حمل الصليب (متى 10: 37-42)
الأب لويس حزبون
يُسلط إنجيل الاحد الأضواء على توصيات يسوع لتلاميذه في حمل الصليب، وحمل الصليب هو رمز للحرب الداخلية التي يتوجب على تلميذ المسيح ان يخوضها في شهادته أمام العالم (متى 10: 37-42). فحمل الصليب شرط أساسي لكل تلميذ اتَّخذ المسيح معلما للحياة. ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الانجيلي (متى 10: 37-42)
37 ((مَن كانَ أَبوه أو أُمُّه أَحَبَّ إِلَيه مِنّي، فلَيسَ أَهْلاً لي. ومَن كانَ ابنُه أَوِ ابنَتُه أَحَبَّ إِلَيه مِنّي، فلَيسَ أَهْلاً لي.
عبارة ” أَحَبَّ ” في اليونانية φιλέω, معناها محبة الاهل وصلات القرابة ، وهي تشير الى من فضَّل اباه او أمه على المسيح، كما جاء في نص انجيل لوقا الموازي “لَم يُفَضِّلْني على أَبيهِ وأُمِّهِ” وفي اليونانية οὐ μισεῖ τὸν πατέρα ἑαυτοῦ καὶ τὴν μητέρα “لم يُبغض ” ويعني هذا الفعل هنا ” كان اقل حبّاً”. علما ان لغة العهد القديم لا تعرف أفعال التفضيل (التكوين 29: 31). وبالتالي قد تصبح هذه المحبة عقبة في طريق الذين يريدون ان يسيروا وراء يسوع؛ اما للدلالة على المحبة لله وللقريب فيستخدم إنجيل متى فعل “ἀγαπάω” (متى 5: 43، 19: 19 و22: 37-39). أما عبارة “مَن كانَ أَبوه أو أُمُّه أَحَبَّ ” فتشير الى وصية من وصايا الله العشر التي تقضي بما للوالدين من حقوق على الأولاد (لوقا 18: 20، خروج 20: 12). ومن الواضح ان هذه الآية لا تجيز لنا إهمال واجبنا تجاه والدينا، بل قد ركز يسوع في أكثر من مرَّة على ان محبة الوالدين واجب (مرقس 7: 11)، ولكن ما تعنيه هذه الآية هو ضرورة اتخاذ قرارات في حياتنا بحيث نختار فيها الله، لان إتباع يسوع والايمان به يمكن ان يثير في بعض الأحيان مقاومة من هم قريبون منا، وهنا يطلب منا يسوع تفضيله على غيره. فحب المسيح يمر حتى قبل حب الأبناء الى والديهم. فمحبة الله تأتي في الدرجة الأولى ومحبة الوالدين ورباط الدم والاسرة تأتي في الدرجة الثانية. بمعنى على الانسان ان يحب أوّلاً الرّبّ يسوع المسيح! وفي الرّبّ يسوع المسيح، يتمكن ان يحبّ الوالدين والاهل والآخرين؛ ومن دون المسيح يحبّ المرء نفسه في الآخرين؛ ولا يحبّ الآخرين لذواتهم، تبدأ المحبة عموديًّا بين الإنسان وربّه؛ ومن ثمّ، تنزل، بالله، إلى الآخرين. كما هو التّعبير المستعمَل في كنيستنا، نحن نحبّ الآخرين في المسيح؛ امَّا عبارة “لَيسَ أَهْلاً لي” ” فتشير الى انه لا يستحق ان يتبعني. إنّ يسوع لا يريد في هذه الآية أن يُلغي الوصيّة الرابعة انما يؤكّد على أولويّة الإيمان بالله، دعوة الى محبة الله فوق محبة العائلة وان نحب العائلة من خلاله تعالى.
38ومَن لم يَحمِلْ صَليبَه ويَتبَعْني، فلَيسَ أَهْلاً لي.
