Liturgical Logo

فالدنيا “باطلة”

البطريرك بيتسابالا

نحن نشعر جميعاً بهشاشة الدنيا وسرعة زوالها. إن أردنا أن نستعمل كلمة من سفر الجامعة فالدنيا “باطلة” وعمر الإنسان يبدأ وينتهي بنفخة (الجامعة ١: ٢). لا نستطيع التحكم بالدنيا أو التمسّك بها بأيدينا فهي ليست ملكاً لنا.

نحن ندرك ذلك تماماً وهذا يتطلب منّا فهم كيفيّة عيش الحياة بهشاشتها وعدم استقرارها. هنا علينا التفكير مليّا: هل يجب ملء حياتنا بالأشياء المادية لكي نشعر بوهم النجاح والآمان أم علينا أن نتّبع طريقاً آخراً؟

في الانجيل المقدس، يطلب رجل من يسوع أن يلعب دور القاضي من أجل تقسيم ميراث والده بالتساوي مع أخيه. لكن يسوع يحوّل الإهتمام إلى أمر أكثر أهمية من ذلك، إذ أن المشكلة بين الأخويْن لن تحل بمجرد تقسيم الميراث عليهما بالتساوي ولكن من خلال تحرير قلبيهما من الرغبة الدائمة في التملّك. وإلا ستبقى علاقتهما مهددة بالشجع والشهوة اللتين لا يمكن اشباعهما.

إن الاعتماد على التعاليم الأخلاقية التي تحث على الفقر والتضحية بالنفس لكي نكون مثالاً جيداً يحتذى به هو أمر غير كاف، فعلينا فهم ماهية الحياة والدنيا والغنى الحقيقي الذي يمنحنا الآمان. نحن نستطيع الحصول على كل ما نريد ولكن هذا لا يعني أننا سنحصل على الحياة. “احذروا وتحفّظوا من الطمع. فمتى كان الإنسان في سَعَة، لا تكون حياتُه في أمواله” (لو ١٢: ١٥).

ولشرح هذه الحقيقة ضرب يسوع مثلاً للجمع الذي أحاط به وليس فقط للذي وجّه له السؤال. ومن الواضح أن هذه المشكلة تخصّنا جميعاً ولا تخص شخصاً واحداً فحسب.

كان هنالك رجل غني. بالإضافة إلى ثروته الطائلة، غلّت له أرضه محاصيل وافرة. تساءل ماذا عليه أن يفعل لخزن هذا الخيرات الوافرة . فقرر بناء مخازن كبيرة لخزن جميع المحاصيل من أجل استغلالها لسنين عديدة.

من منظور يسوع كان هذا الرجل غبيًّا. لماذا؟ لأننا نجد في سفر الأمثال وصف الرجل الحكيم: “علّمنا إحصاء أيامنا، لعلّنا نتعقّل بقلبٍ حكيم” (أمثال ٩٠: ١٢). الرجل الغبي يحصي خيراته وثروته أما الرجل الحكيم فيقوم بإحصاء أيامه، عالماً بأنها محدودة وأن الدنيا باطلة. كما ويَعلم أيضاً محدوديّته وتواضعه وضعفه.
بينما الشخص الذي لا يُحصي أيامه فهو غبيّ كالرجل الغنيّ الذي ورد ذكره في المثل، يعتقد أن ليس له حدوداً، بل إنه مخلّد. فهو يقول لنفسه: “يا نفس، عندك خيرات كثيرة مخزونة لسنين عديدة، فاستريحي وكلي واشربي واطربي” (لو ١٢: ١٩). لكنّه لا يعي أن موته أقرب من ذلك بكثير.

إن من يعتقد أنه بجمع الثروات يُبعد الموت عنه هو في الواقع وبطريقة ما يقترب منه. ففي المثل الذي سرده يسوع، انتهت حياة الرجل الغنيّ. لا يتكلّم إلا مع نفسه ولم يعد يستثمر في أي شيء. بالنسبة إليه توقف الوقت عن المرور ولم يعد يتحرك.

أما المؤمن فهو الشخص الذي لا يُبقي شيئاً لأنه في حركة دائمة. ومن هذا المنطلق يذكر سفر الخروج أن المنّ لم يدم للذين كانوا يجمعونه إلا ليوم واحد. كانت هذه طريقة لتعليم الناس الثقة بالله.

لكن الأمر الجليّ هنا لا يتمثّل فقط بترك الأشياء وعدم إبقائها. فالسيد المسيح في الآية ٣٣ يطلب منّا أن نبيع ما نملك لكي نكتشف الغنى الحقيقيّ. علينا ألا نملأ فراغات حياتنا بالأشياء الكثيرة بل أن نترك الفراغ فراغا وأن نخلق داخلنا حيزًا فارغًا، هو حيز الثقة والعطاء، حيّز الغنى الحقيقي الذي سيمكّننا من الحصول على الحياة الأبدية.

يحتوي الانجيل على حركتين: حركة الذين يحبّون التملّك (كالرجل والشاب الغني، ويهوذا…) وهي حركة الموت. أما حركة من يعطي من دون حساب (الأرملة الفقيرة، الخاطىء المغفورة له خطاياه، وزكّا العشّار…) فتمثّل حركة الحياة.

وقد كان السيد المسيح أول من دخل هذه الحركة. هو الرجل الغنيّ الذي أصبح فقيراً وأخلى نفسه (فيلبي ٢) لكي يُعطي كل ما يملك. وأتاحت حركة العطاء ليسوع أن يحصل على اسم مجد أبدي، اسم “الرب” الذي انتصر على الموت.

من هنا تلد الأخوّة الحقيقيّة التي لا تكتفي بالعدالة في تقسيم الخيرات بالتساوي كما طلب السائل من يسوع، بل إنها الأخوّة التي تجعل من التقدمة المجانية طريقًا إلى الحياة الأبدية، لجميع الناس.