طوبى لنا إذا بشّرنا بالإنجيل: ولكن كيف؟
الأب بيتر مدروس
لا حاجة بنا في هذه الفترة الدّامية للتّعليق على سِفر أيّوب البارّ – وكان شيخًا عربيًّا ، نحن الذين نالوا وما يزالون “قسطنا من الآلام كجنود صالحين للمسيح يسوع” ( 2 تيم 2 :3) وأيّوب يذكّرنا أنّ “حياة الإنسان على الأرض تجنّد” ( أي 7: 1) وهو مثل الأجير! أي ليس صاحب البيت الذي هو الرّبّ. وليست حياتنا نحن معشر الشّرفاء أو الذين يحاولون أن يكونوا كذلك – ليست حياتنا مثل “الأجراء” بمعنى “المرتزِقَة” الذين هم نفر رخيص من البشر المستعدّين للقتل وحتّى للموت في سبيل المال أو الشّهوة. وقد رأيناهم في الأفلام ومع القراصنة، وفجأة تفوّق الواقع على الخيال وصُعقنا بوجود بشر هذه صفاتهم : لا قلب ولا رحمة، وتفنّن في القساوة والتنكيل والبطش والتمثيل في الجثث وما إلى ذلك من فظائع…
“الويل لي إن لم أبشّر ! ”
بسيطة : في بلادنا يمنع قانون “التّكفير والهجرة” أو ما يشابهه تبشيرنا لغير المسيحيّين. وما من بلد عربيّ أو إسلاميّ سنة 1948 وافق على المادّة الثّامنة عشرة من “وثيقة حقوق الإنسان” المطالبة بحرّيّة الضّمير أو “الحرّيّة الدّينيّة” ،ما خلا تونس بورقيبة المتأثّر حينها بالثّورة الفرنسيّة وبنوع سليم من العلمانيّة. وعند “أبناء عمّنا” اليهود قانون منذ سنة 1979 يمنع التّبشير المسيحيّ ، لا اليهوديّ ولا الإسلاميّ ولا الدّرزيّ ولا البوذيّ.
عندنا ما يكفي من العمل الرّسوليّ التّبشيريّ -وما يزيد- مع مسيحيّينا ، “اسم الله عليهم”! أوّلاً علينا تبشير عدد كبير من البشر الذين يأتون حتّى إلى الكنيسة ، ناهيكم عن الذين لا يأتون ، وهم مع الأسف الأكثريّة (على الأقلّ في فلسطين “أقدس أرض”). التّبشير يبدأ في البيت ثمّ الرّعيّة ثمّ المدرسة. ويزيد المرء هنا ضرورة تبشير للمسيحيين في مبنى الكنيسة نفسه : تبشير الذين يفتحون هواتفهم النقّالة الجوّالة في الكنيسة، ويرسلون الرسائل القصيرة ويتلقّونها أو يتكلّمون بالهاتف وسط كلام التّقديس، أو الذين يدخلون إلى الكنيسة ومنها يخرجون باستمرار ، والنسوة اللواتي يتساءلن عن الطبخ والنفخ والتسريحة وسائر أخبار عالم حوّاء … والدواوين والحكايات “والبلاوي الزرقاء أو السوداء”…!
تبشير مدارسنا ، بداية بهيئاتنا التّدريسيّة المسيحيّة (غالبًا اسمًا) . نعم ! ما هي مقاييسنا لاختيار مدرّسينا المسيحيين وغير المسيحيين ؟ أما أغفلنا البُعد الروحاني الإيماني لمدّة طويلة ونحن نبحث أوّلاً ، كأولياء أمور وإدارات “كنسيّة” ، على الكفاية العلميّة، وطرق جذب أكبر عدد من الطلاّب ،عن طريق برك سباحة وقاعات رياضة بدنيّة ووسائل إيضاح ودورات لكلّ العلوم والآداب واللغات (ما عدا التربية المسيحيّة!) ؟ ويبدو أن ّ بعض كنائس أو رهبنات (من غير ذِكر أسماء أو بلاد ) تؤسس مدارس فقط للّربح الماديّ (لكي تعيل إكليروسها ورهبناتها …) بحيث تقصي منهجيًّا المسيحي الفقير وتستقبل غير المسيحيّ الثّريّ …وكان عدد من مدارسنا “المسيحيّة” في الأرض المقدّسة بلا دروس دين مسيحيّ… وربّما الوضع مستمرّ إلى أيّامنا ! “سامحونا!”