تشير عبارة “مَن لم يَحمِلْ صَليبَه ” الى ذكرى للصليب الاولى في الانجيل، وفيها إشارة الى نبوءة بصلب المسيح؛ كانت العادة للمحكوم عليه عند الرومان ان يحمل صليبه الى مكان الإعدام. وهذه الكلمات انذار للرسل انَّ رسالتهم الاضطهاد. لفظة الصليب هنا مجازيّة، وتعني الألم بسبب الإيمان بالمسيح والذّل والعار والموت العنيف. اما حمل الصليب فهو إشارة الى الزهد في النفس والتجرد وتعريض حياة التلميذ للخطر في سبيل يسوع والبشارة. فحمل الصليب يعني قبول ما ينبغي ان يتحمله التلميذ كوسيلة للتضحية بشخصه حتى الموت، فهو ليس حمل الضيقات والاتعاب فحسب بل أيضا الموت ايضا. فحمل الصليب تعني احتمال الألم برضى وبدون تذمر، وحمل الصليب هو أيضاً قبول تقديم الجسد كذبيحة حية ” إِنِّي أُناشِدُكم إِذًا، أَيُّها الإِخوَة، بِحَنانِ اللّهِ أَن تُقَرِّبوا أَشْخاصَكم ذَبيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسةً مَرْضِيَّةً عِندَ الله. فهذِه هي عِبادَتُكمُ الرّوحِيَّة” (رومة 1:12). وعليه فإن حمل الصليب هو شرط من شروط إتِّباع الرب. فنتيجة اتباع المسيح يتقبل التلميذ كل نتائج الطاعة، ويتحمل كل العواقب حتى النهاية. وهذه الكلمات تمثل أساس تعليم بولس الرسول عن إتحاده المؤمن بصليب المسيح “فما أَنا أَحْيا بَعدَ ذلِك، بلِ المسيحُ يَحْيا فِيَّ. وإِذا كُنتُ أَحْيا الآنَ حَياةً بَشَرِيَّة، فإِنِّي أَحْياها في الإِيمانِ بِابنِ اللهِ الَّذي أَحبَّني وجادَ بِنَفْسِه مِن أًجْلي (غلاطية 2: 20). والعجيب أن من يقبل الصليب يملأه الله فرحاً على الأرض كما حدث مع الرسل الاوائل ” دَعَوا الرُّسُلَ فضَرَبوهم بِالعِصِيّ ونَهَوهُم عنِ الكَلامِ على اسمِ يسوع، ثُمَّ أَخلَوا سَبيلَهم. أَمَّا هَم فانصَرَفوا مِنَ المَجلِسِ فَرِحين بِأَنَّهم وُجِدوا أَهلاً لأَن يُهانوا مِن أَجْلِ الاسْم ” (اعمال الرسل 5: 40-41)، ومن يقبل الصليب ينال أيضا مجداً في السماء كما جاء في تعليم بولس الرسول ” لأَنَّنا، إِذا شارَكْناه في آلامِه، نُشارِكُه في مَجْدِه أَيضًا” (رومة (8: 17).
39مَن حَفِظَ حياتَه يَفقِدُها، ومَن فَقَدَ حَياتَه في سبيلي يَحفَظُها.
عبارة ” حَفِظَ ” في اليونانية ὁ εὑρὼν معناها ” من وجد” وهي تشير الى ما ورد في موضع آخر في الانجيل “الَّذي يَفقِدُ حَياتَهُ في سبيلي فإِنَّه يَجِدُها ” (متى 16: 25). امَّا عبارة ” الحياة ” في اليونانية ψυχὴν ومعناها النفس كمرادف للعبرية ” נַפְשׁ” التي تعني الشخص او الذات فتشير الى الحياة الطبيعية او حياة الذات بالمقابلة مع الحياة الروحية (العبرانيين 4: 12). ان النفس هي مركز العواطف والرغبات، وفي كل الكتاب المقدس يعتبر الاكل والشرب من وظائف النفس؛ اما عبارة “حَفِظَ حياتَه” فتشير الى امتلاك الحياة والاحتفاظ بها لذاته بشكل أناني او الربح او الحصول على شيء من الحياة لنفسه، فمن يتصور أنه يخلص نفسه بإنكاره إيمانه بيسوع وحمل صليبه فهو في الحقيقة يضيِّع نفسه ويخسرها. فنحن إذا رفضنا صليب أتعابنا وآلامنا، ففي ذلك خسارة لحياتنا الأبدية وربحًا للأرضيات الزمنية أو الفانية؛ اما عبارة ” ومَن فَقَدَ حَياتَه في سبيلي يَحفَظُها ” فتشير الى موقف التلميذ تجاه نفسه هو موقف نكران الذات وتخطي الذات بحيث يصبح المسيح مركز حياته في مواصلة عمل يسوع بإعلان البشارة (مرقس 1: 1)، وهذه البشارة قد تحمل التلميذ على التضحية بحياته، كما ان رسالة يسوع بلغت به الى الصليب، سبيل البشارة. اما عبارة ” في سبيلي ” فتشير الى الالتزام القائم على العلاقة التي تربط بين التلميذ ومعلمه. وقد تكررت ثلاث مرات في الفصل العاشر (متى 10: 18، 21، 39)؛ اما عبارة “يَحفَظُها” في اليونانية εὑρήσει أي يجدها في الحياة الأخرى في العالم الآتي، وهذه الحياة الأبدية هي اوفر من الحياة الأرضية كما وعد يسوع ” أَتَيتُ لِتَكونَ الحَياةُ لِلنَّاس وتَفيضَ فيهِم” (يوحنا 10: 11). فالحياة التي نضحي بها في خدمة الرب في هذا العالم نجدها في الحياة الأبدية. تعرض هذه الآية نفس الحقيقة من وجهها السلبي والايجابي. فالتمسك بهذه الحياة يجعلنا نخسر المسيح، وعدم التمسك بهذه الحياة واطماعها يُحرِّرنا لكي نتبع المسيح “لأَنَّ الَّذي يُريدُ أَن يُخَلِّصَ حَياتَه يَفقِدُها، وأَمَّا الَّذي يَفقِدُ حَياتَهُ في سبيلي فإِنَّه يَجِدُها” (متى 16: 25). فالشهادة للمسيح تتطلب بذل النفس في سبيل شخص المسيح ونيل الحياة الابدية.
