“توبوا، قدِ قَربَ مَلكوتُ السَّموات” (متّى 3: 2)
الأب بيتر مدروس
يجب أن نتذكّر سيّدتنا مريم العذراء والقديس يوسف، إذ قاما بأدوار التضحية والبطولة في إعدادهما وانتظارهما لولادة سيّدنا يسوع المسيح، بمشاعر يختلط فيها الفرح بالمفاجئة والدراما. وتقدّم لنا الليتورجيا يوحنّا المعمدان سابق المسيح، و”واعظ التوبة” (كما يصفه المؤرخ فلافيوس يوسيفوس في كتاباته). خلافاً لاسمه المُفعَم “بالحنان” لم يكن يوحنّا المعمدان حنّاناً ولا متساهلاً مع الحشد الكبير والشخصيات العظيمة في المجتمعات الرومانية واليهودية. لقد استعمل يوحنّا لغة غير مقبولة اليوم لدى الناس، واصفاً ايّاهم بأولاد الأفاعي. لا يسمح أيّ واعظ لنفسه أن يستعمل ذلك الأسلوب في الوعظ والكلام، ليس فقط لحساسيّة الناس في هذه الأيام، ورفضهم حتّى كلّ نقد بنّاء وموضوعي، بل أيضاً لأنّ ضعف الواعظ البشريّ يُجرّده من الأهليّة ويعرّضه للنقد.
يُعرَف يوحنا المعمدان باسم ” يحيى ” باللغة العربية، عن طريق حذف الواو والنون فتصبح “يحا”، ثمّ اضافة الياء بدل النون المحذوفة فتصبح “يحيا”. أوعن طريق تأثير اللغة العبرية יחיה (يحيه) – وعظ يوحنا المعمدان: يوحنّا المعمدان كان يعظ في البريّة وجميع الكورة المحيطة بالاردن. هذه منطقة نعرفها جيداً ولكنّنا نعلم أنّها منطقة محظورة لأسباب “أمنيّة”. لذلك يُعَدّ عبور نهر الأردن والعودة إلى فلسطين مشقّة لا نهاية لها على المواطن الفلسطيني المسكين …
هذه هي الصحراء مع تربتها القاحلة، وتعاني بلادنا هذا العام من الجفاف الشديد، وهناك نداء يدعو الناس إلى التوبة وخاصة الصوم من أجل رفع طلبات نعمة المطر. في العربية، كلمة “غيث” تعني المطر وتعني أيضا ” العون، والسّند، ” غوث “. لنلتجيء الى التوبة والصلاة، ولننقل أنفسنا روحانيّاً الى بريّة العلاقة الحميمة مع الله، والإماتة (لقد أضحت هذه الكلمة والممارسة خارجة عن “موضة” العصر)، مع أنّها لا تدعو المؤمن للذهاب الى أكل الجراد والعسل البري !
“ملكوت السموات قريب!” مع قليل من المخيّلة والجرأة كان بإمكان المعمدان القول: “مَلِك السموات قريب”. استهلّ وصفه للمسيح بقوله: “هوذا حمل الله”! الخروف – الملك هو واقع هامّ ويحمل مفهوماً عزيزاً لدى يوحنّا الرسول اللاهوتي الذي كتب سفر الرؤيا مؤكّداً أنّ الخروف الذي ذبح في وسط العرش! (سفر الرؤيا 7: 15 و 17).
القديس يوحنا المعمدان كبير بزهده وبلاغته. في الواقع انّه يتلاعب بالألفاظ بشكل جريء يحمل معانٍ عظيمة حين قال: “لا يَخطُرْ لَكم أَن تُعلِّلوا النَّفْسَ فتَقولوا ((إِنَّ أبانا هوَ إِبراهيم )). فإِنَّي أَقولُ لَكم إِنَّ اللهَ قادِرٌ على أَن يُخرِجَ مِن هذهِ الحِجارةِ (الآراميّة: أبانين) أَبناءً (الآراميّة: بانين) لإِبراهيم.
درس أخلاقي بالنسبة لنا: لا يجدينا نفعاً غرورنا وتباهينا بأنّنا ننتمي الى الشعب المختار والمميّز. هنالك بعض المتخصّصين في مثل هذه المفاخرة إذ يقولون: “أبونا ، أنا من الطايفة “. لكنّنا نراهم فقط في المناسبات الرسميّة ولدى الاحتياج والضرورة عندهم!
لقد أحبّنا السيّد المسيح لذلك “فلنُثمر ثمار التوبة”، دون لفت الانتباه إلى الامتيازات بل الاعتراف بذنوبنا رافعين صلوات الشكر والامتنان الى المسيح له المجد الذي أحبّنا وأنار عقولنا وقلوبنا!