رسالة يسوع في الجليل دعوة التلاميذ الأوَّلين (متى 4: 12-23)
الأب لويس حزبون
يقدّم انجيل الاحد (متى 4: 12-23) بداية رسالة يسوع في الجليل ودعوة التلاميذ الأوَّلين لحمل الرسالة. فموضوع الرسالة هي ملكوت السماوات والتوبة، وأمَّا شركاء يسوع في الرسالة فهم التلاميذ؛ ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص وتطبيقاته.
أولا وقائع النص الانجيلي (متى 4: 12-23)
12وبلَغَ يسوعَ خَبرُ اعتِقالِ يوحنَّا، فلَجأَ إِلى الجَليل.
تشير عبارة “اعتِقالِ يوحنَّا” الى أمر هيرودس أنتيباس بزج يوحنا المعمدان في السجن، لأنه وبّخه على فجوره، إذ اتخذ هيروديا زوجة أخيه فيلبس زوجة له (مرقس 6: 26). والجدير بالذكر ان المعنى الحرفي للفظة إعتِقالِ في اللغة اليونانية παρεδόθη معناها اعتُقل في صيغة المجهول للدلالة على عمل الله. فإن كان البشر هم الفاعلون في هذ المأساة، إلا ان الله هو الذي يستخرج الخير من الشر، ويوجّه كل شيء بحسب قصده؛ أمَّا عبارة” لَجأَ ” باليونانية ἀναχωρέω فتشير إلى انصراف يسوع أمام خطر يهدِّد حياته كما حدث مرات كثيرة: هروبه الى مصر لدى محاولة هيرودس قتله (متى 2: 14)، وانصرافه لدى تآمر الفريسيين لإهلاكه (متى 12: 15)، وانصرافه لدى سماعه استشهاد يوحنا المعمدان (متى 14: 13)، وهكذا ترك يسوع اليهودية، وذهب الى الجليل للابتعاد عن السلطة اليهودية المتمركزة في اورشليم في ظل الهيكل. فيسوع ترك الناصرة التي ترعرع فيها ليسكن مدينة أكثر أهمية وازدهارا من أجل إقامة علاقات حسن الجوار مع أناس آخرين يتقبلون رسالته؛ أما عبارة ” الجَليل ” في العبرية הַגָּלִיל” معناها دائرة او مقاطعة فتشير الى القسم الشمالي من بين الأقسام الثلاثة (الجليل، السامرة واليهودية) التي قُسِّمت اليها فلسطين في زمن المسيح في عصر الدولة الرومانية، والجليل منطقة جبلية خصبة تنمو فيها الحبوب وتُكتر فيها الجبال مثل جبل الكرمل وجلبوع (فقوع) وطابور. ويبلغ طول مقاطعة الجليل نحوه 15كم وعرضها 40 كم؛ وسكنها قديما أربعة أسباط، وهم يساكر وزبولون ونفتالي واشير. وكان يسوع يُعرف بانه “الجليلي” (متى 26: 69)، وفيها نشـأ وترعرع وخدم في حدودها الشرقية حول بحيرة طبرية في كورزين وبيت صيدا وكفرناحوم ونايين وقانا والناصرة. وكان معظم رسله من الجليل (متى 26: 73). وبعد الثورة اليهودية الأولى قُسِّمت الجليل الى قسمين، وهما الجليل الأعلى والجليل الأسفل. وباختصار، تشير الآية ان رسالة يسوع ارتبطت برسالة يوحنا المعمدان، فابتدأت رسالة يسوع ساعة انهت رسالة يوحنا، ولكنها تجاوزتها.
13ثُمَّ تَركَ النَّاصِرة وجاءَ كَفَرْناحوم على شاطِئِ البَحرِ في بِلادِ زَبولونَ ونَفْتالي فسَكَنَ فيها،
تشير عبارة” تَركَ” الى ان يسوع نبي الناصرة (متى 21: 11) ترك وطنه، لأنه اعتبر أنَّ لا أمل بتوبة أهل الناصرة بل وجد الرفض والمقاومة ؛ أمَّا عبارة ” النَّاصِرة ” اسم عبري נְּצֶרֶת معناه “القضيب” فتشير الى مدينة في الجليل (مرقس 1: 9) بل أكبر مدن منطقة الجليل، وتقع على جبل مرتفع (لوقا 4: 29) وتبعد نحو 39 كم الى الغرب من بحيرة طبرية، ولم يرد لها أي ذكر في العهد القديم ، اما في العهد الجديد فقد ورد ذكرها (29) مرَّة، وكانت مسقط راس يوسف ومريم (لوقا 2: 39)، وفيها نشأ المسيح وترعرع (لوقا 3: 16) وقضى فيها الثلاثين السنة الاولى من حياته (لوقا 3: 23)؛ وامَّا عبارة” كَفَرْناحوم ” وهو اسم عبري כְפַר־נַחוּם معناه قرية ناحوم فتشير الى مدينة تجارية ، محط القوافل التجارية من مصر الى العراق وسوريا ، فيه ملتقى الشعوب وهي تقع على الشاطئ الشمالي الغربي لبحيرة طبرية (متى 4: 13) وكفرناحوم كانت ايام المسيح من ولاية هيرودس انتيباس من عام 4 ق . م. وحتى عام 39 م. وكان يقطنها خليط من الوثنيين واليهود. وكانت مستعمرة رومانية ومركزا للجباية (مرقس 2: 1)، وإتخذها يسوع مركزا له فدعيت “مدينته” (متى 9: 1)، وشفى فيها حماة بطرس (متى 8: 5-13) وغيرها كثيرين مرضى المصابين بأمراض مختلفة (متى 8: 16)، وفيها دعا يسوع متى العشار (متى 9: 