فلنحملنّ “حمله الخفيف ونيره اللطيف”!
الأب بيتر مدروس
عرش “الملك المسيح” مذود في مغارة (صموئيل الثاني 7 ، 1-16، لوقا 1 : 26-38)
تقدّم لنا الكنيسة اللاتينية القراءة الأولى من سِفر صموئيل الثاني(أو 2 ملوك حسب السبعينيّة ) حول داود الملك جدّ المسيح. مِثل يسوع يُولَد داود في بيت لحم. على داود تركّز سلالة يسوع في بشارة متّى ، فمجموع القيمة العددية لأحرف داود الثلاثة في العبرية هي 14 ، د = 4 ، و = 6 ، د =4 – وتُقسَم سلالة يسوع في الإنجيل الأول إلى ثلاث مرّات أربعة عشر جيلاً.
ولكن شتّان بين الملكَين : الجدّ والحفيد!
داود احتلّ مدينة يبوس الكنعانيّة احتلالاً عسكريًا نحو سنة 1000 قبل الميلاد. داود حارب وقتل. داود اغتال أوريا الحثّي زوج الجميلة بتشابع التي فتنه جمالها وأفقده صوابه وكلّفت المغامرة أوريّا المسكين حياته. لا ، لن يسمح الله لداود بأن يبني له تعالى الهيكل، فالّذي يدمّر بيوت الناس بسبي نسائهم وخطف زوجاتهم وبيع بناتهم واغتيال رجالهم وأطفالهم ليس اهلاً لأن يعمّر لله معبدًا.
“سيبقى مُلكك يا داود ثابتًا أمامي” ، يقول الرّبّ!
يتوهّم مؤسّسو العديد من الطوائف التي تنسب نفسها إلى الإنجيل أنّ ملكوت المسيح تمّ عن طريق دولة يهوديّة في فلسطين (التي يدعونها
“يسرائيل”) فهم من اسم “فلسطين” يتكهربون. وتلك كانت نبوّاتهم منذ ظهروا أي منذ القرن السادس عشر وخصوصًا في الولايات المتحدة الأمريكيّة التي أمست ، مثل بلاد العرب في الماضي -“أمّ جميع البدع”. صحيح أنّ “أبناء العرب” المنتسبين إلى هذه الجماعات يتبرأون من هذه الافكار ، على الأقلّ أمام النّاس. ولكن هذا لا يمنع أنّ هذه الأفكار هي الرئيسيّة عند مؤسسي تلك المجموعات وانها متداولة من غير خجل ولا وجل ولا إحراج في الغرب ولا سيّما في العالم الجديد حيث لا يجد المرء في الكثير من “كنائسهم” (التي هي بكُنُس اليهود أشبه) لا صليبًا ولا مصلوبًا (مع أنهما فخرنا الوحيد كمسيحيين ، غلاطية 6 : 14) بل نجمة داود والشمعدان العبريّ وعلم الكيان اليهوديّ.
ويدعو المرء هنا إخوتنا الذين تبعوا هذه الجماعات بحسن نيّة وبغير اطّلاع – يدعوهم إلى قراءة كتابات جماعاتهم ولا سيّما القديمة وخصوصًا في لغاتها الأصليّة ليجدوا فيها من غير لفّ ولا دوران صهيونيّة مفضوحة لا تغفل عنها إلاّ العيون التي تغشاها الغشاوة والقلوب التي أعميت بصائرها. فهذا “برج صهيون للمراقبة” يعترف أنه “حتّى سنة 1932 توهّم تلاميذ التوراة من جميع الأمم (أي الذين سيُسمّى الفرع الرئيسي منهم “شهود يهوه” سنة 1931) أنّ يسرائيل الحالية هي تحقيق النبوات ، وتبيّن أن ذلك تفسير مغلوط!” يا سلام! إقرأ المكتوب من عنوانه. ماذا كشف الغلط ؟ أليس وجود عرب غافلين بين صفوفها فأسرعت هيئة بروكلين اليهودية الأمريكية إلى إصلاح العطب قبل أن يشعروا بالشّطّ والخلط والصهيونيّة؟ ومع ذلك تستمرّ مجلة “برج صهيون للمراقبة” (فهذا اسمها الأصليّ) في وصف فلسطين (من غير ذكر هذا الاسم!) بأنها “أرض الميعاد” يعني بالعربي للقارىء اللبيب : الأرض الموعود بها لليهود!
