصِ، ورداء الغيرة وترس القداسة “(اشعيا 59: 17). الروح القدس هو قوة رادعة للشيطان، والمسيح أرسل لنا الروح القدس لنتغلب على الشيطان وندحره. فالشيطان قوي ومغرياته قوية، لكننا بالروح القدس الذي فينا نكتشف ألاعيبه ونهزمه ونرفض عروضه ومغرياته الخبيثة. إنه يعيننا في ضعفنا كما ورد في رسالة بولس الرسول “فإِنَّ الرُّوحَ يَأتي لِنَجدَةِ ضُعْفِنا “(رومية 8، 26) ويكون مرشدنا ومُعزّينا في التجارب والشدائد (1 قورنتس 10، 13) ويساعدنا في الوقوف في وجه تجارب الشيطان، الّذي يريد أن يُدمّرن كما يصرّح بطرس الرسول ” إِنَّ إِبليسَ خًصْمَكم كالأَسدِ الزَّائِرِ يَرودُ في طَلَبِ فَريسةٍ لَه” (1 بطرس 5، 8).
ومن هنا جاءت توصية بولس الرسول “اسلُكوا سَبيلَ الرُّوح فَلا تَقْضوا شَهوَةَ الجَسَد، لأَنَّ الجَسَدَ يَشتَهي ما يُخالِفُ الرُّوح، والرُّوحَ يَشتَهي ما يُخالِفُ الجَسَد: كِلاهُما يُقاوِمُ الآخَرَ” (غلاطية 5: 16-17). فالنعمة التي وهبها الله لنا أعظم وأقوى وقادرة أن تتغلب على شهوات الإنسان الخاطئة (يعقوب 4: 6). ولا ننسى باننا في رتبة المعمودية عندما يحلّ علينا الروح القدس نكفر بالشيطان، مبدا الخطيئة والشر، وهذا معناه أن المؤمن سيدخل في تحدٍ مع الشيطان وعليه ان يرفضه ويرفض أعماله وإغراءاته وأباطيله.
(ب)العودة الى الكتاب المقدس:
عاد يسوع الى الكتاب المقدس تلاث مرات في دحضه تجارب الشيطان الثلاث. كان كل مرّة يجابهه قائلا “مكتوبٌ ” (متى 4: 3-10). ويقول كاتب الرسالة الى العبرانيين “إِنَّ كَلامَ اللهِ حَيٌّ ناجع، أَمْضى مِن كُلِّ سَيفٍ ذي حَدَّين” (عبرانيين 4: 12). ولذا فإن تلميذ المسيح عليه ان يدحر المجرب مثلما دحره المسيح بكلمة الله. فلكمة الله هي وسيلتنا للتغلب على الشيطان وتجاربه. ويعلق القدّيس أنطونيوس على كلمات يسوع الرب “اذهب يا شيطان”. إنها مِنحة يقدّمها السيّد لمؤمنيه، يستطيعون كمن لهم سلطان أن ينطقوا بالمسيح الذي فيهم ذات الكلمات، إذ يقول: ليخزى الشيطان بواسطتنا، لأن ما يقوله الرب إنّما هو لأجلنا، لأنه عندما تسمع الشيّاطين منّا كلمات كهذه تهرب خلال الرب الذي انتهرها بهذه الكلمات”.
