Liturgical Logo

فلنبدأ بباكورتين

البطريرك بيتسابالا

فلنبدأ بباكورتين.
في انجيل الأحد الماضي (لوقا ١٢: ١٦ – ٢١)، قرأنا مثل الرجل الغني –والغبي– الذي اعتقد أن باستطاعته عيش ما تبقّى له من الحياة في الترف والتمتّع بما جمعه. اعتقدَ أن لديه كل شيء، وأن كل ما يمكن أن يحدث له قد حدث. وهكذا فإن هذا الرجل لم يعد ينتظر أي جديد، لم يعد ينتظر شيئاً ولا أحداً.
أمّا الباكورة الثانية فمرتبطة بكون الأناجيل الإزائيّة الأخرى (مرقس ومتّى) تضع جميع الآيات ذات الطابع الإسكاتولوجي (الأخروي) – أي التي تتطرق إلى السّهر والإنتظار ونهاية الأزمنة وعودة الربّ في المجد– في نهاية روايتها، قبل رواية الآلام مباشرة. ولهذا، بطبيعة الحال، مغزى: فيسوع، قبل أن يترك تلاميذه، أراد أن يعطيهم تعليماً عن زمن الإنتظار، ذلك الزمن الذي عندما يشعرون فيه بغيابه عنهم، يدركون أن عليهم أن يصيروا فيه بنائين لملكوت الله وسط التاريخ.
من ناحيته، “يدرج” الإنجيلي لوقا تلك الروايات، وبأسلوب يحمل على التعجّب، في أماكن مختلفة من انجيله: فما سمعناه اليوم في الفصل الثاني عشر، يوجد أيضاً في منتصف انجيله. كما وتظهر لاحقاً في الفصل السابع عشر (الآيات ٢٠ – ٣٧)، آيات أخرى ذات طابع اسكاتولوجي أيضاً. وأخيراً تظهر آيات من هذا القبيل في الفصل الحادي والعشرين الذي يسبق رواية الآلام.
لماذا يتّبع لوقا هذا الأسلوب في السّرد؟ ربما لأنه يرغب في أن يعتاد التلاميذ على الفكرة التي تقول بأن عودة الربّ لن تحدث فقط عند نهاية الأزمنة، بل أنّها “تندرج” في التاريخ، وأن الإنتظار ليس فقط انتظار اليوم الذي فيه سيعود الربّ، وهي لحظة نهائية وبعيدة – بعيدة إلى حدّ أنها لا تُعنى بالحاضر–، بل هو انتظار يومي، انتظار يُفسح في اللحظة الحاضرة مكاناً للرب الذي سيأتي.
عودة يتم التحضير لها وعيشها كل يوم، لأن الربّ هو “ذاك الذي سيأتي“. بحسب سفر الرؤيا، فإن هذه العبارة: “ذاك الذي سيأتي“، هي اسم يُدعى به الله، هي اسم الله الذي يتكرّر أربع مرّات (رؤيا ١: ٤؛ ١: ٧؛ ١: ٨؛ ٤: ٨).
يتحدّث يسوع عن نهاية الأزمنة في ثلاثة أمثال: مثل الخدّام الذين ينتظرون عودة سيّدهم من العرس، ومثل السارق، ومثل الوكيل الذي عهد إليه سيّده بادارة أمواله أثناء غيابه.
مع الأخذ بعين الإعتبار بعض الإختلافات الطفيفة، يصبّ كل من المثلين الأول والأخير تركيزهما على مسألة الإنتظار والخدمة، بينما يصب ّالمثل الثاني تركيزه على الطابع المفاجيء لعودة الربّ، والذي يشبه مجيء السارق.
وهكذا، بينما لم يعد الرجل الغني والغبيّ – الذي تُليت قصّته على مسامعنا يوم الأحد الماضي–، ينتظر شيئاً ولا أحداً، فإنّ يسوع يحدّثنا عن الحياة بعبارات مغايرة تماماً، وكأنها “مجيئه هو” بالذات. إن الحياة ليست بزمن مكتمل، ومليء، وكأن كل شيء قد حدث وتمّ. بل هي باستمرار زمن انتظار وتهيئة للآخر.
تخبرنا القراءة الأولى (سفر الحكمة ١٨: ٦ – ٩) أن لهذا “الآخر” وجه الفصح. الحياة هي مثل ليلة إنتظار. لا أيّ انتظار، بل انتظار الخلاص. كل ليلة تستطيع أن تكون ليلة فصحيّة.