9-13)، ولم تُذكر في العهد القديم؛ أمَّا عبارة “شاطِئِ البَحرِ” فتشير الى بحيرة طبرية (لوقا 5: 1) او بحر الجليل (يوحنا 21: 1) والاسم القديم هو بحر كنّارة (عدد 34: 11) ثم بحيرة جنيسارت (لوقا 5: 1) وعلى شاطئ هذه البحيرة اختار يسوع أربعة من تلاميذه الصيادين الذين جعلهم صيادي الناس وهم بطرس واندراوس ويعقوب ويوحنا. وكانت تحيط بالبحيرة نحو ثلاثين مدينة للصيادين، اكبرها مدينة كفرناحوم. وبعد قيامته اجتمع يسوع بتلاميذه على شاطئ البحيرة. اما طول البحيرة من الشمال الى الجنوب فيبلغ نحو 20 كم وأقصى عرضه نحو 12كم ، وتنخفض عن سطح البحر المتوسط نحوه 09 م، ويصب فيها نهر الأردن من الشمال؛ اما عبارة ” زَبولونَ ” اسم عبري זְבֻלוּן معناه سكن فتشير الى أحد اسباط يعقوب وبلاده ، وهي المنطقة الواقعة في شمال فسطين والى الغرب من بحيرة طبرية (التكوين 49: 13)، وفي حدود زبولون جبل طابور، وأما عبارة “نَفْتالي” اسم عبري נַפְתָּלִי معناه مصارعتي وهو الابن السادس ليعقوب فتشير الى ارض خصبة كثيرة المياه والأشجار، يبلغ طولها نحو 81 كم ويحدها من الشرق بحيرة طبرية والأردن، ومن الغرب ارض سبط يساكر وزبولون واشير( يشوع 19: 34)، ومن مدنها رامة وحاصور وقادش ومجدل ايل وبيت شمس( يشوع 19: 36-38)، واما من مدنها في العهد الجديد فهي طبريا وكفرناحوم وكورزين.
14لِيَتِمَّ ما قيلَ على لِسانِ النَّبِيِّ أَشَعْيا:15 ((أَرضُ زَبولون وأَرضُ نَفْتالي طَريقُ البَحرِ، عِبرُ الأُردُنّ، جَليلُ الأُمَم.
تشير آية 14 الى اقتباس من سفر النبي اشعيا (اشعيا 8: 23-9:1) وذلك للدلالة على المعنى النبوي لخدمة يسوع الرسولية. اما عبارة “طَريقُ البَحر” فتشير الى أحد الطرق الرئيسية التي تربط مصر ببلاد الشام وبلاد الرافدين والأناضول. ويبدأ الطريق من القنطرة في مصر، ويتجه شرقا نحو رفح. من هناك يبدأ بمحاذاة الساحل الفلسطيني، إذ يمرّ بغزة، عسقلان، أسدود، ويافا إلى أن يتفرع في الطنطورة بالقرب من الخضيرة إلى طريقين، الأول يستمر بمحاذاة ساحل البحر المتوسط، والثاني ينعطف شرقا باتجاه مرج بن عامر الذي يخترقه إلى أن يصل مدينة طبريا وبحيرتها، ثم يتجه شرقا ليعبر نهر الأردن نحو هضبة الجولان ودمشق في سوريا؛ اما عبارة “عِبرُ الأُردُنّ” فتشير الى المنطقة الواقعة شرقي نهر الأردن؛ اما عبارة ” جَليلُ الأُمَم ” في العبرية גְלִיל הַגּוֹיִם فتشير الى دائرة تضم عشرين مدينة أهداها سليمان إلى حيرام ملك صور، كانت تقطنها غالبية من الأمم تُمثل جنسيات مختلفة منهم الفينيقيّين واليونان والعرب، وقليل من اليهود ، ولهذا سُمّيت “جليل الأمم”. وترد هذه العبارة في انجيل متى الإنجيلي من اوله الى آخره (متى 2: 22/ 3: 13، 4: 23 28: 16)؛ أما عبارة “أَرضُ زَبولون وأَرضُ نَفْتالي طَريقُ البَحرِ، عِبرُ الأُردُنّ، جَليلُ الأُمَم” فتشير الى مكان خدمة يسوع الرسولية في الجليل وبذلك تنفتح رسالة يسوع على جميع الأمم (متى 28: 19).
16الشَّعبُ المُقيمُ في الظُّلْمَة أَبصَرَ نُوراً عَظيماً والمُقيمونَ في بُقْعَةِ المَوتِ وظِلالِه أَشرَقَ عليهمِ النُّور”.
تشير عبارة “الظلمة ” الى وقوع اهل زبولون ونفتالي بما فيها كفرناحوم تحت حكم الآشوريين الوثنيين واحتلالهم عام 734 ق. م، وكان سبط زبولون وسبط نفتالي أكثر الأسباط تعرضاً لظلم الوثنيين؛ اما عبارة” الموت ” فتشير الى الجهل؛ أمَّا عبارة ” نُوراً عَظيماً ” فتشير إلى نور الله الذي يُنير ارضهم كما جاء في نبوءة اشعيا النبي (اشعيا 9: 1-7) التي تحققت عندما طاف يسوع في تلك المنطقة وبشّر سكانها وعلَّمهم وعمل العجائب (متى 4: 12-16). وهي نبوءة مسيحانية (اشعيا 8: 23-9:1)، إذ جاء يسوع الى هذه المنطقة المهددة بضلال الوثنية ليكون نوراً لها (لوقا 2: 32 ن يوحنا 8: 12) فأبصروه، “فأشرَقَ عليهمِ النُّور” (متى 4: 16). هذا النور الذي حرَّرهم من ظلمة الخطيئة وظلمة الجهل. وبناء عليه انطلق الانجيل من كفرناحوم الى العالم نوراً يهتدي به الناس الى الخلاص، ومن هناك انطلقت الرسالة يسوع الى الامم الوثنية.