(ج) الصوم:
استعد يسوع لمجابهة تجارب ابليس بالصوم “صامَ يسوع أَربَعينَ يوماً وأَربَعينَ لَيلةً” ((متى 4: 3). أن العدوّ يهاجم القلب عن طريق امتلاء البطن. بالصوم ننزع من إبليس رئيس هذا العالم سلاحه الذي هو ملذات العالم، لان الصوم هو الزهد عن ملذات هذا العالم. فكما صام يسوع قبل مواجهته التجربة هكذا علينا ان نصوم. الصوم هو من أقوى أسلحة ضد الشيطان كما جاء في تعليم يسوع المسيح ” وهذا الجِنسُ مِنَ الشَّيطانِ لا يَخرُجُ إِلاَّ بالصَّلاةِ والصَّوم “(متى21:17). ويعلق البابا فرنسيس في رسالته عن الصوم لعام 2017 ” إنَّ الصوم هو الزمن المناسب لنتجدّد في لقائنا بالمسيح الحيّ في كلمته، والأسرار والقريب”. ويعلق القديس أوغسطينوس “عندما يوجد صراع متزايد من المجرّب يلزمنا أن نصوم، حتى يقوم الجسد بالواجب المسيحي في حربه ضدّ (شهوات) العالم”. فالصوم هو انكار للذات. فهل نقدِّم بعض التضحيات وإنكار الذات في صيامنا؟ وهل نفرض على أنفسنا بعض الإماتات الطوعية؟
(د) الصلاة:
يُعلمنا يسوع ان الصلاة ضرورية لمجابهة تجارب ابليس “إِسهَروا وصَلُّوا لِئَلاَّ تَقَعوا في التَّجرِبَة”(متى 26: 41). يسبر الله غور القلوب ويختبرها (1 تسالونيقي 2: 4) ويسمح فقط بالتجربة (1 قورنتس 10: 13) التي يثيرها المُجرّب (اعمال الرسل 5:3) خلال العالم (1 يوحنا 5: 19) وخصوصا خلال المال (1 طيموتاوس 6: 9). ولذلك نطلب الا ندخل في التجربة كما علم يسوع تلاميذه في الصلاة الربانية “ولا تَترُكْنا نَتَعرَّضُ لِلتَّجربة بل نَجِّنا مِنَ الشِّرِّير” (متى 6: 12). فالصلاة هي شركة واتحاد مع الله، لذا فهي تُعد من أقوى الأسلحة لمقاومة الشيطان، إذ تربطنا بالله الذي يرعب الشياطين كما جاء في تعليم يسوع المسيح ” وهذا الجِنسُ مِنَ الشَّيطانِ لا يَخرُجُ إِلاَّ بالصَّلاةِ والصَّوم”(متى21:17)؛ ويسوع نفسه التجأ الى الصلاة في أقسى تجاربه في أورشليم، سيما تلك التجربة المأساوية التي فيها تمنّى لو يتخلّص من الموت فقال: ” يا أَبتِ، إِن شِئْتَ فَاصرِفْ عَنِّي هذِه الكَأس… ولكِن لا مَشيئَتي، بل مَشيئَتُكَ!” (لوقا 22: 42).
اما السهر فيتطلب الحذر. يجب ان نكون دائما على حذر من هجمات الشيطان كما اوصانا يسوع ” فاحذَروا أَن يُثقِلَ قُلوبَكُمُ السُّكْرُ والقُصوفُ وهُمومُ الحَياةِ الدُّنيا، فَيُباغِتَكم ذلِكَ اليَومُ كأَنَّه الفَخّ ” (لوقا 21: 34-35). ويلفت بولس الرسول الى أهمية الحذر “حَذارِ أَنتَ مِن نَفْسِكَ لِئَلاَّ تُجرَّبَ أَنتَ أَيضًا ” (غلاطية 6: 1). ويؤكد ذلك متى الإنجيلي ان التجربة آتية، لذا يوصي بان نكون متيقظين مستعدين لها حتى لا تغلبنا “الرُّوحُ مُندَفع وأَمَّا الجَسدُ فضَعيف” (متى 26: 41). هل نكرّس ربع ساعة في الأسبوع للصلاة والتأمل والتفكير على خطى السيد المسيح؟ وقت الصلاة هو أيضا وقت “التجربة والاختبار”، يختبر الإنسان نفسه، كي يكتشف قدراته الحقيقية، وقت الصلاة هي أفضل وقت لنصلي صلاة أبانا طالبين ان ” لا تدخلنا في التجارب، لكن نجنا من الشرير”، كي لا ندع التجارب تنتصر علينا وتخضعنا للشرير بل ننتصر عليها.
وباختصار، المسيح هو الطريق، ففيه اعتمدنا وفيه نلنا قوة الروح القدس وفيه نصوم ونزهد في العالم، وفيه نُقْتاد إلى التجارب غير هيابين وفيه نغلب ونخرج من التجارب منتصرين. لذا يجب على كل تلميذ ليسوع ان ينتظر مجابهة مماثلة لمجابهة يسوع للتجربة، وان يتمتع بغلبة مماثلة. فنحن في حربنا ضد الشيطان وتجاربه لسنا نحارب بقوتنا بل أن المسيح الغالب يغلب فينا. أنه حطّم أسلحة ابليس وقوته لحساب الإنسان الجديد والخليقة الجديدة التي هو رأسها كما وعدنا “تُعانونَ الشِدَّةَ في العالَم ولكن ثِقوا إِنِّي قد غَلَبتُ العالَم ” (يوحنا 16: 33). ويعلق القديس أوغسطينوس “ومع المسيحِ أنتَ جُرِّبْتَ، لأنَّ المسيحَ منكَ أخذَ لذاتِه جسدًا، ومن ذاتِه وهبَ لك الخلاص. منكَ له التجربة، ومنه كان لك النصر”. فإن جُرِّبْنا معه، فمعه نحن سوف ننتصرُ على إبليس. وقد ربط متى الإنجيلي التجربة بالعماد (متى 3: 13 –4: 1-11). ليدل على ان المؤمن هو ابن الله الذي انتصر على ابليس منذ عماده. فلا يبقى له الا ان يجعل الانتصار واقعا ملموسا.