40مَن قَبِلَكم قَبِلَني أَنا، ومَن قَبِلَني قَبِلَ الَّذي أَرسَلَني.
لا تشير عبارة “قَبِلَكم” الى الترحيب بالضَيف فحسب إنما قبول الآخر والانفتاح على الآخر، والأكثر من ذلك هو الاصغاء والخضوع لكلمة يسوع ورسله. اما عبارة ” ومَن قَبِلَني قَبِلَ الَّذي أَرسَلَني “فتشير الى المساواة بين المُرسِل والمُرسَل، بين الرسول ومُرسله، وكانت هذه المساواة أمرا مألوفا في الدين اليهودي. وإذا كان الرسول يساوي مُرسله، فليس ذلك نظراً لشخصيته، بل بحكم المهمة او الوظيفة او الرسالة التي أوكلت اليه من قِبل يسوع، وعبر يسوع من قِبل الله. ليس يسوع وحده، إنما علاقته بالتلاميذ تجعل الذين يقبلونه، يقبلون الابن، والذين يقبلون الآبن يقبلون الآب. وحين يستقبل الناس الرسل، فهم لا يقومون فقط بواجبات الضيافة (العبرانيين 13: 2)، بل يُظهرون خضوعهم لكلمة يسوع التي يحملها الرسل. فقبول الرسول أو التلميذ هو قبول المسيح بالذات، وهو قبول الله الآب الذي أرسله، ويضيف لوقا” مَن قَبِلَ هذا الطِّفلَ إِكراماً لِاسْمي فَقَد قَبِلَني أَنا، ومَن قَبِلني قَبِلَ الَّذي أَرسَلَني” (لوقا 9: 48). وقبول الآخر هو وجه المحبة المُشرق.
41مَن قَبِلَ نَبِيّاً لأَنَّه نَبيٌّ فَأَجرَ نَبِيٍّ يَنال، ومَن قَبِلَ صِدِّيقاً لأَنَّه صِدِّيقٌ فَأَجرَ صِدِّيقٍ يَنال
عبارة “لأَنَّه نَبيٌّ” في اليونانية εἰς ὄνομα معناه باسم نبي وتشير الى صفة نبيٍ. الأنبياء وهم الذين يتحلّون بمسؤولية ما في الجماعة، اما عبارة ” فَأَجرَ نَبِيٍّ” فتشير الى المكافأة المستحقة من اجل قبول نبي؛ اما عبارة “صِدِّيقٌ” فتشير الى البار، والابرار وهم الذين تشكل حياتهم البارة مثالا يُعرض للآخرين؛ اما عبارة “النبي والبار” فتشير الى كرامة النبي والبار التي هي كرامة الرسول. وقد اعتبرت الجماعات المسيحية سلطة التلاميذ في خط الأنبياء والابرار كما جاء على لسان يسوع المسيح ” الحَقَّ أَقولُ لَكم إِنَّ كثيراً مِنَ الأَنبِياءِ والصِدِّيقينَ تَمَنَّوا أَن يَرَوا ما تُبصِرونَ فلَم يَرَوا، وأَن يَسمَعوا ما تَسمَعونَ فلَم يَسمَعوا” (13: 17). فالتلاميذ بعد ان دعاهم يسوع، هم مدعوون الآن الى قبول الأنبياء والابرار (متى 18: 5).
