ما بين الله والقيصر (متّى 22: 15 وتابع)
الأب بيتر مدروس
يتحالف الفريسيّون والهيرودوسيّون معاً ويداً بيد على يسوع، مع أنّهم مبدئيّاً أعداء ألدّاء. نلاحظ فيما بعد تحالف خصمَين آخرَين، وهما هيرودس أنتيپاس وپنطيوس پيلاطس بسبب امتهانهما وازدرائهما (حاشى وكلاّ) ليسوع الناصريّ.
منذ اجتياح الرومان عابدي الأوثان لهذه الديار المقدّسة، رفض معظم اليهود وخصوصًا الفريسيون تسلّط الرومان عليهم وهيمنتهم، انطلاقًا من مبدأ الثيوقراطيّة التي يؤمن بها العبرانيّون. في نفس الوقت كان الهيرودوسيّون، من أنصار هيرودس وسائر سلالته الموالين للرومان، متعاونين طوعاً مع السلطة المحتلّة (أي الرومان)، وكانوا بمثابة عيون الرومان وقمرهم الصناعي في كلّ مكان لرصد الأحداث ونقلها اليهم .
يطرح على يسوع بعض تلاميذ الفريسيين والهيرودوسيين هذا السؤال المُحرِج الصّعب، لكي يمسكوا يسوع بكلمة و”يقتنصوه”، “يا معلّم … قُل لنا ما رأيُك؟ أيَحِلُّ لنا أنْ نَدفع الجِزيةَ إلى القَيصر أم لا؟”
ليس السؤال هنا عن دفع المواطن للضريبة مقابل خدمات حيويّة يتلقّاها من حكومته الوطنيّة، إنّما هي الجزية التي يجب أن يدفعها الشعب لعدوّ مُحتلّ.
عرف يسوع مكرهم، وأفحم الذين طرحوا عليه السؤال، بردٍّ سامٍ رفيع غير متوقّع .. يتجاوز جوابه المصيدة المُعَدّة له، ويُحلّق في العلى فوق كيد ومكر، بما أنّ عموم العبرانيين طوعاً أو كرهاً، كانوا في الواقع يدفعون الجزية وهم أذلاّء، بلا تأخير أو تردّد. كان الخلاف على المبدأ ما بين أحزاب اليهود من ناحية نظريّة فقط، يتأرجح بين موافقة الصدوقيين والهيرودوسيين على دفع الجزية من جهة، ومعارضة جماعة الفريسيين التي كانت ِسلميّة، ومعارضة “المتحمّسين الغيارى” التي تميّزت بالعنف من جهة أخرى.
يسوع كان يعلم أنّ اليهود يعترفون بسيادة القيصر الذي يتداولون بعِملته. ويُدرك أيضاً أنّ نفرًا من زعماء اليهود يدبّرون له المكيدة ليوقعوا به. لذلك يسوع “يفضح ويُشهِر” خبث اليهود. وبقوله المأثور: “أعطوا ما لله لله” يرفع السؤال المطروح الى أعلى المستويات. وجواب السيّد المسيح يعني أن يُخلِص الناس لله باتّباع وصاياه تعالى. ضمناً يُدين يسوع الاحتلال العسكري واضطهاد الناس. في نفس الوقت ها إنّ يسوع “المَلك” والذي مملكته ليست من هذا العالم، يُلغي بشكل غير مباشر ما يؤمن به اليهود من مبادىء، أي الثيوقراطيّة العنصريّة الفوقيّة السياسيّة المشيحانيّة العنيفة المناضلة العسكريّة الماديّة الدّنيويّة.
في تأمّلنا هنا للانجيل الطاهر لا ندّعي تفسير هذه الآية بشكل مُستفيض.. إنّما غايتنا استخلاص العِبَر الروحانيّة التي يضعها المسيح أمامنا، في قراءتنا اليوم كالتالي: نبذ العقليّة الثيوقراطيّة، والتي تعني السيطرة على الشعوب باسم الله وبذريعة خضوعنا نحن له تعالى. أن لا نخون وطننا. أن لا نقمع الأقوام الأخرى ولا نحتلّ الشعوب وبلادها. أن لا نستعبد الناس من حولنا. ولا نرغم الشعوب الأخرى على دفع ما ننفقه على الخدمات التي تخصّنا، مُلوّحين لهم بسيادتنا وتفوّقنا وعظمتنا، بخلاف “المسيح الوديع متواضع القلب” !