عظة الأحد 3 للسنة أ (البطريرك بيتسابالا)
البطريرك بيتسابالا
متّى ٤: ١٢ – ٢٥
يروي المقطع الإنجيلي لهذا الأحد بداية خدمة يسوع العلنيّة، الخطوات الأولى لملكوت الرب، الّذي يقتحم حياة البشر، بفضل مجيء الإبن في وسطهم.
يرد المقطع الإنجيلي الخاص بهذا الأحد في بشارة متّى، مباشرة بعد رواية التجارب الّتي تعرّض لها يسوع في البرّية، أي بعد اللحظة الّتي يختار فيها يسوع لرسالته طريق الطاعة المتواضعة، وهذا هو نمط الخادم الّذي يبذل حياته من أجل الإخوة.
وبعد التسلّح بهذا الخيار القويّ، يبدأ يسوع العمل الّذي قد أُرسِل من أجله.
قام بذلك عندما علم أنّه تمّ القبض على يوحنّا: “وبلغ يسوع خبر اعتقال يوحنا، فلجأ إلى الجليل.” (متى ٤: ١٢). وكأني بـ متى يقول أنّ اعتقال يوحنّا هو بمثابة حدث حاسم: لقد كانت رسالته تتمثّل في إعداد الطريق للمسيح، وإيقاظ الأمل في انتظاره. والآن فإنّ سابق المسيح قدّ أتمّ رسالته، وبالتالي يخرج من الساحة. إذ حان الوقت كي يدخل هذه الساحة الشخص الّذي كان قد شهد له يوحنّا.
ولكن ليس يوحنّا وحده هو الّذي يخرج من الساحة على هذا النحو، بل هكذا يفعل جميع الأنبياء، دافعين حياتهم ثمنا لجرأة كلماتهم. يسوع، الآن يتأمّل في الشاهد ويبدأ رسالته، الّتي سوف تتمّ بنفس الطريقة، فهو أيضاً سوف يُسلّم (راجع متى ٢٦: ١٦ وتابع) ويُقتل، باذلاً حياته أيضاً.
وأوّل شيء يفعله يسوع هو اختيار المكان المناسب لبدء رسالته وهو الجليل.
من المثير للاهتمام استخدام الانجيلي لمصطلح خاصّ كي يعبر عن بدء الرسالة من الجليل. فهو لا يكتفي أن يقول ببساطة أنّه ذهب إلى الجليل (كما يفعل مرقس ولوقا)، بل أنه لجأ إلى هناك(متّى ٤: ١٢). نجد في متّى ٢: ٢٢ –٢٣ عبارة تكاد تكون مشابهة، حيث يتحدّث عن عودة القديس يوسف من مصر: “لكنه سمع أن أرخلاوس خلف أباه هيرودس على اليهودية، فخاف أن يذهب إليها. فأوحي إليه في الحلم، فلجأ إلى ناحية الجليل. وجاء مدينة يقال لها الناصرة فسكن فيها، ليتم ما قيل على لسان الأنبياء: إنه يدعى ناصريا“. إنّ “اللجوء” أو “الاعتكاف” هو مصطلح خاصّ بمتّى، ويشير إلى تغيير فجائي في المسار لإيجاد حيّز يجعل دخول الخلاص متاحاً: فحيث تبدو الطريق مُغلقة يفتح الرب طريقاً جديدة، يتمّ فيها اللجوء. وهكذا يكون لدينا مؤشّر أوليّ عن كيفيّة دخول الملكوت في التاريخ.
يتشابك الملكوت مع الأحداث البشريّة ويسمح لنفسه أن يتفاعل معها بشكل ما. ولكن حيث تبدو الأحداث المعاكسة أنّها تُغيّر مساره، فإنّها في الواقع لا تفعل سوى إنجاز مخطّط قديم، هو دائماً مخطّط خلاص. وتحديداً، حيث “يلجأ” أو يعتكف شخص ما، تتحقّق نبوءة ما.
