عناد بدأ كفرًا وانتهى إيمانًا!
الأب بيتر مدروس
عندما يقرأ المرء الإنجيل الطّاهر كما ألهمه الله وأوحى به – في حرفه الرابع – إلى الرسول الحبيب يوحنّا، يستنتج عدم تصديق توما التلميذ العنيد لقدرة يسوع على القيامة. ولكن تجدر الإشارة أيضًا إلى أنّ توما لم يصدّق زملاءه الرسل مع أنّهم ما كانوا أصحاب مصلحة إذ أعلنوا له :”رأينا الرب”!
عدم تصديق الرسل وخلفائهم
من الحيل الشيطانية ومكايد العدوّ الجهنّميّ التّشكيك في المسيح – كما تفعل مؤخّرًا إحدى “المتهوّدات” من بنات النيل وسواها . ولهذا قال الرب :”طوبى لمن لا يشكّ فيّ “. ولا مجال للريبة في شأن يسوع، ولا للتردّد، إذ يعلم الصديق والخصم أنّه نزيه ناصع السيرة استطاع أن يتحدّى خصومه الألدّاء :”مَن منكم يُثبت عليّ خطيئة؟” ومن “توابع” تلك الحيلة التشكيك في الرسل – كما فعل توما – وخلفائهم الأساقفة والكهنة. ومن خبرتنا الشخصيّة ككهنة في العمل الراعويّ ، نرى المتشبّعين من البدع أو من مذاهب أخرى يثقون ثقة عمياء بدعاة تلك المجموعات، ولا يثقون بكلام الكهنة، ويتّخذون من الإكليروس الرسولي مواقف عدائيّة سلبيّة. وفي هذه التصرّفات السلبيّة – التي بموجبها يرفضون النقاش، أو الاستماع أحيانًا – يقترفون عدّة أغلاط، ويخالفون المنطق والنّزاهة في عدّة ميادين ، منها :
1- الإكليروس عادةً متعلّم مثقّف في أمور الكتاب المقدّس ولغاته الأصليّة يدرسه أعوامًا طويلة في الإكليريكيّات . ومع ذلك يأنف المتأثّرون بالبدع والمذاهب أن يستمعوا إليه ، أو أن يتابعوا معطياته العلميّة الأكيدة ، ويتبعون بشرًا يكونون غالبًا إمّا من “الأمّيّين” ، الذين يقول عن أمثالهم النصّ القرآني أنّهم “لا يعرفون الكتاب إلاّ أماني” ، ولا يعرفون أيًا من ألسنة أي لغات الكتاب المقدس الأصليّة، بل يجد قوم منهم أحيانًا صعوبة في قراءة العربيّة، خصوصًا عندما تكون ثقافتهم – إن وُجِدت – أمريكيّة مثل جوازات سفرهم.
2- لا يصدّق المحشوّة أدمغتهم، أو حتّى نفر من المؤمنين “العاديّين” الكهنة، ويتبعون دعاة ذوي مصالح ومكاسب مادية طائلة، إذ تساوي ميزانية أحدهم ميزانية أبرشية كاملة عندنا! ومعروف أنّ الكنيسة الرسولية أو “التقليدية” تصرّ – خصوصًا مع البابا فرنسيس- على الفقر الطّوعي ليس فقط في الرهبنة (وهي غير موجودة عند الفئات “الحرّة” الحديثة المُحدثة) بل أيضًا عند الإكليروس العلمانيّ ، والتكريس لله في البتولية أو “العزوبيّة” ينساه خلق كثير ولا يُقدّرونه، مع أنّ السيّد الرّب تنبّأ عن “خصيان من أجل الملكوت” (متّى 19 : 12) ، وهي ظاهرة سامية رفيعة، لا نجدها إلاّ نادرًا عند دعاة الفئات الحديثة المُحدثة، في حين نجدها مزدهرة منذ عشرين قرنًا في الكنيسة الرسوليّة ، وما زالت ، رغم الهفوات والتجاوزات.
3- التشكيك في تعليم الكنيسة، وبالذات تعليم الإكليروس الكاثوليكي والأرثوذكسيّ ، بذريعة الفساد عند بعض أفراده أو – مع الاحترام للكهنوت – مخالفة الوصايا وبالذات في مسألة التحرّش. وهنا ، يجب أن يُعيد المرء إلى الأذهان، أنّ نظام الكنيسة الكاثوليكية والأرثوذكسيّة الهرمي – مع الضعف البشريّ – ضامن للانضباط والرّدع والعقاب (كما نرى خصوصًا مع البابوَين بندكتوس السادس عشر وفرنسيس) مليون مرّة أكثر من الفوضى في التعاليم (التي شكا منها مارتين لوثير نفسه) ، والفوضى في التصرّفات من غير ضبط، خصوصًا عندما يكون الداعية وحده المرجع والسلطة ، لا يُطيع أحدًا ، ولا يقدّم لأحد تقريرًا (إلاّ للّذين يموّلونه). وفعلاً قامت “كنائس” – وتقوم – تحمل أسماء “أصحابها” كقولك “فندق كذا لصاحبه فلان” : كنيسة “توني آلامو وزوجته” أو “جيري فالويل” أو “جيمي سواغرت” وثبتت فضائح كثيرة ، وكلّها تُثبت ليس فقط تناقضات “التفسير الفردي للكتاب ” المخالفة لوصيّة مار بطرس ( 2 بطرس 1 : 20) بل أيضًا الانفلاتية التي لا ضابط لها.
“ربّي وإلهي!”
آمن توما ليس فقط أنّ يسوع قام بالجسد المصلوب نفسه – ولا معنى آخر لفعل “قام”. وربّما يقول قوم أنّ الفعل اليوناني هو “أُقيم” في عدد من آيات العهد الجديد. لاهوتيًّا الطبيعة الإلهيّة التي تسكنه جسديًّا (عن قولسّي 2 :9) أقامت جسده.
ها إنّ توما العنيد يعلّمنا – لو كنّا أكثر منه عنادًا و “أدقّ رقابًا” – أنّ المصلوب القائم هو الرّبّ والإله بحيث أنّه “قام” بقوّته.
خاتمة
ما أحوجنا إلى إيمان وازدياد في الإيمان، في عصر يتشدّق قومه أنّهم “عقلانيّون” و”نماريد”. فلننظرنّ إلى اعتراف توما العنيد!
