Liturgical Logo

قراءات هذا الأحد من منبر الشّهادة في الأردنّ

الأب بيتر مدروس

(حبقوق 1: 2-3، ثم 2:2-4، 2 تيم 1: 6-14، لوقا 17: 5-10)

سنة 2016 اغتيل مفكّر أردني ومسيحيّ من عشيرة عريقة وبلدة أصيلة مدعاة تفكير ليس فقط في شأن التكفير بل في رسالة سيدنا يسوع المسيح الإنسانية والروحانيّة والمبنيّة على أساس الحرّيّة والشّاهقة بدعوة المحبّة والدافئة بفلسفة الرحمة والمنعشة بنسمة المساواة والمحلّقة بروح الأخوّة الشّاملة بين البشر ليس فقط كبرايا لخالق واحد بل كأبناء وبنات لأب واحد تحضنهم السيدة العذراء حَضنها ليوحنا الحبيب تحت الصليب. ولا يقدر المرء أن يحتفل بقداس هذا الأحد ولا أن يطالع قراءاته في أبرشيّتنا البطريركية اللاتينية في الأردن وفلسطين وبالذات في كنيسة “الفحيص” – من غير النّظر إلى دماء المفكّر ناهض حتّر رحمه الله الذي سعى – قدر طاقاته- كي “ينهض” بالإنسان ويسمو به فوق التزمّت وضيق الآفاق والفئويّة وبصراحة فوق الكراهيّة ورفض الآخر بشكل قاتل.
وقد يقول هنا قائل أنّ المرحوم – والله أعلم بداخله – ما كان مؤمنًا مسيحيًّا عميقًا بل “يشوعيًّا” على حد تعبير فكاهيّ قديم في الأردنّ، وعلمانيًّا نادى بالإنسان. إلاّ أنه قضى شهيدًا، شهيدًا للفكر المستنير، شهيدًا لحريّة التّعبير، وأكيد أنه ما قصد إهانة أيّ دين ولا الاستهانة بأيّ إيمان. وكان الأجدر أن يُناقَش ويُستجوب ويُحاكم بإنصاف كما نوى القضاء الأردني أن يفعل، ولكن العنف سبق العدل والسيف سبق العقل.

“البارّ بالإيمان يحيا” (حبقوق 1: 2 وتابع)
الصدّيق (بتشديد الدّال) هو الصادق، وهو “مؤمن” بالله وبالإنسانية. أكيد صدق الشهيد ناهض وإيمانه بالمفهوم الصحيح عن الإله المتسامي فوق العيوب وإيمانه بالقيم الإنسانية. والآن لا حياة للكاتب الراقد إلاّ بالإيمان ولا عزاء إلاّ بهذا اليقين المنطلق من الجلجلة والذي تألق في نور انبعث من قبر الناصري: “كما يموت جميع الناس في آدم، هكذا سيقومون في المسيح”. “استيقظ ايها النائم …ولينر لك المسيح!”

“يا تيموثاوس، لا تستحي بالشهادة لربّنا !”( 2 تيم 1: 6 وتابع)
صحيح أنّ الكنيسة لاعترافها بالدين وبالوطن وبتمييزها بينهما تميّز بين شهداء الدين وشهداء الوطن، ولكن كلهم شهداء. وفي المنطق المسيحي اليوحنّي الرؤيَوي “كلّهم غسلوا ثيابهم بدم الحمل”. وكلّهم أكارم تكللت فيهم المحبة بأقصى صورة وأسمى علامة، إذ “ما من حب أعظم من حب الذي يبذل حياته من أجل أحبائه”. وقد زيّنت سماء الكنيسة الأولى والحالية كواكب الشهداء وجحافل الأبرياء الذين “ذُبحوا من أجل شهادة يسوع” والذين ضُحّي بهم على مذابح التكفير والحقد وقد “توهّم الذين اغتالوهم أنهم (أي القتلة) يقدّمون لله عبادة” (يوحنا 16: 2).
وبأسلوب أو بآخر، وجّه أساقفة الأرض المقدسة والأردنّ إلى آل حتّر الكرام وسائر العشائر الأردنية المسيحية الفاضلة نداء رسوليًّا هو صدى لدعوة رسول الأمم الإناء المختار بولس (الذي اضطهد الكنيسة حينًا وأراد أن ينكّل بها ويقتل)- إلى تلميذه وابنه الروحاني تيموثاوس: “لا تستحي بالشهادة لربّنا”، كما وقف يسوع سيّدنا ومخلّصنا وأدّى في حينه “الشهادة الحسنة أمام بونطيوس بيلاطوس”.
أوّلاً، وبلا لف ولا دوران، “الشهادة للحقّ”، “وكلّ من كان من الحقّ يسمع صوت ” يسوع، وكلّ من أراد الحق يجب أن يصغي إلى صوت يسوع. و”الحقّ” في لسان الضاد هو الحقيقة والواقع وجمعه “حقائق” وهو أيضًا “حقّ” جمعه “حقوق” أي ما يجب أن يقدّمه المجتمع لإنسان. الشهادة المسيحية وهي توحيدية- لا “شِرك” فيها ولا تجديف- تطلب الحقيقة حول الشهيد وتطلب الحقّ العام، حقّ المواطن الأعزل وحقّ المواطن ابن الأقلية لا الأجنبية بل المحلية الوطنية العشائرية الأصيلة العريقة “في النّسيج الأردنيّ”. والشهادة المسيحية إحقاق للحقّ وصفح ومسامحة ومصالحة.
أمّا سبب الاغتيال فما كان لمسيحيّة المرحوم بل لأنه “كمثل كلّ من يسيء إلى الذات الإلهية يجب قتله”. هذا ما أعلنه القاتل بلا ندامة، وهذا هو الواقع وما حصل وسبب أو ذريعة ما حصل. ولا فائدة من إنكاره بل يجب دراسة هذا الدافع.