17وبَدَأَ يسوعُ مِن ذلك الحِين يُنادي فيَقول: ((تُوبوا، قدِ اقتَربَ مَلكوتُ السَّمَوات”
تشير عبارة ” مِن ذلك الحِين ” الى الوقت الذي حدَّده الله لتحقيق مواعده قد حان (مرقس 13/20)؛ اما عبارة “بَدَأَ يسوعُ مِن ذلك الحِين ” فتشير الى افتتاح يسوع رسميا خدمته الرسولية العلنية، أولا بالأقوال كعظة الجبل (متى 5: 1-7: 29)، ثم بالأعمال كالمعجزات العشر (متى 8: 1-9: 34). وتكرَّرت هذه العبارة مرة أخرى عند مغادرته الجليل حين صعد يسوع الى اورشليم ليعاني الالام “وبَدأَ يسوعُ مِن ذلِكَ الحينِ” يُظهِرُ لِتَلاميذِه أَنَّه يَجِبُ علَيهِ أَن يَذهَبَ إِلى أُورَشَليم ” (متى 16: 21) إشارة الى بداية جديدة يتطلع فيها يسوع الى اورشليم، موضع موته وقيامته؛ اما عبارة “يُنادي” فتشير الى إعلان بدء رسالته العلنية وكرازته بدعوة السامعين الى تبديل جذري في سلوكهم للدخول في شعب الله؛ والمناداة بالإنجيل او الكرازة به هو مهمة الرسل الذين يتابعون عمل المسيح ؛ أما عبارة ” تُوبوا” فتشير الى افتتاح يسوع بشارته مردداً كمات يوحنا المعمدان ” في تِلكَ الأَيَّام، ظهَرَ يُوحنَّا المَعمَدان يُنادي في بَرِّيَّةِ اليَهودِيَّةِ فيقول: توبوا، قدِ اقتَربَ مَلكوتُ السَّموات “(متى 3: 1-2). فإن يسوع استلم زمام رسالة يوحنا المعمدان الذي دعا فيها الى التوبة، حيث أن مجيء الملكوت يتطلب توبة الانسان؛ أما عبارة ” إقتَربَ ” فتشير الى ان الملكوت أصبح قريباً جدا، وانفتح انفتتاحا رسميا سرّيا في شخص يسوع وفي رسالته، فلا حاجة لليهود ان ينتظروا مسيحاً آخر، إن مجيء المسيح قد جعل الملكوت قريبا من الناس وفي قلوبهم. ونداء يسوع الى التوبة والايمان بالإنجيل، سيتواصل في الكرازة المسيحية كما جاء في تعليم بولس الرسول” لأَنَّ بِشارَتَنا لم تَصِرْ إِلَيكم بِالكَلامِ وَحْدَه، بل بِعَمَلِ القُوَّةِ وبِالرُّوحٍ القُدُسِ وبِاليَقينِ التَّامَّ” (1 تسالونيقي 1: 5).
18وكانَ يسوعُ سائراً على شاطِئِ بَحرِ الجَليل، فرأَى أَخَوَيْنِ هُما سِمعانُ الَّذي يُقالُ له بُطرُس وأَندَراوسُ أَخوهُ يُلقِيانِ الشَّبَكةَ في البَحر، لأَنَّهما كانا صَيَّادَيْن.
تشير عبارة “سِمعانُ الَّذي يُقالُ له بُطرُس ” الى سمعان بن يونا الذي ما لبث أن شرَّفه الرب بدرجة الرسولية ودعاه “بطرس”. وإن “بطرس” لفظة اليونانية Πέτρος يقابلها في الآرامية כֵיפָא “كيفا”، وفي العربية “صفا” ومعناه صخرة وحجر. وإن الحصول على اسم جديد كان رمزاً للدخول في علاقة جديدة مع الله كما حدث مع يعقوب الذي غيَّر الله اسمه الى إسرائيل (التكوين 32: 28). وقد ولد بطرس في بيت صيدا الواقعة على بحر طبرية، وكان بطرس أحد التلميذَين الذين ذهبا ليعُدا الفصح الأخير (لوقا 22: 8)، وأحد الثلاثة الذين عاينوا إقامة ابنة يائيرس بعد موتها (متى 9: 18-26)، وتجلى المسيح امامهم (متى 17: 1-8)، وهو أحد التلاميذ الأربعة الذي انفرد يسوع بهم وسألوه عن نهاية العالم وخراب اورشليم (مرقس 13: 3) واحد الذين رافق يسوع في صلاته في بستان الجسمانية (متى 26: 37). وهو الأول الذي اعترف بلاهوت المسيح (متى 16: 16)، والأول الذي بشَّر بالمسيح في يوم العنصرة (اعمال الرسل 2: 14). وقد عمل بعض المعجزات كشفاء المقعد عند باب الهيكل الجميل (أعمال الرسل 3)، وشفاء إينياس في مدينه اللد (اعمال ارسل 9: 32- 35) ، وإقامة طابيثة بعد موتها في يافا (أعمال الرسل9: 36- 43)، وقد فتح الرب باب الإيمان للأمم الوثنية على يديه في شخص قرنيليوس، قائد المائة (أعمال الرسل 10 : 1- 33) ، وختم بطرس حياته في روما، حين حُكم عليه بالموت صلبًا في عهد الامبراطور نيرون سنه 64م.؛ اما عبارة “أَندَراوسُ” لفظة يونانية Ἀνδρέας معناه “ذو مروءة” فتشير الى شقيق بطرس الرسول (يوحنا 1: 40)، وكان في البداية تلميذًا ليوحنا المعمدان، لكن الرب دعاه ليكون صيادا للناس، فترك السفينة، والشباك وتبع المسيح. ويذكره الانجيل في معجزة الخبز والسمكتين (يوحنا 6: 1-15) وعند مجيء اليونانيين الذين أتوا لكي يكون لهم وسيط كي يروا يسوع (يوحنا 12: 22). وهو أحد التلاميذ الثلاثة الذي سال يسوع عن خراب أورشليم ودمار الهيكل وانقضاء الدهر (مرقس13: 3). وقد بدأ اندراوس عمله التبشيري يوم العنصرة، وقد انتهي به المطاف في مقاطعه أخائية في بلاد اليونان حيث نال إكليل الشهادة مصلوبا في روسية، كما جاء في كتابات ايرونيموس، لذا هو شفيع كل من الكنيستين الروسية واليونانية.
