Liturgical Logo

“ليس اللحم والدمّ كشفا لك هذا، بل أبي الّذي في السموات” متّى (١٦، ١٧)

البطريرك بيتسابالا

المقطع الإنجيلي الّذي نستمع إليه اليوم شديد الأهمّية، لأنه ينفتح على العديد من الأفكار ذات الصبغة الكتابية والكريستولوجية والكنسية… لنترك اليوم هذه الجوانب، ونركّز فقط على شخصيّة بطرس، وعلى ما يحدث اليوم لهذا التلميذ.
يبدأ كل شيء بسؤال ليسوع، يستجوب فيه التلاميذ حول هويّته الشخصيّة؛ إنّه سؤال يجتاز ويسيطر على كامل بشارة متّى.
يُجيب بطرس على هذا السؤال بشكل غريزي. والمقطع الإنجيلي يوضح لنا أنّه يُجيب دون تفكير مليّ، كما لو كان مدفوعاً بدافع من القلب.
يستطيع يسوع، في الحقيقة، أن يُؤكّد أنّ مصدر كلمات بطرس ليس بطرس نفسه: “ليس اللحم والدمّ كشفا لك هذا، بل أبي الّذي في السموات” متّى (١٦، ١٧). وبفضل انفتاح بطرس على وحي الآب، على وجه التحديد، يُطوّبه يسوع: “طوبى لك“.
إنّ كلمة “كشف” هو مصطلح يتحدّث عن علاقة ثقة، عن اختيار وعن لقاء: لا يكشف الإنسان شيئاُ ما مهماً سوى لأصدقائه الشخصيّين. النبي عاموس، على سبيل المثال، يتوصّل إلى القول أنّ الربّ لا يفعل أيّ شيء دون أن يكون قد كشف مخطّطه لأصدقائه، أي للأنبياء (عاموس ٣، ٧).
ولذلك يختار الربّ من يكشف له ذاته ومن يمنحه ذاته. وعادة لا يفعل هذا مع الحكماء أو مع ذوي الشأن. كان يسوع نفسه مذهولاً، في فصل سابق (متّى ١١، ٢٥)، لأن الآب يكشف أسرار ملكوته للصغار والبسطاء.
يمسّ هذا الوحي اليوم بطرس: إنّه هو الصغير الّذي يكشف له الآب شيئاً هامّاً وجديداً، لا تستطيع الحكمة البشريّة أن تعرفه. إنّ أقصى ما أدركه الآخرون، أي الناس، هو أنّ يسوع كان شخصيّة خاصّة (متّى ١٦، ١٤)، ولكن بطرس وحده يتوصّل إلى القول بأنّه ابن الإله.
تصل مسيرته الإيمانيّة هنا إلى نقطة تحوّل، إلى بداية جديدة، تماماً كما أنّ كلّ مسيرة إيمانيّة تمرّ بلحظات يُصبح فيها الحدس أكثر عمقاً وأكثر وضوحاً.
غير أن هذا لا يكفي.
سوف يقضي بطرس كلّ حياته محاولا فهم ما أعلنه اليوم، نازلا إلى عمق سرّ ابن الإله. سوف يفقد هذا السر وسوف يجده مرّة أخرى، وسوف يجلبه الربّ مرّات عديدة إلى مكان مثاليّ مثل قيصريّة فيلبّس، حيث يتلقّى الوحي من الربّ مرّة أخرى.
لا يدرك بطرس اليوم إدراكاً متعمّقاً وتامّاً معنى ما قاله قبل قليلّ: لديه تصوّر عن مسيح قدير، جاء يؤسّس ملكوت الإله بالقوّة، من خلال تدمير أعدائه. سوف تُبدّد حياة يسوع هذا التصوّر، وسوف يتعيّن على بطرس الإقرار بأنّه لم يفهم شيئا. ولكن وحي الربّ لن يخفّ، كما أنه لن يُعطى عبثا.
لن يُجيد بطرس الحفاظ على هذا الوحي إلاّ إذا تسلّح بالتواضع، وترك الآب يلده من جديد. أما إذا اقتصرت ثقته على نفسه، وإذا بقي في حيّز “اللحم والدم“، فسوف يفقد عندئذ هذا الوحي، وسوف يفقد نفسه.
ولكن إذا ظلّ صغيراً، فسوف يكون مغبوطاً، كما هم مُغبوطون الأطفال الّذين يتحدّث عنهم يسوع في عظته الأولى على الجبل (متّى ٥): وسوف يختبر أنّ ملكوت الإله هو نعمة ورحمة، وسيكون أوّل من يرحمهم الربّ.
وعندئذ فقط سوف يُصبح جديراً بالثقة. وعلى هذا الإنسان، الّذي قبل كلمة الآب، والّذي يكون قد اختبرها الرحمة في حياته الخاصّة، فسوف يتمكّن يسوع من تأسيس كنيسته، كما على صخرة.
وسوف يستطيع أن يربط وأن يحلّ، أي أنّه سوف يتمكّن، بدوره، من أن يقود البشر نحو نفس وحي الآب الّذي غيّر حياته.
وهكذا تصبح الكنيسة جماعة الأشخاص الّذين ولدوا أولا من اللحم والدم، ثمّ يولدون من جديد، من الروح، مُتّحدين سويّاً بذات التواضع، وبذات الوحي، وبذات الغبطة و“الطوبى“.
+ بييرباتيستا