42ومَن سَقى أَحَدَ هَؤلاءِ الصِّغارِ، وَلَو كَأسَ ماءٍ باردٍ لأَنَّه تِلميذ، فالحَقَّ أَقولُ لَكم إِنَّ أَجرَه لن يَضيع)).
تشير عبارة ” هَؤلاءِ الصِّغارِ ” الى الرسل خاصة المسيح كما ورد في انجيل مرقس “مَن سقاكُم كَأسَ ماءٍ على أَنَّكم لِلمَسيح، فالحَقَّ أَقولُ لكم إِنَّ أَجرَه لَن يَضيع” (مرقس 9: 41) او الى جميع التلاميذ لأنهم شهود لملكوت الله او التلاميذ الضعفاء الذين هم اشد التلاميذ حرمانا وعوزا بسبب الاضطهاد “إِيَّاكُم أَن تَحتَقِروا أَحَداً مِن هؤلاءِ الصِّغار. أَقولُ لكم إِنَّ ملائكتَهم في السَّمَواتِ يُشاهِدونَ أَبَداً وَجهَ أَبي الَّذي في السَّمَوات” (متى 18: 10). وقد ذكر يسوع ثلاثة أنواع من الأعضاء في الجماعة: الأنبياء وهم الذين يتحلّون بمسؤولية ما في الجماعة، ثم الابرار وهم الذين تشكل حياتهم البارة مثالا يُعرض للآخرين وأخيرا الصغار وهم من لا مسؤولية لهم في الجماعة.
ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 10: 37-42)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (متى 10: 37-42)، نستنتج انه يتمحور حول حمل الصليب. ومن هنا نتساءل: ما معنى حمل يسوع صليبه؟ وما معنى حمل تلميذ المسيح صليبه؟
1) ما معنى حمل يسوع صليبه؟
نحن نعلم ان يسوع مات مصلوباً، فأصبح الصليب، أحد الأركان الأساسية التي تساعد على تذكيرنا بخلاصنا، فلم يعُد عاراً، بل أداة للفداء، وأصبح مطلباً وعنواناً للمجد، للمسيح أولاً ثم للمسيحيين من بعده.
لقد أكّد يسوع على ضرورة الصليب تحقيقاً لطاعة مشيئة الآب كما جاء في انجيل متى “بَدأَ يسوعُ مِن ذلِكَ الحينِ يُظهِرُ لِتَلاميذِه أَنَّه يَجِبُ علَيهِ أَن يَذهَبَ إِلى أُورَشَليم ويُعانِيَ آلاماً شَديدة مِنَ الشُّيوخِ وعُظَماءِ الكَهَنَةِ والكَتَبَة ويُقتَلَ ويقومَ في اليومِ الثَّالث “(متى 16: 21). ثم أوضح المسيح القائم لتلميذي عماوس ان تحمّل آلام صليبه لتتميم ما ورد في الكتب المقدسة ” أَما كانَ يَجِبُ على المَسيحِ أَن يُعانِيَ تِلكَ الآلام فيَدخُلَ في مَجدِه؟ فبَدأَ مِن مُوسى وجَميعِ الأَنبِياء يُفَسِّرُ لَهما جميعِ الكُتُبِ ما يَختَصُّ بِه ” (لوقا 24: 25 -26).
وأما بعد العنصرة أعلن التلاميذ بدورهم عن ضرورة الصليب كتتميم ما كتب عن مصير المسيح ” أَتَمُّوا كُلَّ ما كُتِبَ في شأنِه، أَنزَلوه عنِ الخَشَبَة ووَضَعوهُ في القَبر (أعمال 13: 29)، المسيح قد صلب (أعمال 2: 23، 4: 10)، و”علق على خشبة” (اعمال الرسل 5: 30)، وقد تلقَى بولس عن التقليد الأصلي أن ” سَلَّمتُ إِلَيكم قبلَ كُلِّ شيَءٍ ما تَسَلَّمتُه أَنا أَيضًا، وهو أَنَّ المسيحَ ماتَ مِن أَجْلِ خَطايانا كما وَرَدَ في الكُتُب” (1 قورنتس 15: 3).
