Liturgical Logo

“ستأتي أيام لن يترك فيها مما يشاهدونه حجر على حجر” (لوقا ٢١: ٦)

البطريرك بيتسابالا

يبدأ إنجيل اليوم بصورة خراب وينتهي بصورة عزاء.
صورة الخراب تخصّ الهيكل: بينما يسوع في داخله، سمع بعض المعجبين يتغنّون بجماله وفخامته. قاطعهم يسوع بقوله: “ستأتي أيام لن يترك فيها مما يشاهدونه حجر على حجر” (لوقا ٢١: ٦). وتتوالى بعد ذلك صور مخيفة (زلازل شديدة، مجاعات واضطهادات…) تهيمن على معظم النص ولا تمنح أية فسحة من الأمل.
ولكن يطرأ فجأة تغيير في نهاية النص ونسمع لهجة مختلفة: ينبّه يسوع تلاميذه أنّهم سيَعيشون أوقاتاً صعبة، “ولكن شعرة واحدة لن تسقط من رؤوسكم” (لوقا ٢١: ١٨).
كيف تتلاءم هاتان الصورتان مع بعضهما؟ وماذا يقصد يسوع بذلك؟
أولاً، لا يتحدّث يسوع عن وقت مستقبلي أو بعيد ولكن عن زمن يسبق الآخرة، زمن بدأ لحظة الصعود ويستمر حتى المجيء الثاني. كما أنه لا يتكلّم عن أحداث غير اعتيادية وأوقات صعبة ومتباعدة ولكن عن الزمن الحاضر، زمن الكنيسة وحياتنا اليوميّة.
لا يريد يسوع تضليل تلاميذه: فهو يدري أن الأوقات ستكون صعبة.
وهو لا يتوقف عند التفاصيل التافهة، ولا يجيب على أسئلة المذعورين الذين يريدون معرفة زمن حدوث كل ذلك.
بالمقابل، يهتم يسوع بأن نعرف كيف نتصرف في زمن المحنة. لا يركّز اهتمامه على المستقبل بل على الحاضر لأنه وقت نستطيع خلاله التحرك والتحضير للمستقبل.
كما ويقول بكل بساطة أنه علينا اجتياز الوقت وليس الهروب منه: “بثَباتِكم تَخلُصون” (لوقا ٢١: ١٩) أي علينا أن نسير دون التعلق بشيء، ومن دون البحث عن مخارج وامتيازات خاصة والهروب من الواقع.
في زمن تنهار فيه ضمانات كثيرة (وحتّى الضمانة المقدسة التي يتمثّلها الهيكل)، فإن الطريقة الوحيدة للعيش بطريقة صحيحة هي الثقة بالله.
لهذا السبب يحذّر يسوع من بعض الإغراءات والتجارب.
يتمثّل أولها باتّباع الناس الذين ينتحلون اسمه (لوقا ٢١: ٨)، الذين يقدّمون وصفة سهلة لحل معضلة الحياة والألم. وفي مثل هذه اللحظات المظلمة، ستَتضاعف أعداد المنتحلين والمنظرين وستزداد احتمالية الوقوع في فخ هذه الإغراءات.
يتمثل الاغراء الثاني في معرفة العلامة التي تدل على قرب الآخرة (لوقا ٢١: ٧) وانتهاء تاريخ البشريّة. لكن التاريخ ليس بين أيدينا، والرغبة في معرفة المستقبل هي أفضل وسيلة للهروب من الحاضر.
وفيما يتعلّق بالإغراء المتمثّل بتدبّر أمورنا بأنفسنا وبقوّتنا، قال يسوع: “لا تهتمّوا كَيف تُدافعون عن أنفُسِكُم” (لوقا ٢١: ١٤)، أي لا تعتقدوا بأن ما ستقومون به بأنفسكم سيكون كافياً للتغلب على الصعوبات.
وأخيراً هناك تجربة الوقوع في اليأس والفزع (لوقا ٢١: ٩)، عند انهيارنا والشعور بهَول الشدائد، وانعدام الأمل…
في الواقع، جميع الطرق “الزائفة” لعيش التاريخ ما هي إلا وسائل نتهرّب بها من المشاكل ونخفي بها رؤوسنا في الرمل كالنعامة.
أما يسوع فيَدعونا إلى الثبات.
ولكن كيف يمكننا المضي قدماً في وجه هذا القدر من الصعوبات؟
يمكننا تحقيق ذلك عن طريق عيشنا لهذه الحياة الصعبة كما عاش يسوع آلامه. فالعبارات التي يستعملها يسوع لوصف محن تلاميذه تشبه تلك التي يعلن بها عن آلامه وموته (لوقا ٩: ٢٢؛ ٩: ٤٤؛ ١٨: ٣١). وكما أن إعلان يسوع عن آلامه وموته هي أيضا إعلان عن قيامته، كذلك الأمر بالنسبة للتلاميذ.
من المهم أن نسير ونحن متسلحون بالثقة، الثقة بالآب على مثال يسوع لأن التاريخ بين يديه ومعه لن نخسر شيئا.
ويؤكد يسوع ذلك لنا بقوله: “سوف أُعطيكُم كَلاماً وحِكمة” (لوقا ٢١: ١٥) أي لن أترككم وحدكم. سأكون معكم وفيكم.
حينئذ سيتحول وقت المحنة، الوقت الذي يبدو فيه الله غائبا، إلى الوقت المناسب لنختبر عن كثب عزاء الله. سيكون هو نفسه زمن الشهادة إلى حين مجيء الرب (لوقا ٢١: ٢٧).
+ بييرباتيستا