19فقالَ لَهما: ((اِتْبَعاني أَجعَلْكما صَيَّادَيْ بَشر)).
تشير عبارة ” اِتْبَعاني” في اللفظة اليونانية Δεῦτε ὀπίσω μου ومعناها حرفيا “تعليا ورائي” (متى 16: 23-24) الى إتباع يسوع المسيح. وإتباع يسوعي عني ان يترك الانسان نظرته ويأخذ نظرة الله، ترك الرسل مهنة الصيد، وأخذوا مهنة أخرى، كانوا يصطادون السمك، والآن يتعلمون كيف يصطادون البشر؛ أما عبارة “صَيَّادَيْ بَشر:” فتشير الى العمل الرئيسي للرسل في العالم هو ان يربحوا النفوس للمسيح. فحين يكرز الرسل بالإنجيل، يجمعون الناس كما يجمع الصياد السمك فسي شبكته. وفي الواقع، قد تبدلت حياة الرسل كليّاً من شبكة الى شبكة، ومن صيد الى صيد. فالرسل بإعلانهم البشارة يجمعون الناس من اجل الدينونة ودخول الى ملكوت الله (متى 13: 47-50).
20فتَركا الشِّباكَ مِن ذلك الحينِ وتَبِعاه.
تشير عبارة “الشِّباكَ” ان السمك كان يُصتادُ بالشباك (متى 4: 18) وقد شبّه يسوع ملكوت السماوات بشبكة تجمع مختلف أنواع السمك (متى 13: 47)، وهناك أكثر من ثلاثين نوعا من السمك الصالح للطعام في بحيرة طبرية؛ اما عبارة ” تَبِعاه” فتشير الى دعوة يسوع الى التلميذين بطرس وأخيه اندراوس وتلبيتهما هذه الدعوة بطاعة فورية، لا كسامعين فقط بل كمعاونين مشاركين وشاهدين لملكوت الله وعاملين في حصاده (متى 10: 1-27)، فقد لازما شخص يسوع وحملا الصليب وسارا وراءه تلبية لطلبه ” مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صليبَه ويَتبَعْني ” (متى 16: 24).
21ثُمَّ مَضى في طَريقِه فرأَى أخَوَيْنِ آخَرَيْن، هُما يَعْقُوبُ بنُ زَبَدَى ويُوحَنَّا أَخوهُ، معَ أَبيهِمَا زَبَدى في السَّفينَةِ يُصلِحانِ شِباكَهما، فدَعاهما 22فَتَركا السَّفينَةَ وأَباهُما مِن ذلك الحينِ وتَبِعاه.
تشير عبارة “يُصلِحانِ شِباكَهما ” الى جعل الشبك صالحة للصيد. أما عبارة ” تَركا السَّفينَةَ وأَباهُما ” فتشير الى ان اتباع يسوع قد يستلزم هجر المهنة وفصم عُرى الروابط العائلية. فتبدّل عمل الصيادين الأربعة بعد مرور يسوع على شاطئ بحر الجليل. إنها دعوة الى ولاء وإخلاص من كل القلب. دعا يسوع التلاميذ الأوَّلين: سمعان بطرس واندراوس أخيه وثم يعقوب ويوحنا أخيه، وهم يمثلون العالم بأقطاره الأربعة. وسمع الأربعة النداء، فتركوا كل شيء وتبعوا يسوع.
23وكانَ يَسيرُ في الجَليلِ كُلِّه، يُعَلِّمُ في مَجامِعِهم ويُعلِنُ بِشارَةَ المَلَكوت، ويَشْفي الشَّعبَ مِن كُلِّ مَرَضٍ وعِلَّة.
تشير عبارة “المجمع” בֵית הַכְּנֵסֶת الى كنيس أي بيت الاجتماع للصلاة لليهود، والمكان الذي يتدارسون فيه التوراة وتراثهم الديني. ويعود تاريخ المجامع إلى فترة السبي البابلي في عام 586 ق.م.، وقد بُني المجمع على الغالب في شكل مستطيل، وواجهته نحو القدس، وفي مقدمة المجمع فجوة تغطيها ستارة تحتوي على تابوت لفائف الشريعة، وهي تقابل قدس الأقداس في الهيكل القديم. وقد كان قارئ التوراة يقف في مكان أكثر انخفاضاً (نسبياً) من أرض المجمع. وفي الوقت الحاضر، انعكس الوضع فصار القارئ يجلس على منصة عالية تُسمَّى في اليونانية βῆμα “بيماه”. وتُقام في المجمع الصلوات اليومية، فبإمكان أي شخص، من الناحية النظرية، أن يؤم المصلين. غير أن من المعتاد أن يؤم المصلين أفراد تلقُّوا دراسة خاصة للقيام بهذه الوظيفة. وتُقرَأ التوراة في المجمع كل يوم سبت، وفي يومي الاثنين والخميس من كل أسبوع. وكان رئيس المجمع رجل إدارة أكثر منه واعظاً، فكان عمله هو البحث عن الربيين ودعوتهم للتعليم والوعظ؛ اما عبارة ” يُعَلِّمُ في مَجامِعِهم ” فتشير الى ان يسوع كثيرا ما كان يتكلم في المجامع، أذ كان المجمع يستخدم مكانا للاجتماع في ايام السبت، وكمدرسة في باقي أيام الأسبوع وكان هناك مجمع في كل مدينة بها عشر او أكثر من العائلات اليهودية؛ أمَّا عبارة “بِشارَةَ المَلَكوت” فتشير الى التبشير بمجيء الملكوت في شخص يسوع المسيح (متى 3: 2) والتبشير بوجه عام بما فيه تعليم يسوع في إنجيل متى (متى 9: 35، و24: 14)، وبِشارَةَ المَلَكوت” هي عبارة ينفرد بها إنجيل متى. كانت كلمات يسوع بشارة سارة لأنها كانت تمنح الحرية والرجاء وسلام القلب وحياة ابدية مع الله. واما عبارة “يَشْفي الشَّعبَ مِن كُلِّ مَرَضٍ وعِلَّة” فتشير الى ان يسوع كان يشفي ليس من المرض الجسدي فحسب ـ بل من المرض الروحي. وباختصار تدل هذه الآية على موجز أعمال يسوع في الجليل.
ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 4: 12-23)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (متى 4: 12-23)، نستنتج انه يتمحور حول بدء رسالة يسوع في الجليل ودعوة التلاميذ الأوَّلين لمشاركة يسوع في رسالته ليكونوا نواة الكنيسة. ومن هنا نسأل: ما هو موضوع رسالة يسوع في الجليل؟ ولماذا دعا يسوع تلاميذه الاوائل؟
1) ما هو موضوع رسالة يسوع في الجليل؟
إنتقل يسوع من موطنه في الناصرة الى كفرناحوم الواقعة على بعد 32كم الى الشمال الشرقي من بحيرة طبرية. وكانَ انتقال يسوع الى كفرناحوم لعدة أسباب، منها الابتعاد عن المقاومة واللامبالاة في الناصرة، ولنشر رسالته الى أكبر عدد ممكن من الناس، اذ كانت كفرناحوم مدينة كبيرة من ناحية، وللاستفادة من موارد إضافية لـتأييد خدمته اذ كانت كفرناحوم مستعمرة رومانية وتجارية ومورد صيد السمك من ناحية أخرى.
وأصبحت كفرناحوم قاعدة رسالته وخدمته العلنية في الجليل، ودُعيت “مدينته” (متى 9: 1). وصنع فيها يسوع معظم معجزاته، كشفاء خادم قائد المائة (متى 8: 5-13) وابنة بعض الوجهاء (متى 9: 18-26) وحماة بطرس (متى 8: 14 -15) والمقعد (متى 9: 1-8)؛ وفي مجمعها كان اول حديث ليسوع عن معجزة حبِّه الكبير، الافخارستيا (يوحنا 6: 24-71). ومن رجالها اتخذ يسوع معظم رسله وتلاميذه، كبطرس وأندراوس ويعقوب ويوحنا وغيره. ودعاهم من الصيد في البحيرة الى الصيد في بحار الدنيا، ليجمعوا بدل السمك بشراً ويكونون له رسلا وتلاميذ يربحون النفوس في ملكوته.
والاهم من ذلك، جاء السيّد المسيح، معلّم البشريّة وشمس البرّ الى كفرناحوم ليضيء على الجالسين في الظلمة لتتميم نبوءة اشعيا (اشعيا 9: 1-2) التي تقول ان المسيح نورٌ لأرض زبولون ونفتالي، أي منطقة الجليل التي تقع فيها كفرناحوم (متى 4: 13)، وشعبها ” المُقيمُ في الظُّلْمَة والمُقيمونَ في بُقْعَةِ المَوتِ وظِلالِه ” (متى 4: 16) على ما ذكر عنهم اشعيا النبي، “أَبصَرَوا نُوراً عَظيماً ” (متى 4: 16)؛ فالظلمة التي كان يقيم فيه الناس في كفرناحوم هي وقوعهم تحت احتلال حكم الآشوريين الوثنيين عام 734 ق. م. ؛ واما الموت الذي يقيمون فيه فهو الجهل والخطيئة . فأَشرَقَ عليهمِ النُّور (متى 4: 16)، فالنور الذي أبصروه هو نور المسيح الذي حرَّرهم من ظلمة الخطيئة وظلمة الموت والجهل. وعليه فان الانجيل المقدس أنطلق من كفرناحوم الى العالم الوثني نوراً يهتدي به الناس الى الملكوت عن طريق التوبة. فموضوع رسالة يسوع في الجليل: ملكوت السماوات والتوبة
أ) التوبة
بدأ يسوع خدمته مردداً اقوال يوحنا المعمدان ” بَدَأَ يسوعُ مِن ذلك الحِين يُنادي فيَقول: “تُوبوا، قدِ اقتَربَ مَلكوتُ السَّمَوات” (متى 4: 17). فلا مفرّ من التوبة من أجل الدخول إلى ملكوته. ففعل “توبوا” يدل على في الاصل اليوناني Μετανοεῖτεعلى تغيير في العقلية، وبالتالي تغيير أسلوب التفكير والحياة؛ اما في الاصل العبري שׁוּבוּ فيدلُّ على تغيير الطريق والعودة بلا قيد او شرط الى الله، إله العهد كما ينادي رَبُّ القُوَّات الجّميع “إِرجِعوا إِلَيَّ أَرجِعْ إِلَيكم” (ملاخي 3: 7). فالتوبة هي تغيير جذري في السلوك ومسار حياة لدخول ملكوت السماوات، أي التحوّل عن الخطيئة إلى الربّ الإله، وتترك الظّلمة، ظلمة الخطيئة وكلّ عبوديّات المال والكبرياء والأنانيّة والسلوك في نّور المسيح. “أَنا نُورُ العالَم مَن يَتبَعْني لا يَمْشِ في الظَّلام بل يكونُ له نورُ الحَياة” ) يوحنا 8: 12) . فالنور والظلمة لا يتساكنان كما يتساءل ول القديس بولس الرسول ” أَيُّ اتِّحادٍ بَينَ النُّورِ والظُّلْمَة؟ (2 قورنتس 6: 14). ” فقَد أَغْضى اللّهُ طَرْفَه عن أَيَّامِ الجَهْل (الظلمة) وهو يُعلِنُ الآنَ لِلنَّاسِ أَن يَتوبوا جَميعًا وفي كُلِّ مَكان ” ) أعمال الرسل 17: 30 (.