ولماذا الصليب؟ لأن يسوع يأخذ على عاتقه الشرّ والرّجاسة وخطيئة العالم، وكذلك خطيئتَنا، ويغسلها بدمه وبرحمته وبمحبة الله. المحبّة الحقّ هي صليب، بكلّ معنى الكلمة! فكان على يسوع أن يبذل نفسه من أجل مَن يحبّ؛ هذا هو الخير الذي يمنحنا إياه يسوع من على الصليب. وعندما نعانق صليب المسيح بفرح، فهو يحملنا إلى الفرح، بأننا خُلّصنا وبأننا نشاركه بما فعله عندما مات من أجلنا كما يقول البابا فرنسيس” أن صليب المسيح هو خشبة تحدثنا عن المحبة والرحمة والغفران”.
2) ما معنى حمل التلميذ صليبه؟
إن صليب يسوع يوحّد بين مصير التلميذ ومصير المعلم. “مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صليبَه ويَتبَعْني ” (متى 16: 24). ويتطلب حمل الصليب الاستسلام الكامل لله والاستعداد الكامل لمواجهة أي شيء حتى الالم والموت من اجل يسوع المسيح بحيث يكون هو مركز حياتنا. “من حَفِظَ حياتَه يَفقِدُها، ومَن فَقَدَ حَياتَه في سبيلي يَحفَظُها (متى 10: 39). فالتمسك بهذه الحياة يجعلنا ان نخسر المسيح، وعدم التمسك بهذه الحياة واطماعها يُحرِّرنا لكي نتبع المسيح ونرث الحياة الأبدية (متى 16: 25). فالصليب علامة موت التلميذ عن ذاته وعن العالم وعن علاقاته الطبيعية.
ا) حمل الصليب الزهد عن الذات:
ينبغي للتلميذ ان يموت في ذاته. “مَن لم يَحمِلْ صَليبَه ويَتبَعْني، فلَيسَ أَهْلاً لي” (متى 10 38). من اعتمد يصبح مسيحيا، والمسيحي يصبح تلميذا للمسيح عندما يتخذ المسيح معلما للحياة. والتلميذ لا يكون تلميذ للمسيح بشهادة العماد بل بشهادة الحياة. فالتقرّب من الله، لا يتمّ ذلك بالتمسّك والتشبّث بالذات بل بالزهد والتخلّي، والترك، الخلع “اِخلَعْ نَعلَيكَ مِن رِجلَيكَ” (خروج 3: 5). ويصل الزهد ذروته بالتخلي عن الذات ووضعها بين يديّ الله ” يا أَبَتِ، في يَدَيكَ أَجعَلُ رُوحي”(لوقا 23: 46). فالصّليب هو علامة الإيمان الحيّ الحقيقيّ. الإيمان هو التّسليم الكامل إلى الله: أن يُسلم الإنسانُ نفسه وحياته وكلّ ما له إلى الله.
يبدا التلميذ في تحقيق الزهد بالنفس عندما يطرح عنه كل الهموم والأولويات الأخرى ويحمل الصليب ويتبع المسيح. وهذا ما عبّر عنه بولس الرسول وطبَّقه على نفسه، فهو بالرغم من آلام جسده الرهيبة كان يقمع جسده ويستعبده ” أقَمَعُ جَسَدي وأُعامِلُه بِشِدَّة، مَخافةَ أَن أَكونَ مَرفوضًا بَعدَ ما بَشَّرتُ الآخَرين ” (1 قورنتس 9: 27).
ومن يعانق الصليب بسخاء يتحوَّل ألمه إلى مصدر فرح ويثمر ثمار الخصوبة الرعوية كما يقول البابا فرنسيس “الخصوبة الرعوية، خصوبة إعلان الإنجيل لا ننالها استنادًا للنجاح أو الفشل بحسب المعايير البشريّة، وإنما بالتمثُّل بمنطق صليب يسوع أي بمنطق الخروج من الذات وبذلها أي منطق الحب”، ” والمحبة لا تَسْعى إِلى مَنفَعَتِها ” كما جاء في تعليم بولس الرسول (1قورنتس 13: 5) وهذا ما اختبره بولس الرسول ” أَمَّا أَنا فمَعاذَ اللهِ أَن أَفتَخِرَ إِلاَّ بِصَليبِ رَبِّنا يسوعَ المسيح! وفيه أَصبَحَ العالَمُ مَصْلوبًا عِنْدي، وأَصبَحتُ أَنا مَصْلوبًا عِندَ العالَم”(غلاطية 6: 14).