يختار يسوع إذا الجليل. يختار منطقة حدوديّة، ويذهب كي يعيش في مدينة تقع على طريق التجارة والرحلات واللقاءات. يختار يسوع أن يذهب ليعيش في مكان أقرب ما يكون إلى مفترق طرق، مكان تقاطع، أي مكان سوف يمرّ به الجميع عاجلاً أم آجلاً. إنّه لا يحتفظ برسالته لقلّة مختارة من الناس، بل يفتح الباب لدخول كلّ من يمرّ به. إنّه مُتاح للجميع. يختار أن يذهب إلى أماكن بعيدة عن السلطة وقريبة من حياة الناس، على مقربة من حياة الإنسان الواقعيّة. إنّها أماكن لا يُرجى منها أيّ شيء، أماكن الناس الضائعين. وهي أماكن نتعرّض فيها في كل خطوة إلى النجاسة بالمفهوم الديني، وهي حالة يكاد يكون مستحيلاً إرضاء الربّ وفقاً لشروط معيّنة. من هناك يبدأ يسوع.
ماذا يفعل يسوع في كفر ناحوم؟
يحتفظ متّى بآية قصيرة لكرازة يسوع، ولكنّه ينتقل مباشرة إلى أول عمل هامّ له. وهذا العمل ليس طرد الأرواح الشرّيرة، وليس اجتراح معجزة أو شفاء. إنّ أوّل عمل ليسوع هو دعوة التلاميذ. انّنا نقول أن يسوع يذهب للقاء الناس، ولكنه يبحث، لدى الناس، عن علاقات شخصيّة وفريدة من نوعها.
إنّه يهتمّ بالجميع، ولكن ليس بشكل عام: بل يلتقي بهم واحداً واحداً. وهذا اللقاء هو بمثابة دعوة إلى السير خلفه، لأنّ السير هو الملكوت، وهو الخلاص.
يدعو يسوع خاصّته أن يتبعوه كي يُصبحوا “صيّادي بشر” (متّى ٤: ١٩). يدعوهم إلى أن يجعلوا حياتهم الشخصيّة هبة للآخرين. هذا هو الشفاء. يقوم على التعلّم كيف نعتني بإخوتنا، وكيف يأخذ خلاص الآخرين المكان الأوّل في قلوبنا.
يمكن أن يحصل هذا بأشكال عديدة جدّاً، في كلّ شكل تعرضه المحبّة علينا، ولكن بالبعد الوحيد، وهو أن نكون أدوات للشركة والوحدة، كي يحيا البشر في حالة تصالح وتوافق مع بعضهم.
يقودنا المقطع الإنجيلي لهذا الأحد إلى مفترقات طرق الحياة تلك، حيث نلتقي بالآخرين ونتعلّم كيف نعتني بهم. ويدعونا إلى البقاء هناك، وأن نعتكف هناك، كي لا يكون هناك حيّز لروح الشرّ الّذي يقسّم الإخوة.
هذه هي التوبة (متّى ٤: ١٧) الّتي يدعو إليها يسوع!
هذا هو النور العظيم الّذي يشرق على ظلمات (متّى ٤: ١٦) البشريّة، الّتي هي في كثير من الأحيان غير قادرة على هذا الحبّ.
وهكذا نعاين المشهدين اللذين يُشكّلان هذا المقطع الإنجيلي:
في المشهد الأوّل نجد يسوع ينطلق في البحث عن البشر؛ وفي المشهد الثاني ينحسر ميدان الحديث على التلاميذ، كي ينفتحوا من جديد على أولئك البشر الّذين أصبحوا لهم صيّادين.
هذه هي ديناميكيّة الملكوت، ديناميكيّة تخرج من ذاتها نحو الآخرين؛ وبوصوله إليهم، يدعوهم للقيام بذات الشيء، في دائرة تتّسع وتحمل الحياة إلى مجالات أبعد وأبعد.
+ بييرباتيستا