Liturgical Logo

عيد يسوع الملك (أ. مدروس)

الأب بيتر مدروس

لا يعني مُلك المسيح استعبادًا لنا ولا استغلالاً، فلا مصلحة ليسوع عندنا ولا يزيده مدحنا مجدًا ولا يدرّ عليه إعجابنا مالا! بل “هو الغنيّ افتقر لأجلنا” وهو السيّد ” أخذ صورة العبد” (عن فيليبّي 2: 5 وتابع). وجعلنا مملكة من الكهنة والملوك والأمراء الروحانيين (عن بطرس الأولى 2: 8 وتابع) . دعانا أحبّاءه وأصدقاءه لا عبيده. وما بقي عندنا من عبوديّة سوى الخطيئة التي نقترفها (يوحنّا 8 : 34). وما من عبوديّة اختياريّة مُشترَكة إلاّ بالمحبّة المتبادلة، كما كتب رسول الأمم الإناء المختار بولس (غلاطية 5: 13).
وبالفعل بتحرير السيّد المسيح للبشريّة ولا سيّما للمرأة، ما عاد الرجُل (بالمذكّر) عبدًا ولا المرأة أمة لعبد. وليست صلاتنا التي علّمنا يسوع إيّاها، خصوصًا نحن القادمين من الوثنيّة أي الأميّين الذين كانوا من “المساخيط” والأنجاس ، ليست: “يا سيّدنا وربّنا الّذي في السماوات ” بل “أبانا الّذي في السماوات” (عن متّى 6: 9 وتابع) حيث دمّر يسوع الناصريّ الاحتكار اليهوديّ للبنوّة نحو الله والاحتكار العبريّ للأبوّة الربّانيّة إذ توهّم معشر العبرانيّين أنّ الله أبوهم وحدهم فقط وسيّد على ال”جوييم” الّذين هم لليهود “عبيد مناكيد” لله ولليهود “عياله”!
وتتألّق في المزامير كرامة الإنسان – الأمير، الابن الروحانيّ لله الذي كلّل ابن آدم “بالمجد والكرامة” (مزمور 8: 6 ب). وتسطع الطبيعة الملوكيّة للرجُل والمرأة في الزواج المسيحيّ في الكنيسة المقدّسة “عروس المسيح” حيث “يتكلّلان”، مَلكًا ومَلكة، لا تكون هي له أمة ولا هو لها عبدا، فلا تستطيع هي أن تطلّقه ولا هو أن يطلّقها، لا يتزوّج “عليها” أي سواها في حياتها ولا تتزوّج هي عليه في حياته.
خلّصنا يسوع من عبوديّة أحكام الشريعة الموسويّة الخارجيّة الطقسيّة من ختان ووضوء وتمييز بين المأكولات وتعقيدات حاخاميّة (نشاهدها حتّى اليوم في فلسطين وبالذات في الأحياء “المتديّنة”) لها أوّل وليس لها آخر حول السبت وطهارة الجسد – وخصوصاً عند بنات حوّاء!
حرّرنا المسيح الملك من “الثيويقراطيّة” المزيّفة القاتلة التي تحكم البشر باسم الله والتي تقتل الآثمين وال “جويم” طلباً للطهارة وللحفاظ على الإيمان!

“يسوع المسيح الشّاهد الأمين” (رؤيا 1: 5)
لا تقلّل هذه العبارة من شأن السيّد المسيح كأنّ لا حقّ له بأن يشهد له أحد بما أنّه هو نفسه “شاهد”. كإنسان يشهد هو للطبيعة الإلهيّة التي تسكنه جسديًّا بملء اللاهوت (عن قولسّي 2: 9) وقد كلّفته شهادته بأنّه “ابن البشر الآتي على سحاب السماء” حياته أمام الكاهن الأعظم (عن دانيال 7: 13 – 14). وكإله يطلب الرّب يسوع أن يشهد رسله وتلاميذه وسائر المسيحيين له: “ستكونون لي شهودا” (أعمال 1: 6 وتابع) مستشهدًا بنصّ من العزّة الإلهية يقول فيه الإله الواحد الذي لا ثاني له ولا ثالث للعبرانيين أنّهم هم “شهوده” لدى الوثنييين (أشعيا 43: 10 – 12). فالمسيحيّون شهود المسيح في حين “شهود يهوه” الحقيقيّون كانوا اليهود في عهد أشعيا النبي (43: 12).

“ليست مملكتي من هذا العالم” (يوحنا 18: 36)
إعلان يسوع لبيلاطوس أن مُلكه ليس من هذه الدنيا يعني أنّ المسيح شخصيًّا ليس ملكًا دنيويًّا مبنيّة مملكته على عناصر أو عوامل بشريّة منها الوراثة والنسب وأحيانًا التخلّص من الأعداء والمنافسين، وقوام مملكة يسوع ليس لا المال ولا الجاه ولا الحريم مثل بعضهم ولا الهيمنة العسكريّة أو السياسيّة والنفوذ الدبلوماسي. بل عرشه الصليب وصولجانه التواضع وسلاحه اللطف وتاجه العفّة الكاملة.
لا، لا يجوز للمسيحيين الحقيقيين أن ينسوا أوطانهم أو يتجاهلوها أو يتنحّوا – وكأنهم نسّاك – عن الحياة العامّة من اجتماعيّة وإداريّة وسياسيّة بذريعة ملك المسيح الروحانيّ. بل عليهم حب الوطن وقد حزن يسوع لأن “لا كرامة لنبيّ في وطنه” وبكى المدينة المقدّسة – عاصمة مسيحيّتنا ولاحقًا عروس عروبتنا منذ القرن السابع الميلادي! والآباء في العهد القديم ما استهانوا بالموطن حتّى عندما رأوا أن “الوطن السماويّ أفضل” (عن عبرانيين 11: 16). والمسيحيّ مدعوّ أن يعيش في العالم لا خارجًا عنه مع أنّه ليس منه (يوحنا 17). نحن مدعوّون أن نكون “ملح الأرض” لا خارج الطعام بل فيه، و”نور العالم” في هذه الدنيا لا على كوكب آخر ولا في “جزيرة الكنز” شأن المتوحّد روبنسون كروزو ، وعلينا أن نكون “الخميرة في العجين” لا بجانبه ولا عنه بعيدا!
خاتمة
لتكن حياتنا تحقيقًا للدعاء المؤثّر المأثور :”ليأتِ ملكوتك”!