ويزهد التلميذ عن الذات عندما يصير على مثال يسوع متواضعاً ومطيعاً حتى الموت على الصليب كما جاء في تعليم بولس الرسول “فلْيَكُنْ فيما بَينَكُمُ الشُّعورُ الَّذي هو أَيضاً في المَسيحِ يَسوع. هو الَّذي في صُورةِ الله لم يَعُدَّ مُساواتَه للهِ غَنيمَة بل تَجرَّدَ مِن ذاتِه مُتَّخِذًا صُورةَ العَبْد وصارَ على مِثالِ البَشَر وظَهَرَ في هَيئَةِ إِنْسان فَوضَعَ نَفْسَه وأَطاعَ حَتَّى المَوت مَوتِ الصَّليب” (فيلبي 2: 5 -8). ووقد صف البابا فرنسيس صورة تلميذ المسيح: “إنه متواضع وفقير، لا يتعلّق بالثروات والسلطة وبالأخص ليس متعلقا بنفسه”. إن تلميذ المسيح هو المرسل أختار عطاء الذات لربّه.
ويزهد التلميذ عن الذات أيضا عندما يقبل وضعه كمُضَّطهد “وإِذا طارَدوكم في مدينةٍ فاهرُبوا إِلى غَيرِها. الحَقَّ أَقولُ لكم: لن تُنُهوا التَّجْوالَ في مُدُنِ إِسرائيل حتَّى يأتيَ ابنُ الإِنسان. مِن تِلميذٍ أَسمَى مِن مُعَلِّمِه، وما مِن خادِمٍ أَسمَى مِن سَيِّدِه ” (متى 10: 23-24). ويعلق البابا فرنسيس “المسيحي ليس مُضطَهِدًا بل مُضطَهَدًا.” كما وصف يسوع “ما كانَ الخادِمُ أَعظمَ مِن سَيِّده. إِذا اضطَهَدوني فسَيَضطَهِدونَكم أَيضاً” (يوحنا 15: 20).
ب) حمل الصليب الزهد عن الدنيا
إن الصليب الذي ينبغي تلميذ المسيح ان يحمله هو ليس علامة على أنه يزهد بنفسه فحسب، إنما يزهد في الدنيا أيضا؛ لا نقصد بكلمة الزهد هنا أن نتخلّى عن العادات السيّئة والخطايا والميول المنحرفة والخبرات غير الأخلاقية والاجهاض والطلاق والبُغض والعنف والسرقة… فالتخلّي عن هذه الأمور بديهيّة تعلنها جميع الديانات، إنما المقصود هو التخلّي عمّا هو غالٍ ونفيسٍ من الأرضيّات التي يملكها التلميذ، ما هو عزيز على قلبه منها، ما هو متعلّق به شديد التعلّق. يتوجّب علي تلميذ المسيح أن يكون فقيراّ وغير متمسك بالمال كي تظهر فيه قوة الرب.
التخلّي عن كلّ خيرٍ خارجيّ أو داخليّ صليب مؤلم، وهو أكثر إيلامًا كلّما كان التعلّق أشدّ وأقوى. إن صليب المسيح يفصل بين عالمي الجسد والروح، لأن التلميذ هو ذاته قد صُلب مع المسيح في المعمودية، إلى حد أنه قد مات ليحيا لله (غلاطية 2: 19)، ولم يعد له أي تعلق بالعالم “أَمَّا أَنا فمَعاذَ اللهِ أَن أَفتَخِرَ إِلاَّ بِصَليبِ رَبِّنا يسوعَ المسيح! وفيه أَصبَحَ العالَمُ مَصْلوبًا عِنْدي، وأَصبَحتُ أَنا مَصْلوبًا عِندَ العالَم “(غلاطية 6: 14). ومن ثم فإنه يضع ثقته في قوة المسيح وحدها.
فحمل الصليب يتطلب ترك ملذات العالم. فالمسيح لا يطالب تلميذه ان يكون عالما، بل أن يعيش الانجيل ويعتبر متاع الحياة ثمنا قليلا لملكوت الله، إنَّ تلميذ المسيح هو من يتمكن من القول مع بولس الرسول ” فما أَنا أَحْيا بَعدَ ذلِك، بلِ المسيحُ يَحْيا فِيَّ” (غلاطية 2: 20)، ومن قدم جسده ذبيحة حيَّه، وقد صلب أهوائه مع شهواته كما جاء في تعليم بولس الرسول “إِنِّي أُناشِدُكم إِذًا، أَيُّها الإِخوَة، بِحَنانِ اللّهِ أَن تُقَرِّبوا أَشْخاصَكم ذَبيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسةً مَرْضِيَّةً عِندَ الله. فهذِه هي عِبادَتُكمُ الرّوحِيَّة” (رومة 12: 1). ونتيجة لذلك ينال تعزيات في الأرض وأمجاد السماوات وهذا ما اكّده السيد المسيح بقوله “مَن فَقَدَ حَياتَه في سبيلي يَحفَظُها” (متى 10: 39)؛ فمن يقبل هذا الصليب تكون له حياة، والمسيح يحيا فيه. واما من يتصور أنه يجد حياته في ملذات العالم ناسياً إلهه فهو بهذا يضيع حياته الأبدية كما قال يسوع ” مَن حَفِظَ حياتَه يَفقِدُها ” (متى 10: 39). “ماذا يَنفَعُ الإِنسانَ لو رَبِحَ العالَمَ كُلَّه وخَسِرَ نَفسَه؟ “(متى 16: 26).