التوبة هو الموضوع الرئيسي الذي عالجه إرميا النبي والانبياء في العهد القديم. فمنذ آلاف السنين قال النبي أشعياء: ” لِيَترُكِ الشِّرِّيرُ طَريقَه والأَثيمُ أَفْكارَه ولْيَرجِعْ إِلى الرَّبِّ فيَرحَمَه وإِلى إِلهِنا فإِنَّه يُكثِرُ العَفْوَ” (اشعيا 55: 7). ونداء يسوع الى التوبة والايمان بالإنجيل، يتواصل في الكرازة المسيحية، فيصبح بعد القيامة نداء لقبول الخلاص يُعطى لنا في يسوع المسيح (1 تسالونيقي 1: 5-6). وخير مثال على ذلك أقوال بطرس الرسول: “أن الله لا يَشاءُ أَن يَهلِكَ أَحَدٌ، بل أَن يَبلُغَ جَميعُ النَّاسِ إِلى التَّوبَة ” (2 بطرس 3: 9). وفي مكان آخر يقول “َتوبوا وارجِعوا لِكَي تُمْحى خَطاياكم”(اعمال السل 3: 19)، فلا غفران للخطيئة إلا بالتوبة. وعدم التوبة يعني الهلاك ” إِن لم تَتوبوا تَهِلكوا بِأَجمَعِكُم” (لوقا 13: 5). الخاطئ يسلك طريق الشّرّ مقتفيا خطوات إبليس ونهايته كما قال الكتاب: ” مَنِ اتَبعً الشَرّ فلِمَوته”) أمثال 11 : 19(. أما التوبة فهي بركة للإنسان، تمنحه السلام والأمان والحياة في الملكوت.
وما زالت التوبة اليوم هي الرسالة كما نادى بها يسوع ويوحنا هي التوبة. فتاريخ الكنيسة وتاريخ كل إنسان هو قصّة توبة وارتداد إلى الرب. وما من أحد مَعفِيّ من أن يتوب كل ساعة، ” ذلِكَ بِأَنَّ جَميعَ النَّاسِ قد خَطِئُوا فحُرِموا مَجْدَ الله” (رومة 3: 23)، فالجميع بحاجة إلى التوبة للحصول على مجد الله. فالتوبة هي مفتاح الانجيل من ناحية الانسان، واما ملكوت الله فهو حكم الله في قلوب الناس وفي المجتمع. فهي طريق الخلاص. لذا تتطلب التوبة ان نبتعد عن التمركز حول الذات، وعن سيادة الذات علينا، وان نليّن قلبنا المتحجرة ونجدِّد صفحات حياتنا، فنسلم نفوسنا لتوجيهات المسيح وسيادته. أن مجيء الملكوت يتطلب توبة الانسان.
ب) ملكوت السماوات
بَدَأَ يسوعُ رسالته العلنية يُنادي فيَقول “قدِ اقتَربَ مَلكوتُ السَّمَوات” (متى 4: 17). ويستخدم متى عبارة ملكوت السماوات وليس ملكوت الله كما ورد في إنجيل مرقس ولوقا، لانَّ إنجيل متى موجّه بشكل خاص لليهود، واليهود لم يكونوا ينطقون بلفظ الجلالة، اسم “الله” بدافع توقيرهم الكبير واحترامهم الشديد لله سبحانه وتعالى. وأما ملكوت السماوات فهو ملكوت خلاص أي الحريّة من الخطيئة وحريّة العيش كأبناء الله، وهو ملكوت سلام في علاقة الانسان مع الربّ الإله، وملكوت الرجاء في القيامة، وملكوت الحقّ في المسيح الذي هو “الطريق والحق والحياة”، وملكوت الوعد بمكافأة الّذين يسعون إليه، وملكوت الخلود في الحياة الأبديّة.
وكان يسوع يعلن ان ملكوت الله قريب. وملكوت الله اقترب عندما دخل الله نفسه الى تاريخ الجنس البشري كإنسان من خلال ابنه يسوع المسيح. يقول البابا شنودة الثالث” الربّ قريب منا حتى في أحلك لحظات حياتنا. الربّ إقترب منا بواسطة السيّد المسيح. لقد جاء إلى أرضنا. وعاش بيننا. ونصب خيمته في وسطنا. وصار بشراً مثلنا. إنّ الربّ ليس ببعيد، ولا هو غريب ولا هو مخيف. إنّ الربّ قريب، واسمه عمانوئيل أي الربّ معنا. ليس هذا فقط ما بشر به الربّ يسوع، بل هذا ما جسّده ايضاً”. إذا الربّ قريب منا، لما ندعه يملك على حياتنا ويقودنا ويوجّهنا.
ملكوت الله قريب لما جاء المسيح الى الارض أولا كالعبد المتألم، ولكنه سياتي ثانية كالملك والديّان على كل الأرض. ويمكن ان نحدد ثلاث مراحل للملكوت: المرحلة الأولى، وهي إعلان مجيء ملكوت الله الذي يسوع هو مؤسسه (ابن الإنسان)؛ والمرحلة الثانية وهي إظهار المنهج الجديد المؤدي إلى الخلاص. ويتطلب هذا المنهج الإقلاع عن الخطيئة والاندماج في المسيح، الأمر الذي يجعل المسيحي “إنساناً جديداً” كما أعلن بولس الرسول ” فما أَنا أَحْيا بَعدَ ذلِك، بلِ المسيحُ يَحْيا فِيَّ. وإِذا كُنتُ أَحْيا الآنَ حَياةً بَشَرِيَّة، فإِنِّي أَحْياها في الإِيمانِ بِابنِ اللهِ الَّذي أَحبَّني وجادَ بِنَفْسِه مِن أًجْلي.”(غلاطية 20:2). ج)؛ واما المرحلة الثالثة، فهي إظهار يسوع كسيّد وابن الله، كنور وحياة وإظهار الروح القدس والعلاقة بين الأقانيم الإلهية في حياتنا.
