Liturgical Logo

شعبنا المسكين: بين تجّار الهيكل وحكومة احتلال وجزية

الأب بيتر مدروس

“الاعتراض العنيد” (عبارة من الأب الرّاحل يعقوب سعادة)
كان بودّ المرء، بصراحة، أن ينتقل إلى المعاني الرّوحانيّة من نصوص الكتاب المقدّس التي تقدّمها الكنيسة اليوم، وإلى قراءة الإنجيل الطّاهر عن طرد يسوع لباعة الهيكل وتجّاره وصرّافيه. ولكن بما أنّ “الاعتراض يعود عنيدًا” على “الصّور والإيقونات والتّماثيل” بالتّذرّع بنص خروج 20: 4، وجبت الضّرورة الرّاعويّة الرّدّ “الدّفاعيّ” (عن 1 بطرس 3: 15): “لا تصنع لك صورة ولا تمثالاً… لا تسجد لهنّ ولا تعبدهنّ”. يعني بالعربي ممنوعة الأصنام الأوثان التي يحلو للوثنيّين أن يعبدوها كآلهة من دون الله. ولكنّنا نحن لا نعبدها بل نكرمها. على كل حال، الله نفسه، مع موسى نفسه، في سفر الخروج نفسه، أرى الله نفسه موسى نفسه المثال: (خروج 25: 9): تابوتًا من خشب، عصوَين من خشب، ثم كروبًا على طرف وكروبًا على طرف ويكون الكاروبان باسطَين أجنحتهما مظلّلَين بأجنحتهما على الغطاء ويكون وجههما كل واحد إلى الآخر…” (خروج 25: 10-20).الله ذاته- الذي نهى “لا تصنع” صورة..” – أمر بصناعة صور وتماثيل منها صور ملائكة وزهور وتماثيل أسود (خروج 37: 7، 1 (3) ملوك 4:5 ، ثم 6: 32، ثمّ 8: 6-7 ) وحيّة نحاسيّة (سِفر العدد 21: 7- 8).
المصلوب والصّليب: “عثار لليهود وحماقة لليونانيّين ومشكلة مع المسلمين ( 1 قور 1: 22- 25)
فهمنا قصّة اليهود: يرفضون الصّليب الّذي هو أداة عار وذّلّ (وتضحية) وصغار لا تليق بالمسيح الملك מלך המשיח. والصّليب هو أداة الجريمة التي ليس من مصلحة الجاني ولا قومه أن يذكروها! وأدركنا نفور اليونانيّين الوثنيّين عاشقي “الفلسفة” أي الحكمة الذين لا يفهمون “حكمة الصّليب” وكأنهم نسوا حكمة سقراط الّذي تجرّع السّم القاتل أمانةً لأفكاره ومواقفه. أمّا “شهود يهوه” فهم أكثر البدع التي تدّعي المسيحيّة “تكهربًا” من الصّليب وتشنّجًا لدى رؤيتهم له وهروبًا من إشارته “الكريمة المحيية”! فهذه “ترجمتهم” المدعوّة “العالم الجديد” تجد فعلاً الصّليب “حجر عثرة” بحيث تحذف الكلمة نهائيًّا لتنقلها بعقليّة يهوديّة “خشبة الآلام”، مع أنّ اليونانية “ستاوروس” لا يمكن أن تعني إلاّ “صليب”، حتّى في العبريّة “صلاب” צלבσταυρός, crux, . أمّا كلمة “المصلوب” فينتفضون منها ويُصعَقون- مثل آبائهم الرّوحانيّين اليهود المتديّنين المتشدّدين- وتنقلها “ترجمتهم” “المعلّق على الخشبة”. للمرّة الألف نقول: “من شابه أباه ما ظلم!” فأبوهم التّلمود البابليّ (سنهدرين المحفل 43 أ) يكتب بتشدّق: “عشيّة عيد الفسح عُلِّق يشو(ع)”! فيشو الناصريّ هو “المُعلَّق”، وتمنعنا الحشمة والخجل والحياء أن نورد ألقابًا أخرى يُلصقها التّلمود بسيّدنا يسوع المسيح!
استصعاب المسلمين للصّليب
قد تكون هنالك عند كثيرين منهم خلفيّة مفادها أنّ الصّليب لا يليق بكلمة الله المسيح المولود من مريم العذراء. ويرى آخرون أنّ “القالب” القرآنيّ في الكتابة عن الأنبياء هو اضطهاد البشر لهم وائتمارهم لقتلهم ولكنّ الله ينقذ أنبياءه بحيث يسري هذا القالب أيضًا على “عيسى ابن مريم”. ولا يقدر المرء أن يتقيّد تمامًا بهذا التّفسير (طبعًا بلا تطفّل على علماء الإسلام) لأنّ هناك نصوصًا قرآنية أخرى تعلن عن بعض القوم ولا سيّما من اليهود أنهم ” يقتلون الأنبياء” (سورة البقرة 2، 85 و 87، اقتباس غير حرفيّ).
ويوجّه إلينا بعض المسلمين تهمة “عبادة الخشبة”، وهذا غير وارد، فنحن نكرم الصّليب لا كأداة عقاب وعذاب، فالمسيح بريء، بل كأداة تضحية ومحبّة قصوى وخلاص وكمغناطيس للمسيح (يوحنّا 12: 32).
عبرة روحانيّة معنويّة لنا نحن المسيحيّين
“لا نستحينّ من الإنجيل” (رومية 1: 16) ولا من الصّليب لأنّه، مع قيامة المسيح، نواة البشارة وتلخيص المسيحيّة. عن الإنجيل يكتب مار بولس الإناء المختار رسول الأمم : “إنّه قدرة الله لخلاص كلّ من آمن، لليهوديّ أوّلاً ثمّ لليونانيّ” (روم 1: 16). وفي المسيح المصلوب يكتب الرسول: “المسيح (المصلوب) هو قدرة الله وحكمة الله”: وبتفسير أكثر تفصيلاً: قدرة الله لليهود طالبي المعجزات، وحكمة الله لليونانيّين الفلاسفة والمتفلسفين!
أمّا نحن، المسيحيّين الرّسوليّين، فلا نهربنّ من الصّليب أي من التّضحية، ولنستمرنّ في إكرام الصّليب واتّباع المسيح المتألّم في “درب الصّليب” أو الآلام.