ج) حمل الصليب الزهد عن العلاقات الطبيعية
من تعمّد أصبح مسيحيا، والمسيحي يصبح تلميذا للمسيح عندما يتخذ المسيح معلما لحياته. والمسيحي لا يكون تلميذا بشهادة العماد بل بشهادة الحياة، وشهادة الحياة هي الالتزام. والالتزام يستلزم قراراً، والقرار هو أن يحب التلميذ الرب من كل قلبه بحيث يفضِّله عن الآباء والأبناء. والقرار هنا قد يفرِّق بين الأصدقاء والاحباء حيث ان البعض يتبعون يسوع، والبعض الآخر لن يتبعوه. فلا بد ان ينشب الصراع. يحذر يسوع تلاميذه من أن اتباعه سيخلق انقسامات وسوء فهم في مجالات عديدة من الحياة وحتى داخل حدود العائلة ذاتها، فعلى سبيل المثال كان المؤمن معرضًا في أيام الاستشهاد لأن يُقتل، فتأتى أمه تستعطفه ليترك الإيمان من أجل خاطرها، فيتركوه يحيا. لكن بهذا يصير حبه لأمه أكثر من حبه للمسيح، إذ أنكر المسيح، وبهذا صار لا يستحقه. فشهادة الحياة تتطلب حمل الصليب ونتبعه، وان ننفصل عن الآخرين، لا يعني ذلك ان نهمل العائلة لكن يجب الا نهمل دعوتنا العليا، بل أن نضع الأولوية المطلقة لله “مَن كانَ أَبوه أو أُمُّه أَحَبَّ إِلَيه مِنّي، فلَيسَ أَهْلاً لي. ومَن كانَ ابنُه أَوِ ابنَتُه أَحَبَّ إِلَيه مِنّي، فلَيسَ أَهْلاً لي. ومَن لم يَحمِلْ صَليبَه ويَتبَعْني، فلَيسَ أَهْلاً لي. (متى 10: 37). ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم ” إن أحببنا الرب من كل القلب يجدر بنا ألا نفضِّل عنه حتى الآباء والأبناء”. حقًا إن الله الذي أوصانا بالحب، بل جاء إلينا لكي يهبنا طبيعة الحب نحوه ونحو الناس حتى الأعداء، ولا يقبل أن نحب أحدًا حتى حياتنا الزمنيّة هنا إلا من خلاله. غير مطلوب منا أن نتخلى عن محبتنا للعائلة بل أن تستنير محبتنا هذه بمحبة المسيح التي هي مصر محبة العائلة وتعطيها معنى أسمى. إن حبنا للمسيح يمكّننا من حبّ العائلة بكل أمانة وإخلاص وتضحية.
أجل! يدعونا المسيح الى محبة العائلة، وهي وصية من وصايا الله “أَكرِمْ أَباكَ وأُمَّكَ” (متى 15: 4)، ولكن هذه المحبة يمكن ان تكون عائقا في محبة الله وخدمته تعالى، عندئذ العلاقة مع يسوع تُلغي العلاقة مع الوالدين ومع الأولاد. ويعلق القديس ايرونيموس “يأمرنا الكتاب المقدّس بطاعة والدينا. نعم، ولكن من يحبّهم أكثر من المسيح يخسر نفسه.
يسوع هو ” الغيور ” كما كان الله مع شعبه ” أَنا الَرَّبُّ إِلهُكَ إِلهٌ غَيور” (خروج 20: 5)، الذي لا يريد ان يقاسمه أحد المكانة التي له في قلب التلاميذ. ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم ” الله الذي يحبّنا كثيرًا جدًا يريد أن يكون محبوباً منّا”. ولكن حين يستعدَّ التلميذ ان يخسر كل شيء من اجل المسيح، عندئذ يربح كل شيء. وعليه يتوجب كل على إنسان ان يختار حتى بين أقرب المقرّبين اليه واعزّهم، وبين المسيح (متى 15: 4). يسوع هو الأول. لذا على باقي الأمور أن تترتب وفقا لهذا الاختيار. فالقضية هي قضية اختيار. يتوجب على التلميذ أن يختار المسيح.