وانطلاقا من ذلك، فإن يسوع لم يأتِ لملكوت أرضي وخلاص من نير الرومان السياسي كما ظنّ اليهود، وإنما لتحرير القلب من سلطان الخطيئة ومنح الخلاص. فالمسيح يسوع يملك الآن على قلوب المؤمنين، لكن ملكوت السماوات لن يتحقق تماماً إلاَّ بعد إدانة كل الشر الذي في العالم وإزالته. فالله معنا هنا وهناك، شريطة ان نستضيفه. فنداء يسوع وإعلانه “ملكوت الله” ليسا سوى دعوة يوجهها الينا لإعداد نفوسنا لقبول الرب.
2) لماذا دعا يسوع تلاميذه الاوائل؟
احتاج يسوع الى شركاء حقيقين في رسالته لنشر ملكوت الله لكي تبقى رسالته حيّة عاملة ولكي تصل إلى أكبر عدد من الناس. فهيّا بعض التلاميذ المقرّبين من أجل هذه المهمة، ودعاهم واختارهم. كان التّلميذ في إسرائيل هو الذي يختار المعلِّم. وأما في حالة يسوع فهو الّذي يختار التّلاميذ. إنَّ الخُطوة الأولى تأتي دائماً من الّله، هو يختار من يريد: “لم تَخْتاروني أَنتُم، بل أَنا اختَرتُكم وأَقمتُكُم لِتَذهَبوا فَتُثمِروا ويَبْقى ” (يوحنا 16:15).
وبعد النداء، طلب يسوع من الاخوين بطرس وأندراوس ان يتركا صيد السمك فقالَ لَهما: “اِتْبَعاني أَجعَلْكما صَيَّادَيْ بَشر” (متى 4: 19)؛ وسرعان ما طلب يسوع أيضا من الاخوين يَعْقُوبُ بنُ زَبَدَى ويُوحَنَّا (متى 4: 21) ان يتبعاه. فقد طلب يسوع من هؤلاء الصيادين ان يتبعوه ليربحوا الناس الى ملكوت السماوات ويجذبوا النفوس من حولهم الى المسيح مثل الصياد الذي يجذب السمك بالشباك الى قاربه.
لقد قابل يسوع الاخوان بطرس واندراوس والاخوان يعقوب ويوحنا يسوع من قبل (يوحنا 1: 15-42)، وعندما دعاهم يسوع كان يعلمون أي رجل هو، فكانوا على استعداد لاتباعه، بل كانوا مقتنعين حقاً ان إتباعهم له سيغيّر حياتهم. والآن يسوع يدعوهم الى الخطوة التالية أن يتركوا صيد السمك ويتبعوه. فبدأ الانجيل بدعوة أربعة اشخاص والعدد أربعة يرمز الى العالم كله. دُعوا من أجل العالم، وهم اللبنة الاولى في صرح الكنيسة.
كان بطرس واندراوس ويعقوب ويوحنا هم أوائل تلاميذ يسوع المسيح الذين عملوا معه، وقد دفعتهم دعوته الى ترك أعمالهم فورا. ولم يحاولوا الاعتذار بان الوقت لم يكن ملائماً، بل تركوا عملهم في الصيد وتبعوه. وبقبولهم للمُهمّة الجديدة، اختاروا التّجرّد الكامل عن هموم الوظيفة السّابقة لكي يتفرّغوا يداً وعقلاً وقلباً للرسالة الجديدة. فمن يعرف المسيح حقيقة يترك كل شيء حاسبًا إياه نفاية ويكرس قلبه كليا للمسيح كما حدث مع بولس الرسول ” أَعُدُّ كُلَّ شَيءٍ خُسْرانًا مِن أَجْلِ المَعرِفَةِ السَّامية، مَعرِفةِ يسوعَ المسيحِ رَبِّي. مِن أَجْلِه خَسِرتُ كُلَّ شَيء وعدَدتُ كُلَّ شَيءٍ نُفايَة لأَربَحَ المسيحَ” (فيلي 3: 8).
وإن اختيار الاثني عشر وتدريبهم كانا أمرين هامين في خدمة يسوع، فقد كان الاثني عشر هم الذين سيشتركون معه في إعلان النبأ السار وحمل الدعوة بعد صعوده.
كان التلاميذ الأوائل صيادي سمك، لم يكونوا أصحاب مهن، ولم يكن يملكون ثروة ولم يكونوا أصحاب مناصب سلطة أو جاه في المجتمع كما يقول الرسول بولس “اختار الله الجهال لِيُخزِيَ الحُكَماء ” (1 قورنتس 1: 27)، ويُعلق القديس ايرونيموس “كان أول المدعوّين لتبعيّة المخلّص صيّادين أميّين أرسلهم للكرازة حتى لا يقدر أحد أن ينسب تحوّل المؤمنين، إلى الفصاحة والعلم بل إلى عمل الله”. لقد اختار هؤلاء الأفراد، ليس بسبب من كانوا، بل بسبب من يصبحون تحت توجيهاته وسلطته والعمل من خلالهم للملكوت. المسيح يدعو الناس، ليس لما هم عليه، بل لما يجعلهم هو ان يكونوا، إذا ما كانوا مستعدين لطاعته والسماح لنور المسيح يُشرق في حياتهم، وإظهار القدرة الإلهية فيهم. وقد أظهر القدّيس بولس هذه القدرة فيما كتبه: ” ولَم يَعتَمِدْ كَلامي وتَبْشيري على أُسلوبِ الإِقناعِ بِالحِكمَة، بل على أَدِلَّةِ الرُّوحِ والقُوَّة” (1قورنتس 2: 4). فقد رأينا، بالفعل، “صوت” رسل الربّ يسوع يذهب “في الأَرضِ كُلِّها، وأَقوالُهم في أَقاصي المَعْمور” (رومة 10: 18). لذلك، فإنّ كلّ من سمع كلمة الله المُعلَنة بقوّة يصبح ممتلئًا هو نفسه بتلك القوّة الظاهرة من خلال تصرّفاته ونضاله من أجل الحقيقة حتّى الموت. فالتلاميذ الأوائل انتقلوا من مهنة الصيد الى رسالة النفوس بقدرة المسيح ونعمته. وبالتالي فالمبشرون بالمسيح هم اصحاب رسالة وليس مهنة.
