Liturgical Logo

“لأنّ الشعب كلّه كان مولعاً بالاستماع إليه” (لوقا ١٩، ٤٨)

البطريرك بيتسابالا

إنّ خلفيّة الحادثة الّتي يرويها المقطع الإنجيلي لهذا الأحد هي الهيكل.
لقدّ أتمّ يسوع رحلته الطويلة – الّتي ابتدأت في الفصل ٩ – وصعد إلى أورشليم (لوقا ١٩، ٢٩ وتابع)، وبكى عليها، ثمّ دخل الهيكل، حيث قام بطرد البائعين: وبهذا استملك المكان الّذي يخصّه، وهو بيت أبيه.
في الأيّام اللاحقة – وهي الأيّام الّتي تسبق آلامه مباشرة – يعود يسوع كثيراً إلى الهيكل، إلى بيته، ويُمارس هناك سلطته، من خلال التعليم. في الواقع، يسرد إنجيل لوقا، مثل الإزائيّن الآخرين، سلسلة من الحوارات الجدليّة بين يسوع وقادة الشعب، الّذين يُحاولون إحراجه وجعله يقع في الخطأ، كي يفقد تلك السلطة الّتي، دون شكّ، يُقرّ بها الشعب: “لأنّ الشعب كلّه كان مولعاً بالاستماع إليه” (لوقا ١٩، ٤٨).
إنّ المقطع الإنجيلي لهذا اليوم هو أحدى هذه المجادلات: والذي بدأها هم الصدّوقيّون، وهم جماعة ترتبط بالأرستقراطيّة الكهنوتيّة. طرحوا على يسوع سؤالاً حول القيامة. يُقول لوقا أنّ الصدّوقيّين، في الواقع، لا يؤمنون بالقيامة على الإطلاق، وهذا يكشف فوراً خبث سؤالهم، الّذي لا ينوي مطلقا التعامل بصدق مع سرّ الله ، بل يستهدف السخرية من سلطة يسوع ومن تعاليمه.
وللقيام بذلك، يروون، بسخرية، رواية وهميّة، معتقدين أنّهم بهذا ينجحون في إثبات أنّ القيامة ليست ممكنة: إنّ القيامة، بحسب تفكيرهم، هي عبارة عن إطالة الحياة ليس إلاّ، وسوف تطيل دراما الوجود (الحياة) إلى ما لانهاية، دون حلّها أبداً.
إنّ موضوع القيامة، كما يُقدّمها الصدوقيّون، هو أمر في غاية التفاهة.
إنها بالأحرى حالة جدّيّة للحياة وللإيمان، حالة سوف يجد كلّ إنسان نفسه، عاجلاً أم آجلاً، في مواجهة معها. وذلك هو الفرق. لهذا فليس من قبيل المصادفة أن يجد يسوع نفسه يواجهها، تحديداً في الأيّام الّتي سبقت آلامه، الأيّام الّتي سوف يتّم فيها عيش سرّ القيامة وكشفه بطريقة نهائيّة وكاملة: فيسوع نفسه هو القيامة، وهو نفسه حجر الزاوية لهذه المشكلة الشائكة.
يسوع لا يُعلن هنا بصراحة، كما فعل مثلاً في إنجيل يوحنّا، من خلال حديثه مع مرتا وهي تبكي موت أخيها لعازر: “أنا القيامة والحياة. فمن آمن بي وإن مات فسيحيا، ومن كان يحيا ويؤمن بي لن يموت للأبد” (يوحنّا ١١، ٢٥-٢٦).
من المحتمل أنّه لم يفعل ذلك بسبب عدم قدرة محاوريه على تقبّل وحيٍـًاً وهبةً بهذه العظمة. ولكن ربّما هناك سبب آخر، وهو أنّ يسوع يعلم أنّه لا يمكن الحديث عن القيامة حقّاً إلاّ من خلال الحديث عن الموت، ومن خلال الحديث عن كلّ الآلام، وعن المحدوديّة البشريّة، وعن الكرْب، الّذي تحتفظ به له الأيّام التالية. لم يكن بإمكان يسوع أن يقول أنّه القيامة والحياة بكلّ صدق إلاّ بعد أن يكون قد اجتازها جميعها.
إنّ أولئك الذين سوف يرونه يدخل في سرّ الموت هذا ويخرج منه حيّاً لاحقاَ، هم الوحيدون الّذين سوف يتمكّنون أن يعرفوا سر قيامته أيضاً.
أمّا الصدّوقيّون، من ناحية أخرى، فقد كانوا يستخفّون بما هو بالنسبة ليسوع – وللآب – الشيء الأعزّ على القلب، والّذي لا علاقة كبيرة له بموضوع الشريعة، والسلالة، والأزواج والأبناء، بل إنّه يتعلّق بخلاص الإنسان، الّذي من أجله أتى يسوع إلى العالم، والّذي من أجله واجه أيّام الألم والموت.
يدخل يسوع في أيّام الألم بوعي عميق، وهذا هو جوهر القيامة: الأمانة للآب. وهذا تحديداً ما يتحدّث عنه يسوع مع الصدّوقيّين في ردّه على سؤالهم: إن كان الإله الّذي يؤمنون به هو إله العهد (العهد مع ابراهيم ومع اسحق ومع يعقوب، آية ٢٠، ٣٧)، وإذا كان هو إله المحبّة، وإذا كان هو أباً، فإنّ هذا الإله لا يمكن أن يقبل بضياع أيّ شيء ممّا يحبّ، ولا يمكنه أن يتركنا تحت رحمة الظلام والموت والفناء. وإذا كان العهد، الّذي تمّ إبرامه مع ابراهيم وتمّ تجديده في شخصه، هو خيار الربّ في أن يجعلنا مشاركين في حياته، فلا يمكن لأيّ شيء، ولا حتّى الموت، أن يعيق أن تكون هذه الحياة دائمة الاستمرار.
يسوع يؤمن بكل هذا وسوف يختبره بنفسه بعد فترة وجيزة، وسوف يصبح بكر تاريخ جديد، فيه يسير كلُّ مخلوق نحو إعادة لمّ شمل الخليقة كلها، في ملء الحياة.
والصدوقيون، بفضل المفارقة في سؤالهم، لا يفعلون غير إثبات أنّ الحياة، كي تكون حقيقيّة وجديرة بالإهتمام، وكي لا تكون تافهة، هي بحاجة إلى القيامة، وإلاّ تحوّلت إلى لغز عقيم وعصيٍّ عن الحلّ، ومنغلق على نفسه.
ويُثبت الفريسيون أيضا أنّهم بنفس القدْر يؤمنون بإله عقيم، غير قادرعلى منح الحياة، على عكس الآب السماوي، الّذي يعرف كيف يُخرج الحياة حتّى من الموت.
+ بييرباتيستا