هنالك ضرورة بسرعة قصوى لتبشير أطفالنا منذ نعومة أظفارهم، وتعليمهم المفردات المسيحيّة في التّحيّة والعقائد والأخلاق والممارسة المسيحيّة. فاليهوديّ والمسلم يحيّيان بعبارة “السلام عليكم” والسيّد المسيح نطقها أيضًا . ونحن باستطاعنا أن نحيّي بعضنا بعضًا بلفظتَي”سلام المسيح!” ولنتعلّمنّ ولنعلمنّ كيف يُخاطَب الكاهن، ونحن نأخذ من الكنيسة الآراميّة دروسَا بليغة بطلبها من الكاهن : “بارخ مور أبون” أو “بارخ مار أوون”: ” بارك يا أب !” ويجيب الكاهن : “بارككم الرب!” أو كما يقول المسيحيون اللبنانيون عندما يرون كاهنًا : “المجد لله” والبولنديون “ليتمجّد اسم سيّدنا يسوع المسيح” أو آخرون “بركاتك أبونا” والأرمن “آزركم الله ” ويجيب الكاهن : “حفظكم الله” (“أسدفادز أوكناغان” – “أسدفادز باهابان”). وكان أهل القدس القدماء خصوصًا من المسيحيين يحيّون الجالسين بقول العابر أو القادم : “الله معكم” ويردّون عليه : “الله يحفظك!”
إتقان التّربية المسيحيّة خصوصًا في حصص “الدّين المسيحيّ” والتّشديد عليه ، لدى الكبير والصّغير ، ليس فقط أنه “المادّة الأساسيّة” بل الهدف الأوّل من تأسيس المدرسة! ولكن يبدو أننا قد نسينا – ودخلت أهداف أخرى وتداخلت الأمور …
مع قداسة البابا بندكتوس السّادس عشر العبقريّ المقدام
ما دامت حبريّة قداسته طويلاً ،وكانت نحو سبع سنوات خصبة غنيّة بالوضوح والشجاعة والغيرة الرّسوليّة وقول الحقّ، من غير خشية “لومة لائم” كما يقول إخوتنا المسلمون. كلمته حادّة كالسّيف ، شاء من شاء وأبى من أبى. ما عرف لفًّا ولا دورانًا ، وفي نفس الوقت تألّق بالتواضع ومعرفة قدر نفسه، فاستقال عن السّدة البطرسيّة، بعد أن أدرك أن صحّته وسنّه وقدراته الذهنية والعاطفية ما عادت تسمح له بحمل مفاتيح مار بطرس الثّقيلة. هذا الحبر الجليل أعلن برؤية ثاقبة “سنة الإيمان” وقد وعى تمام الوعي مصيبة أيّامنا في الغرب، وحتّى في بعض مناطق من الشرق، وهي الإلحاد والمادّيّة والأبيقوريّة مع “دكتاتورية النسبيّة”. كما دعا الأساقفة الكاثوليك إلى سينودس حول “التبشير الجديد ” للمسيحيّين، ممّا لا ينكر ضرورة تبشير غير المسيحيين على الأقلّ بشهادة حياتنا وشهادة دمائنا.
لا، لا يخافنّ العالم الإسلاميّ من “تبشيرنا” ،فنحن مشغولون “إلى شوشتنا” أي إلى أعلى شعور رؤوسنا (أو إلى قمم رؤوسنا إذا أصابنا الصّلع!) في إعادة تبشير مسيحيّينا ،بداية بأنفسنا وبسائر مسيحيينا “الطّيبين” الذين يُخجلنا نفر منهم كثير، ويحرجوننا ويخيّبون آمالنا، خصوصًا من القوم الذين يعملون في أديرتنا ومدارسنا، ويكرهون الكنيسة “على المسبحة”، إمّا من باب نكران الجميل أو الاستكبار “والنمردة”، أو لأنهم أحيانًا يرون منّا، نحن الإكليروس والرهبنات، قساوة أو سوء تصرّف أو قلّة إدارة أو محاباة أو إصرار على الغلط والشّطّ – لا عذر لنا فيها، كما لا عذر لهم في عدم احترام الكهنوت أو الرهبنة ،وعدم الإقبال إلى الكنيسة بسبب هذه الذرائع الواهية.
خاتمة
كلّ العالم العربيّ أو معظمه تحوّل إلى “أيّوب” المتألّم. ونسأل المسيح ربّ الآلام والقيامة أن يشدّدنا “وكما تكثر في المسيح يسوع آلامنا ، فلتكثر فيه تعزيتنا” ( عن الثانية إلى القورنثيين 1: 5). ولنعيدنّ بنعمة الله تبشير مسيحيّينا، ولسان حالنا حضّ الرسول بولس لتلميذه ابنه الروحاني تيموثاوس ( 2 تيم 2: 8، 9، 11): “أُذكُر يسوع المسيح القائم من بين الأموات وكان من نسل داود حسب بشارتي (بشارتنا) الّتي في سبيلها أعاني (نعاني) المشقّات … إذا مُتنا معه ، حُيينا معه ، وإذا صبرنا ، ملكنا معه”!