لهذا الأمر بالذات، نرى أن يسوع يبدأ أمثاله داعياً أصدقائه إلى التصرّف كما في ليلة الخروج من مصر والتحرّر: أي أن تكون أوساطهم مشدودة وسرجهم موقدة (لوقا ١٢: ٣٥) كمن بدؤوا بالمسير. وهكذا فإن الحياة هي تحرّر تدريجي، وانفتاح تدريجي على الربّ الذي يتفقّدنا.
ولكن، ما هي فحوى هذا التحرّر؟
يظهر موضوع هذا التحرّر في انجيل اليوم على شكل مفارقة، فهو القدرة على الخدمة.
ليس المقصود التحرّر من الخدمة، ولكن التحرّر لأجل الخدمة، أي أن نختار بحرّيّة المشاركة في أسلوب يسوع، الذي كانت سلطته كسلطة مَن أعطى كل ما لديه في الحبّ.
يشعر كل إنسان بالحاجة إلى النموّ، وإلى مَن يقدّم له المساعدة كي يصير أكثر فأكثر إنساناً. ومن هنا، فإن الحياة الجديدة للتلميذ هي حياة تضع نفسها في خدمة هذا النموّ.
لكنّ جوهر انجيل هذا النهار هو ليس موضوع الخدمة، بقدر ما هو ذلك الرابط الوطيد بين “الانتظار والخدمة“، بين حقيقتين لا يمكن الفصل بينهما: فانتظار الربّ هو الذي يحوّل في الواقع الحياة إلى خدمة للآخرين.
وهكذا، فعندما يأتي الربّ، سيكون لحياتي طابع الخدمة التي تجعل مجيئه ممكناً في الواقع وفي كلّ يوم.
فقط إذا كنت أنتظر ذاك الذي هو الخادم الذي يضع نفسه في خدمتي، وفقط إذا جعلت من طريقة حبّه طريقتي أيضاً، فإنني سأستطيع أن أعيش حياتي بذات الفرح وذات الشغف بالأشخاص والأشياء. فقط إذا كنت في انتظاره حقّاً، أستطيع أن أحبّ الحياة، حياتي وحياة الآخرين، لأنّ عودته بالذات هي التي تجعل الحياة ثمينة بهذا القدر.
يخبرنا الإنجيل أننا عندما لا نعيش الانتظار بما يكفي (“إذا قال ذلك العبد في قلبه: “إنّ سيّدي يبطئ في مجيئه“. آية ٤٥)، فإننا سنفقد شيئا فشيئاً الاهتمام بالآخرين. ويبدأ العبد بمحاربة سائر العبيد والإماء، ويبدأ بالأكل والشرب والسّكر، وتغدوا السلطة طغياناً.
عندما تفقدون الأفق لمعنى الحياة، تصبح الخدمة نيراً، ويغدو الواقع مكاناً للإغتراب والهروب.
يحتوي العهد القديم على مشهد (أيضاً في سفر الخروج) يشتمل على الديناميكيّة ذاتها: إنه الفصل الثاني والثلاثون، عندما كان الشعب متعباً من انتظار موسى (“ورأى الشعب أن موسى قد تأخر في النزول من الجبل، فاجتمع الشعب على هارون وقالوا له: “قم فآصنع لنا آلهة تسير أمامنا، فإن موسى، ذلك الرجل الذي أصعدنا من أرض مصر، لا نعلم ماذا أصابه.” الآية ١) ووقع في خطيئة عبادة الأصنام. فصنع لنفسه عجلاً ذهبيّاً، وأخذ يأكل ويشرب ويتمتّع، تماماً كالعبد الذي يذكره المثل…
لذلك فإن الإنتظار هو أيضاً مساحة للتجربة، تتيح لنا أن نختار بأن نظلّ أمناء لمّن سيعود، كما وتتيح لنا السقوط في عبادة الأصنام. إن عبادة الأصنام لهي على النقيض تماماً من الخدمة، فهي استخدام الأشياء –كالواقع والآخرين– لخدمة ذواتنا.
من هنا، فإن ما من خدمة دون انتظار… ليست المسألة في أن أجبر نفسي على الخدمة (فهذا في الواقع سقوط في عبادة الأصنام): بل نحن مدعوون إلى أن ننمّي في أنفسنا الرغبة في اللقاء، لأن هذا الموقف الذي يسكن قلبنا سيتيح لنا أن نصبح خدّاماً حقيقيين.