الخلاصة
يلخص التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية تجرب يسوع بقوله “التجربة في الصحراء تظهر يسوع مسيحا متواضعا يتغلب على ابليس بانصياعه الكلي لتصميم الخلاص الذي أراده الاب (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية، 566).
اقترح الشيطان علي يسوع في الصحراء كلّ شيء: الحياة والسلطة والنجاح. ولكن التجربة تكمن بان يستولي عليها يسوع بنفسه دون اللجوء الى الآب السماوي المانح الحياة وموزع المواهب. يريد الشيطان ان يستقل يسوع عن ابيه السماوي. فقاوم يسوع هذه التجارب باللجوء الى الطاعة لله الذي يهبنا كل شيء كما يشهد على ذلك كاتب الرسالة الى العبرانيين “أَيَّدَته شهادةُ اللهِ بِآياتٍ وأَعاجيبَ ومُعجِزاتٍ مُختَلِفَة وبِما يُوَزِّعُ الرُّوحُ القُدُسُ مِن مَواهِبَ كَما يَشاء.” (عبرانيين 2: 4). ولم تكن التجارب يسوع في الصحراء إلاّ البداية! وسيُجرَّب يسوع من جديد في أورشليم؛ فالمجابهة الحقيقية ستحصل هناك، ساعة الآلام، إذ “دَخَلَ الشَّيطانُ في يَهوذا المَعْروفِ بِالإِسْخَرْيوطِيّ، وهو مِن جُملَةِ الاِثَنيْ عَشَر” (لوقا 22: 3).
وتجربة يسوع، هي تجربة البشرية كلها، وهي تجربتنا نحن أيضا؛ إذ ما زلنا نحن أيضا نشكّ في الربّ لأنه لا يُظهِر لنا ذاته، وبالتالي نضع ثقتنا في “آخرين”! أمّا جواب يسوع فكان مختصرا وقاطعا: “لا أحد سوى الله!”. فينبغي علينا ان نسير على خطى يسوع، ونحن لا نريد نعبد او ان نضع ثقتنا لا في المال، ولا في اللذة، ولا في السلطة، ولا في النظريات السياسية، ولا في التطور، ولا في هذا العالم، إنما نريد نسجد “لله” وحده وإياه نعبد.
دعاء
أيها الاب السماوي، إملاءنا بروحك القدّوس كي تكون لديّنا الثقة الكاملة بك وبعمل مشيئتك، ونبذ كل ما هو نقيض لها، وامنحنا القوّة في مقاومة التجارب والانتصار عليها، فنبقى أبناء أمناء لك على مثال ابنك الذي كان امينا وهو “مسمّرٌ على الصليب” ونحيا بكل كلمة تخرج ن فم الله. آمين”.
قصة
هناك قصة من العهد القديم تشرح فكرة التجارب. فقد جاء يوشافاط كملك قديس على يهوذا، فأثارت قداسته ثائرة إبليس فأهاج الأعداء ضده واجتمع عليه جيش عظيم. إذًا سمح الله بتجربة هذا الملك القديس. فماذا فعل يوشافاط؟ نجده يصلي ويسبح ويصرخ لله، ونجد الله يتدخل ويزيل العدو من أمامه، ويعود يوشافاط وشعبه ومعهم غنائم كثيرة، عادوا أعظم من منتصرين (2 اخبار الأيام 1:20-30)؛ لم ينتصر يهوشفاط فقط بل عاد وشعبه ومعهم غنائم. والمسيح أتى ليفتتح ملكوت الله في صميم العالم وهذا معناه اقتحام سلطة الشيطان رئيس هذا العالم ونهب داره أولًا، داره الذي سلَّحه بأسلحة الخطيئة المتعددة من شهوات وملذات العالم (متى 28:12-29).
