ضريبة الاحتلال وجزية الإذلال وحرّيّة الابتهال (1 تسلولنقي 5:1 ، متّى 22: 15-21)
الأب بيتر مدروس
يكتب رسول الأمم الإناء المختار بولس إلى أهل تسالونقي – في مقاطعة مقدونيا – شمال اليونان – وإلينا نحن اليوم: “إنّ بشارتنا صارت …بعمل القوّة وروح القدس واليقين التّامّ”. صحيح أنّ بعض الأمور في إيماننا المسيحيّ صعبة ، لا لمناقضتها العقل بل لسموّها عليه وعلى أهوائنا. ولكن إذا بحثنا – حتّى من النواحي العلميّة والتاريخيّة والمخطوطاتيّة، لوجدنا “اليقين التّامّ” في الإنجيل الطاهر. وإذا تأمّلنا تعاليم يسوع الأخلاقيّة، رأينا بوضوح الشّمس، تفوّقها وتألّقها بما فيه على عقليّة قوم العهد القديم الذين نعاشرهم ونرى عندهم – بتأثير من التلمود والمؤلّفات الربابينيّة الأخرى – انعدام المحبّة للناس، والترفّع والانتقام ألف مرّة، مع أنّ الانتقام عينًا بعين وسنًّا بسنّ من زمن حمورابي، وقد أعلن المسيح أنّه يستبدله بشريعة “أدِر الخدّ الآخر” لا بدافع النذالة والبلاهة، بل وقفًا لداشرة العنف وتحدّيًا للشّرّ وللشّرّير!
ما أحوجنا إلى هذا “اليقين”، وقد انهالت على الرب يسوع والعهد الجديد والكنيسة “قوى الجحيم” مشكّكة مشوّهة مشنّعة. وفي حين فاضت التحدّيات والاعتراضات والتشكيكات – بأخطار من “أمّتنا ومن الأمم ومن الإخوة الكذبة”، غابت عند الكثير من المسيحيين ضرورة الدفاع عن إيماننا “والتبيان مدافعين عن سبب رجائنا” – وقد جهل نفر منّا كثير توصية أمير الرسل بطرس في رسالته الأولى (3: 15). وتوهّم قوم أنّ الدّهر عفا على “الدفاعيّات”، مع أنّها أصبحت ذات شأن كبير وضرورة ملحّة، بعد أن تضاربت على المسيح والإنجيل والكنيسة أمواج التشكيك وتلاطمت على الصخرة البطرسيّة.
“أدّوا ما لقيصر لقيصر ، وما لله لله!” (متّى 22: 21(
من الاتهامات والشُبهات والافتراءات أنّ المسيح والإنجيل حالمِان خياليّان تنقصهما الواقعيّة وتخدّرهما المثاليّة! ولكن في إنجيل هذا الأحد تصحيح لهذه الأفكار المغلوطة وتقويم. يركن خصوم يسوع إلى “سذاجته”، فهو حسب رأيهم رجُل “على نيّاته”، يكاد يكون مغفّلاً لبساطته! يجتمعون ، فرّيسيّين وهيرودسيّين، على خلاف ما تعوّدوا من دهرهم، ويلقون عليه شبكة وشِركًا: “أيجوز يا معلّم أن نؤدّي الجزية لقيصر؟” يستهلّون كمعشر الشرقيين بمديح هو إلى التملّق والتزلّف والخبث والانتهازيّة من الصراحة أقرب. لا تجوز على يسوع الخدعة. ويتظاهر بالبساطة سائلاً أن يحضروا له “نقود الجزية”. وبنفس السذاجة – المفتَعلة – يسأل وهو يدري الجواب: “لِمَن الصورة والكتابة؟” وأحسبها صورة طيباريوس قيصر والكتابة “طيباريوس ابن أوغسطوس “الإلهي”. ونعرف بعد ذلك وصيّته الخالدة: ” ما لقيصر لقيصر !”
يفضح يسوع خبث مخاطبيه وعبث سؤالهم. دفع الجزية أمر مفروغ منه، شاء من شاء وأبى من أبى! الكلّ يدفعها وهو صاغر، فروما لا مزاح معها. وأقرب سجن – مع الإهانات – كفيل بالمتمرّدين المتفلسفين. عبر التاريخ تجرّأ أحد العبرانيين ، يهوذا الجولانيّ، وأعلن رفض الجزية فدفع الثمن غاليًا (يوسيفوس، “العاديات اليهودية “18 ، 1 – 1 ، “الحروب اليهودية” 2 ، 8 ، 1. يبيّن يسوع – الذي توهّموه عائشًا في الأوهام – أنّ السؤال غير وارد. ويرفع مستوى الحديث: من استفسار استفزازيّ إلى عبرة روحانيّة: “أدّوا ما لله لله”!
نعيش اليوم في الأرض المقدّسة تحت الاحتلال، وقد طال. وفي أجزاء من سورية والعراق ومصر يُطالَب المسيحيون بالجزية. ولحسن الحظّ أدرك الكثيرون أنّها مبدئيًا لا تجوز عليهم، فليسوا اليوم في حرب مع المسلمين، بل هم مواطنون يقفون في أوطانهم مع إخوتهم المسلمين، دفاعًا عن الموطن الواحد الذي كان لهم – وما زال- فضلٌ في إعماره كبير.
أمّا إذا استطاع الإنسان بالوسائل السلميّة الحضاريّة إزالة احتلال، أو رفض جزية أو الاعتراض على ضرائب زائدة – خصوصًا تلك التي تستفيد منها شعوب أخرى أو بشر لا يستأهلون أن يأكلوا تعبنا، فهذا في المسيحيّة مشروع لأنّ “المحبّة لا تفرح بالظلم بل تفرح بالحقّ” (قورنثوس الأولى 13: 6(.
أعاننا المسيح الرب أن نتخلّص من نير الخطيئة واحتلال الشهوات، وقد دفعت البشريّة للنزوات والحروب ضريبة باهظة. ولنطلبنّ من المسيح أن يُنعم علينا “بأن نخدمه بلا خوف بالقداسة والبِرّ، جميع أيّام حياتنا” فنحظى أخيرًا “بأن نعيش حياة وادعة مطمئنة ، بكلّ تقوى وكرامة”.