طرد يسوع لباعة الهيكل (يوحنّا 2: 13- 25)
تقع هذه القراءة الإنجيليّة عموديًّا على رؤوسنا نحن سكّان فلسطين وسائر الأراضي المقدّسة بعد أن هدّدت بلدية الاحتلال في القدس بأن تجبي ملايين الدولارات من الكنائس التاريخيّة ” كضريبة أملاك”، وهي ضريبة لا تعرفها الدّول المتحضّرة التي تريد الخير لمواطنيها. وإن كانت هنالك في دول أخرى “ضريبة مسقّفات” فهي بسيطة محمولة مقبولة تقابلها خدمات بلديّة وصيانة.
ولكن، بنفس الصّراحة التي ننتهجها في الوعظ، يرى قوم أنّ تلك الإجراءات العبريّة التي خطّطت لها حكومة احتلال تعرف “القانون” عندما يخدمها وتتجاهله عندما يُلزمها (مثل القانون الدولي الذي لا يعترف بضمّ القدس)، يرى قوم أنّ تلك الإجراءات المقترحة أو المجمّدة حاليًا “قصاص أو عقاب على خطايانا”، كما كتب في مناسبة أخرى أليمة وبحزن شديد بطريرك القدس القدّيس صفرونيوس الجليل (المتوفّى سنة 638). ويا ليت خطوة الاحتلال تلك تردع بعض “تجّار الهيكل” و”باعة المقدّسات” الّذي يسرحون في مقدّساتنا ويمرحون ويبيعون للمحتلّ عقارات وهم يضربون بعرض الحائط رعيّتهم المسكينة التي يستعمرونها، وهم في ذلك غير بعيدين عن المحتلّ الذي هو لهم حليف وشريك في قمع هذا الشّعب المقهور.
ويشكر المرء من صميم القلب للعناية الإلهيّة وجود الكنيسة الكاثوليكيّة في الدّيار المقدّسة ومحافظتها على المقدّسات التي هي قِبلتنا الأولى والأخيرة والوحيدة، القدس، بما أنّ روما هي فقط عاصمة إداريّة. نعم، القدس عاصمة المسيحيّة وقِبلة أنظارها وحدقة عينها منذ القرون الأولى، وحتّى قبل وصول مار فرنسيس الأسيزي ورهبانه الأفضال الأصاغر في القرن الثّاني عشر وتسلّمهم رسميًّا حراسة المقدّسات سنة 1333. وما زال أبناء مار فرنسيس، في الذّكرى المئوية الثّامنة لدخلوهم هذه الأرض الطّهور، ما زالوا مخلصين متفانين مضحّين بالغالي وبالنفيس وبأرواحهم رخيصة من أجل المسيح الرب ومن أجل مزارات أو مقامات بشارته ومهده وقيامته!

خاتمة: نحن مسيحيّي الشّرق لا نريد أن نكون تجّار مقدّسات ولا متسوّلي صدقات!
أحسن إلينا مسيحيّو الغرب بما فيه الكفاية، نحن أهل فلسطين. الآن عندهم ما يكفيهم من الهمّ وما يزيد، خصوصًا بلاجيء بلادنا المنكوبة التي ترتمي ضحاياها بين أحضان الغرب “الكافر المارق الفاسد”! “فما أشطرنا في الكلام” وفي التّفلسف على “الغرب” الّذي يقدّم لنا اللّجوء والإقامة والجنسيّة والمواطنة وكلّ تقدّم وكلّ اختراع وكلّ تقنولوجيا، ونحن عاجزون عن صنع كبريتة وعن حلّ مشاكلنا وحقن الدّماء التي نسفكها بيننا في “حروب أهليّة” لا “أهليّ” فيها إلاّ الاسم!
نريد أن “نعمل بأيدينا”، نريد أن “نشتغل لا أن نتشاغل”. فلنتضامننّ معًا من غير اتّكاليّة على “المحسنين” الأعاجم! ولا نبيعنّ لا مهدًا ولا قيامة، فالّذي يبيع سيّده هو يهوذا عاقبته الانتحار.
كانت إحدى القدّيسات، وأحسبها تريزيا الكبيرة الأفيليّة، “تحذّر” الرّبّ يسوع: “يا ربّ، حذار، أنا قادرة أن أخونك في أيّة لحظة!” فيا ربّ، أنعم علينا بالإيمان والأمانة والأمان، فإننا “إن لم نؤمن،(وإن لم نكن أمناء)، فلن نأمن” (عن أشعيا 7: 9).