وهذا كاتب “إنجيليّ” آخر ، جوش ماكدويل، يرى في الكيان اليهودي المعاصر تحقيقًا للنبوات. وعندما فُضح الأمر حذفت الإدارة الأمريكية القائمة على الكتاب حذفت منه الفصل الخامس والأخير وغيّرت حتى عنوان الكتاب ، للتمويه.
وهذا كاتب آخر “يتحفنا” بسرّ “خلاص أبديّ من عالم دينونته قريبة” وكان يُوزّع على “عربنا” الذين لا يفهمون العربيّة إلاّ أماني فلا يطالعون ما ورد فيه ، بلسان عربي واضح ، أن “اسرائيل تقف في خط التقاطع بين الله والناس ، وأن من يلعنها أو يقاومها يقاوم مخطط الله ، وان ضمّها أو “تحريرها” للقدس سنة 1967 تتميم لنبوة اشعيا”. كل هذا وأوضح – مكتوب بالعربيّة ، وعرب يطالعون ويبقون مع هذه الفئات وكأننا بهم “لهم عيون ولا يرون” ، “وعين الحبّ عن كلّ عيب كليلة”!
“السلام عليك يا ممتلئة نعمة” (لوقا 1 : 26 وتابع)
اللفظة اليونانية وهي صيغة مجهول مركّب يدل على إتمام الفعل لا تعني “المنعم عليها” (فهذه العبارة تقابل “خريتومينه”) بل “المتمم فيها الإنعام” (بكسر الألف ، في اليونانية “كخريتمونه”). وما أخطأت الترجمة السريانية البسيطة إذ نقلتها “مليئاه دي طايبوثو” اي “الممتلئة نعمة”.
تسأل السيدة البتول المَلَك المبشّر : “كيف يكون هذا (أي حملها للمخلّص الملك) وأنا لا اعرف رجُلا؟” مع أنها مخطوبة وقد “كُتب كتابها” (في العبرية “كتوباه”) اي تمّ عقد زواجها حتى قبل التساكن مع الخطيب مار يوسف. يعني سؤالها أو اعتراضها اللطيف تصميمها على البتولية أو العذريّة الدائمة.
نحن بحاجة إلى العذراء مريم!
نفس الجماعات التي تهلّل رئاساتها للدولة العبريّة وتسلّحها وتزوّدها بالأموال – هي ذاتها تتنكّر للسيدة العذراء وتنكر وجاهتها ودورها. وتمطرنا بنظريات سلبية مخجلة لا نجد لها شبيها عند غير المسيحيين! ويكتفي المرء هنا ، لضيق المقام ، بنظريتين خنفشاريتين (مع الاحترام لأصحابهما ، والأقرب إلى الصواب أن جماعتنا العرب ليسوا أصحاب تلك النظريات بل هم فيها أتباع لأعاجم من أمريكيين والمان وسويسريين لا يعرفون قدر الأم ولا معنى الأسرة!): إحدى النظريات المدمّرة (لهم ولضعاف النفوس) : “ولدت مريم المسيح وانتهى دورها”! لا يا إخوتنا! تحت الصليب ما انتهى دورها بل بدأ إذ أعطاها يسوع الفادي قُبيل استشهاده أمومة روحانية لرسوله الحبيب يوحنّا (يو 19 : 25 وتابع). وهنالك قول آخر : “لسنا بحاجة إلى مريم!” لا ، يا إخوة ، فقد احتاج إليها الرب نفسه ، في حكمته وعنايته ، واستشارها وما استغنى عنها “مع أنها الأنثى” (بكلّ ما كان يعلق في شأنها في عقول الربابينيين وسائر العبرانيين من أفكار سلبية حول نجاسة الأنثى ومحدودية فهمها وخبث جنسها!) بل استغنى عن الرجُل في تجسّد الكلمة (يوحنا 1 : 14) مع العلم أن الرجُل كامل طاهر عاقل !
خاتمة
المسيح الملك المولود في مغارة والمستشهد على الصليب هو المعلّم الإلهيّ والفادي السماويّ والحكيم الربّاني الذي ينقذنا من الكبرياء والعنف ويعلّمنا التواضع والوداعة واللطف فلنحملنّ “حمله الخفيف ونيره اللطيف”!
وكلّ ميلاد وأنتم بخير!