مَثَل العبيد أو الخدّام البطّالين (لوقا 17: 5 – 10)
في الكاريكاتور التي نشرها المفكّر الراحل قبل اغتياله – ولم يكن راسمها- وقصد فيها انتقاد أناس معينين وفكر معيّن لا الإسلام كدين ولا الذات الإلهيّة- نعم، في الكاريكاتور يطلب “داعشي” من الله سبحانه أن يخدمه تعالى – حاشى وكلاّ- وأن يحضر الخمر… صاح كثيرون محتجين واعتذر الكاتب وأوضح وجهة نظره والقضاء استدعاه…
يبدو أنّ عند بعضهم “إهانة الذات الإلهية” لا تقبل توبة ولا اعتذارًا. ولعلّ الحادثة بكاريكاتورها تشبه إلى حدّ كبير ما حصل في باريس، مع العلم أن مجلة “شارلي أيبدو” الساخرة تتهكم باستمرار من الذّات الإلهيّة، بالمسيح والكتاب المقدّس والكنيسة، وتدفع سخريتها وكفرها وتشنيعها بالمسيحيّة إلى ما لا حدّ له من الفظاعة والافتراء والزور والبهتان مستغلّة “وداعة المسيح” ولطف الكنيسة وهدوء المسيحيين.
حتّى الآن، بصراحة، ما توصلت البشرية إلى الاتّزان بين الدين والقانون (فهو في الشرق كل شيء وفي الغرب تقريبًا لا شيء) ولا بين معاقبة الإهانة بالموت ومن جهة أخرى تحمّل إهانة الدين (المسيحي) برحابة صدر تكاد تكون جبنًا وخمولاً ولامبالاة وبرودة وفتورًا وبلادة هي بعيدة عن المسيحية الحقيقية بُعد العنف والقتل عنها.

خاتمة
اغتيل الكاتب ناهض حتّر “في سنة الرحمة”! الله غفور رحيم رحمان، ويجب أن يوضح الدين أوّلاً والقانون من ناحية أخرى”حدود” التجاوز والإهانة – لا سمح الله – للذات الإلهية و”ازدراء الأديان” – والواقع أن هذا القانون موجود فقط في العالم العربي الشرقي. أمّا إذا “طُبّق” في الغرب خصوصًا في الاحتقار للمسيحية ورموزها، فلن يخلو يوم من المتابعة القضائية ولا معهد أو وسيلة إعلام أو رجُل سياسة (أو رجُل دين!) ولسوف تصل الشكاوى إلى عنان السماء بحيث تتوجب زيادة القضاة والمحامين والمستجوبين والمعتقلين والمقتولين ومع ذلك لا سيطرة على الظاهرة البغيضة التي قد تتفاقم مع العقاب!
ويردّد المرء مع قداسة البابا فرنسيس: “على كبار رجال الأديان نبذ العنف بأوضح صورة”. كانت هذه رسالة “أسيزي”. وفي “رسالة عمّان” ما يضاهيها في السعي وراء الوفاق الوطني والتعايش السلمي والتعددية وسط المملكة وبين كل المؤمنين عالميًّا. باختصار هذه هي رسالة المسيح ابن مريم و”إنجيل السلام”: “تتلمذوا لي لأنني وديع متواضع القلب، تجدوا الراحة لأنفسكم” (متّى 11: 29).