سموّ المسيح على الصليب وفوق الجبل وفي العلّيّة
الأب بيتر مدروس
رُفع يسوع إلى السماء” أي رفعت فيه الطبيعة الإلهيّة ناسوته ، وبهذا المعنى “أُقيم” من بين الأموات اي أقام فيه اللاهوت طبيعته البشريّة. ونفرح بقراءة هذا النص من أعمال الرسل الذي يروي صعود الرب إلى السماء، خصوصًا بعد أن أنكر قوم هذا الصعود السيّدي المجيد متذرّعين أنّ “خاتمة إنجيل مرقس” ملحق أضيف لاحقًا، وأنّ هذه الخاتمة هي النص الوحيد الذي يشير إلى صعود يسوع.
يرجع الرسل من جبل الزيتون – الذي تضعه بعض المصادر العربية في منطقة سيناء – إلى العلّيّة. وهذه السنة نقرأ هذا المقطع بتأثر كبير، بعد زيارة قداسة البابا فرنسيس الأول لفلسطين، وقد حطّت طائرته على جبل الزيتون ومنه أقلعت إلى مطار اللّدّ. وجبل الزّيتون ولا سيّما بستان الزيتون مليء بالذكريات الأليمة المجيدة ليسوع ولنا نحن المسيحيين : فيه نازع يسوع ، وقبل ذلك “في مغارة التعاليم” على الجبل علّم التلاميذ الصلاة الربانيّة . وتألّقت في سماه الصلبان إلى أن أصرّ نفر من العبرانيين أن يأمر أحد الخلفاء بتحطيم كلّ صلبانه كشرط “في سبيل إعادة بناء الهيكل”. وما أشبه اليوم بالأمس، إذ يسعى خلق من العبرانيين كثير في المدينة المقدّسة عاصمة المسيحية، وسواها من مدن فلسطين وقراها، لتدمير كنائس أو مساجد وتدنيس جدرانها – حاشى وكلاّ!
العلّيّة! انطلق إليها خليفة القدّيس بطرس البابا فرنسيس، يرافقه خليفة القديس يعقوب الصغير بطريرك القدس، ومع سائر الأساقفة الكاثوليك، أقاموا القداس الإلهيّ في العلّيّة ، يكتنفهم الآباء الفرنسيسكان وعلى رأسهم “حارس جبل صهيون”. وهذا “العِلم” أي الواقع الفريد يبقى من باب “الحُلم” عندنا، إذ نتمنّى – كأمل الغارق بقشّة – أن يُسمَح لنا بالاحتفال بالقداس حيث أقام يسوع في عشائه الأخير قدّاسه الأوّل. ولعلّ هذا القدّاس الحبريّ المؤثّر كان مع الأسف حدثا نادرًا لا نحظى حتّى الآن بمثله ، حدثًا يصف أمثاله العرب ب “بيضة الدّيك” أو الأعاجم بأنه “مرّة تحت قمر أزرق” Once in a blue moon
ونبقى أتباع المسيح المصلوب. وكا يقول بطريركنا المقدسيّ اللاتيني :”نحن كنيسة الجلجلة : تعيش في ظلال الصليب وتحت أنوار القيامة والصعود والعنصرة!” نظلّ مظلومين في أشخاصنا وفي مقدّساتنا ، إذ يبدو من المحال أن تُعاد إلى الآباء الفرنسيسكان المساكين العزّل ملكيّة العلّيّة العزيزة التي اشتروا أرضها ومقامها منذ قرون! ويجدر القول أيضًا أنّ موقع الصعود ليس بأيدٍ مسيحيّة بل على الحجّاج أن يدفعوا رسومًا لدخوله.
سموّ المسيح والمسيحيّة في البابا فرنسيس
علّم البابا فرنسيس بمثله وقوله التواضع والارتقاء فوق جبل الكبرياء وتلّ الغرور والفساد والبهرجة والرخاء. ببساطته بنعمة الله وبالخلافة البطرسيّة “اضمحلّ ذكاء الأذكياء وضاعت حكمة الحكماء والحكومات” وهم يسعون بالأكاذيب واللف والدوران والتزييف والتمويه والتبلّي والتجنّي والتسلّح إلى مكاسب “إستراتيجية” وعسكرية واقتصادية وسياسية. وأثبت لهم الحبر الأعظم ولسائر الماديين أنّ المال يفنى، والجسد إلى انحلال، والكذب إلى زوال لحبله ونظره القصيرين!
“كانوا يواظبون جيمعاً على الصلاة بقلب واحد ، مع مريم أمّ يسوع ومع إخوته”
أكيد أنّ “إخوته” لا تعني قطعًا أبناء مريم العذراء، وإلاّ لكتب البشير لوقا “مع مريم أمّ يسوع وإخوته” (مضاف إليه ثانِ) ولكنّه بإلهام من الله ووحي منه تعالى كتب “ومع إخوته” και τοις αδρελφοις αυτου فاصلاً إيّاه عنهم وإيّاهم عنه في أمومة مريم.
العلّية من جديد!
وكما تقول العامّة “ما كذّب بعض اليهود المتديّنين خبرًا” مثبّتين المخاوف حول “احتمال قيامهم باعتداء أو أكثر” في العلّيّة وحولها، فقام أحدهم أو غير واحد بحرق كتاب التشريفات من كنيسة نياحة العذراء بقرب العلّيّة بخطوات.
وحفظ الله مغارة الميلاد من حريق غامض تتضارب في شأنه الأنباء.
ولعلّ “أمير هذه الدنيا” أي الشيطان، أراد أن ينتقم من سيل النعيم الذي رافق حجّ قداسة البابا الراعوي إلى الديار المقدّسة. ولكنّ نار الحرائق لا تخمد نور شمس المسيح!
خاتمة
نحن – كما ذكّرنا في فلسطين مؤخّرًا بطريرك إنطاكية الماروني – الحجارة الحيّة ونحن المسؤولون عن “قدسيّة هذا التراب” وهذه الأرض الغالية على الرب ووالدته ورسله! ثبّتنا الله فيها، وثبّتنا في الإيمان الرسولي البطرسي ، وقد سأل يسوع نائبه بطرس “أن يثبّت إخوته”!