وبناء عليه انتزع يسوع من أول مرة تلاميذه الاولين من محيطهم المهني كما حدث مع الاخوين بطرس واندراوس “تَركا الشِّباكَ مِن ذلك الحينِ وتَبِعاه. (متى4: 20) كما انتزعهم من محيطهم العائلي كما حدث مع الاخوين يعقوب ويوحنا “َتَركا السَّفينَةَ وأَباهُما مِن ذلك الحينِ وتَبِعاه” (متى 4: 22). ودعاهم الى إتباعه، فتخلوا عن نظرتهم الى العالم، من اجل نظرة الى مخطط الله، تركوا عملهم للقيام بعمل آخر غير مُرتبط لا في مكان ولا في زمان، هي لكلِّ الأوقات ولكلِّ الأزمان ولكلِّ الأجيال. إن اتباع يسوع قد يستلزم هجر الحرفة وقصم عرى الروابط العائلية. ومن هنا نجد التجرد التام المطلوب من تلاميذ يسوع واتباعه. وأصبح إعلان بشارة الله هي مهمّة الرسل وخدمتهم (1 تسالونيقي 2: 2). وما خدمتهم الرسولية الا امتداد لخدمته الرب يسوع ورسالته. والخدمة الرسولية ما هي الاَّ خلاص النفوس من خلال البذل والتضحية ” لَيسَ لأَحَدٍ حُبٌّ أَعظمُ مِن أَن يَبذِلَ نَفَسَه في سَبيلِ أَحِبَّائِه” (يوحنا 15: 13)؛ وخدمة بولس الرسول خير مثالٍ على ذلك كما يتضح من رسالته “فقَد لَقِينا في فيلِبِّيَ العَذابَ والإِهانَةَ كما تَعلَمون، ولكِنَّنا جَرؤْنا، لِثِقَتِنا بِإِلهِنا، أَن نُكلمكم بِبِشارةِ الله في جِهادٍ كَثير”(1 تسالونيقي 2: 2).
واما رسالة يسوع فلخّصها متى الإنجيلي ” كانَ يسوع يَسيرُ في الجَليلِ كُلِّه، يُعَلِّمُ في مَجامِعِهم ويُعلِنُ بِشارَةَ المَلَكوت، ويَشْفي الشَّعبَ مِن كُلِّ مَرَضٍ وعِلَّة” (متى4: 23)، وعليه تقوم رسالة يسوع على التعليم واعلان بشارة الملكوت (متى 5-7) وشفاء الشعب من كل مرض وعلة (متى 8-9)؛ وهذه الرسالة موجّهة ليس فقط الى الجموع الآتية من اليهودية كما كان الحال مع يوحنا المعمدان، وانما للمجموعات آتية من الجليل والمدن العشر وهي ارض وثنية. كما ورد في انجيل متى “فتَبِعَتْه جُموعٌ كَثيرةٌ مِنَ الجَليلِ والمُدُنِ العَشْرِ وأُورَشَليمَ واليَهودِيَّةِ وعِبْرِ الأُردُنّ” (متى 4: 25). وهذه هي رسالة الرسل رسالة للعالم أجمع وعير مرتبطة لا في مكان ولا في زمان، هي لكلِّ الأوقات ولكلِّ الأزمان ولكلِّ الأجيال.
الخلاصة
بدأ يسوع رسالته في الجليل داعيت الى التوبة والملكوت السماوات. فتحققت نبوءة أشعيا. فحل ملكوت السماوات في شخص يسوع ورسالته. وعلى الانسان ان يتوب كي يدخل ملكوت السماوات. وهذا ما فعله التلاميذ الأوائل فأصبحوا بدورهم مبشرين بملكوت الله، ملكوت حق، وقداسة ونعمة، وعدل وسلام وخلاص ومحبة وحياة ابدية مع الله.
اما اختيار التلاميذ الأوائل لمشاركته في العمل في حقل الملكوت فما هو إلا مثال للمؤمنين الذين سيسمعون نداء يسوع ويدعوهم الى التلمذة له. لنلبي الدعوة على خطى بولس الرسول القائل “إِنِّي لا أَستَحيِي بِالبِشارة، فهي قُدرَةُ اللهِ لِخَلاصِ كُلِّ مُؤمِن” (رومة 1: 16).
دعاء
أيّها لأآب السماوي، يا من أظهرت ابنك يسوع المسيح نورا للعالم، أعطنا النعمة لنفتح قلبنا لنوره المقدس على خطى تلاميذه الأوائل، فنصبح علامة خلاص ورجاء للجميع بنشر أنجيل الملكوت والشهادة له بحياتنا مردِّدين كلمات بولس الرسول ” الشُّكرُ للهِ الَّذي يَسْتَصْحِبُنا دائِمًا أَبَدًا في نَصرِه بِالمَسيح. ويَنشُرُ بِأَيدينا في كُلِّ مَكانٍ شذا مَعرِفَتِه. فإِنَّنا عِندَ اللهِ رائِحةُ المسيحِ الطَّيِّبةُ بَينَ الَّذينَ يَسلُكونَ طَريقَ الخَلاصِ وطَريقَ الهَلاك” (2 قورنتس 2: 14-15). ز يا مريم أمّنا، يا سلطانة الرسل، خذي بأيدينا وساعدينا أن أساهم في بناء ملكوت الربّ على الأرض. آمين