3) مكافأة على حمل الصليب
من يقبل هذا الصليب تكون له حياة ويختبر ان الصليب منذ الآن طريق الفرح العظيم العميق؛ فالصليب هو علامة مجد التلميذ “مَن أَرادَ أَن يَخدُمَني، فَلْيَتْبَعْني وحَيثُ أَكونُ أَنا يَكونُ خادِمي ومَن خَدَمَني أَكرَمَهُ أَبي” (يوحنا 12: 26). وإكرام الله للتلاميذ ليس منحصرا في الحياة الأبدية بل أيضا في الحياة الحاضرة.
يُكرم الله تلاميذه ورسله، فيعتبرهم وكلاءه؛ وكل قبول لهم هو قبول له، وكل عطيّة تقدّم لهم، إنّما تقدّم له شخصيًا! “مَن قَبِلَكم قَبِلَني أَنا، ومَن قَبِلَني قَبِلَ الَّذي أَرسَلَني” (متى 10: 40) وهذا الاختيار او الالتزام يجب على التلميذ ان يقوم به أولا ثم يشجّع الآخرين على القيام به بحضوره وعمله. والغريب اننا كثيرا ما نخاف من الذي يعيّنه البشر، ولا نخاف ممن يعيّنه الله، فنحتقر من عيّنه الله ونذمّه ونهينه.
وتقاس محبتنا لله بكيفية معاملتنا للآخرين “مَن قَبِلَ نَبِيّاً لأَنَّه نَبيٌّ فَأَجرَ نَبِيٍّ يَنال، ومَن قَبِلَ صِدِّيقاً لأَنَّه صِدِّيقٌ فَأَجرَ صِدِّيقٍ يَنال” (متى 10: 41) والمثل الذي ذكره يسوع عن إعطاء كأس ماء بارد لأحد الصغار العطاش، “ومَن سَقى أَحَدَ هَؤلاءِ الصِّغارِ، وَلَو كَأسَ ماءٍ باردٍ لأَنَّه تِلميذ، فالحَقَّ أَقولُ لَكم إِنَّ أَجرَه لن يَضيع (متى 10: 42)، هو مثال طيب للخدمة الخالية من الانانية، فالطفل الصغير لا يمكنه عادة ان يردّ الجميل، وبالتالي فالعمل موجهاً لله.
وبكلمة أخرى. فالتلميذ هو من اختار ان يكون للمسيح وان يكون هو والمسيح واحدا. وان يكون المسيح فوق نفسه وأهله، وان يكون فوق النفس واهوائها والدنيا ومتاعها، وان يحمل وراء المسيح كل يوما صليبه وأن ويبذل في سبيله الحياة دونما ترددٍ او حياءٍ او تحفظٍ. وبالمقابل الرب يُكرم التلميذ في الدنيا والآخرة. وخلاصة القول يعلق البابا فرنسيس “المسيحية بدون الصليب هي مسيرة تنتهي في منتصف الطريق”.
خلاصة
بعد ان حدّث يسوع تلاميذه عن الجهاد في الشهادة له، وجّه يسوع انظارهم الى الحرب الداخلية التي تتمثل في حمل الصليب. فان التلميذ يواجه مقاومة في جسده وعاطفته حتى من أهل بيته. انها حرب عنيفة لأنها تتمُّ داخل النفس، ويثيرها العدو ليُقسم الانسان على نفسه، او داخل بيته لينقسم البيت على ذاته، فليس الأصدقاء يقفون ضد الانسان بل حتى الاقرباء والاهل. يطلب يسوع من تلاميذه محبة شاملة ومُطلقة، تفوق محبتهم لدى الاهل والقرابة. وهذا هو الشرط الوحيد الذي يجعلنا نستحق ان نكون من تلاميذه. الله يقدّم هنا اولويته على الجميع، ولا يسمح لاحد بدخول القلب الا من خلاله.
دعاء
أيها الآب السماوي، نطلب باسم ابنك يسوع المسيح، ان تمنحنا القوة كي نحبَّك فوق كل شيء ونحمل الصليب ونتبعك فنكون على مثال المسيح نوراً وبلسماً للجروح التي لا تحصى والتي تمزّق البشرية اليوم. فنفقد حياتنا في سبيلك على هذه الارض كي نحفظها للحياة الأبدية. آمين