“ما قالوا لكم فاعملوه واحفظوه”
البطريرك بيتسابالا
في الفصل الثالث والعشرين من إنجيل متّى، يصل الجدل بين يسوع والفرّيسيّين وقادة الأمّة ذروته. وها نحن نقرأ اليوم الآيات الاثنتي عشرة الأولى من هذا الفصل.
في الجزء الأوّل يتوجّه يسوع إلى الجمهور وإلى تلاميذه (متّى ٢٣: ١– ١٣)، بينما في الجزء التالي (متّى ٢٣: ١٣– ٣٣) يتوجّه مباشرة إلى الفرّيسيّين، عدة ويلات: تتكرّر عبارة “الويل لكم أيّها الكتبة والفرّيسيّين…” سبع مرّات؛ وبسبب ذلك ستقع دينونة على “هذا الجيل” وستكون بمثابة عاقبة كلّ الشرّ الّذي تمّ ارتكابه، وكلّ دعوات الخلاص الّتي تمّ رفضها على مرور الزمن.
ما سبب هذا الحكم القاسي على الكتبة والفرّيسيّين؟
بالتأكيد ليس بسبب خروجهم عن العقيدة السليمة، وعن تقاليد الآباء؛ إنّهم على علم بها وموثوق بهم في هذا الشأن، ولذلك يطلب يسوع من الجمهور أن يفعلوا ما يُعلّمونه بكلّ طمأنينة ودون تشكيك: “ما قالوا لكم فاعملوه واحفظوه” (متّى ٢٣: ٣).
ليست المشكلة في ما يقولونه، بل في ما يفعلونه وما لا يفعلونه، أو بالأحرى في وجود تناقض بين كلماتهم وأعمالهم.
ولكي نكون أكثر دقة، فإن اتّهامات يسوع لهم هي ثلاثة.
الاتهام الأوّل هو أنّهم “يقولون ولا يعملون” (متّى ٢٣: ٣): يتبادر إلى الذهن هنا مثل الابنين (متّى ٢١: ٢٨– ٣٢)، الموجّه بالتحديد إلى الفرّيسيّين، حيث يتمّ تشبيههم بالابن الّذي يقول نعم للأب، ولكنّه، بعد ذلك، لا يذهب للعمل في الكرم. إنّ الأمر هنا ليس مجرّد عدم الترابط بين القول والعمل، حيث أنّ سياق المثل هو علاقة، علاقة بين الأب والإبن: ومن ثمّ فهو انعدام العلاقة مع الشخص الّذي يدعو ويُرسل ويعهد إلى الأبناء مهمّة الحياة؛ إنّه موضوع انعدام الثقة بالآب السماوي.
ولكن الفرّيسيّين لا يتوقّفون عند القول والامتناع عن العمل؛ تهمة يسوع الثانية هي أنّهم يرغمون الآخرين على فعل ما لا يفعلونه هم أنفسهم (متّى ٢٣: ٤).
إذا كان الإتهام الأوّل يتعلّق بعلاقة خاطئة مع الآب، فنحن هنا أمام علاقة خاطئة مع الإخوة. علاقة تقوم على على التسلط، وعلى القوّة الّتي تُساء ممارستها، سلطة تجعل حياة الآخرين صعبة وثقيلة، عوضاً عن أن تكون سلطة تعمل على تحرير الحياة.
وأخيراً، الاتّهام الثالث (متّى ٢٣: ٥) وهو الأكثر خطورة، حيث أنّه يمسّ صميم المشكلة، ويتعلّق بدافع تصرّفاتهم “كل أعمالهم يعملونها كي ينظرهم الناس“.
لا يستخدم الفرّيسيّون الربّ والآخرين سوى كمتفرّجين على مهارتهم وعلى أعمالهم. وهكذا يكونون أشخاصاً يُخلّصون أنفسهم بأنفسهم، ومن ثمّ فهم بحاجة إلى شخص ما يُعجب بمهارتهم ويصفق لهم.
من المثير بالاهتمام، أمام هذا الموقف، أن نرى كيف يتفاعل يسوع.
فهو لا يدعو الجمهور وتلاميذه أن يكونوا في حال أفضل، وأن يكونوا أكثر تماسكا من الفرّيسيّين، ولا إلى تجنّب الوقوع مثلهم في خداع المظهر والعنجهيّة. كلاّ.
بل يدعوهم يسوع إلى أن يتبنّوا نمطاً مُغايراً من العلاقات: “أما أنتم فلا تدعوا أحدا يدعوكم “رابي “، لأن لكم معلما واحدا وأنتم جميعا إخوة. ولا تدعوا أحدا أبا لكم في الأرض، لأن لكم أبا واحدا هو الآب السماوي. ولا تدعوا أحدا يدعوكم مرشدا، لأن لكم مرشدا واحدا وهو المسيح” (متّى ٢٣: ٨ – ١٠).يدعوهم إلى نمط علاقات سليمةّ، لا يُخلّص الإنسان بموجبه نفسه بنفسه، بل يتقبّل الحياة من آب وحيد، آب يمنح الحياة للجميع مجاناً، ويُشاركها مع الآخرين، وكلّهم إخوة على قدم المساواة.
وهذا أسلوب حياة تظهر فيه العظمة الحقيقيّة، الّتي ليست الظهور في الأماكن الأولى وفي الولائم والمجامع والساحات (متّى ٢٣: ٦)، بل أسلوب يكشف عن نفسه في كلّ لفتة خدمة متواضعة: “وليكن أكبركم خادما لكم. فمن رفع نفسه وضع، ومن وضع نفسه رفع” (متّى ٢٣: ١١– ١٢).
ومن أجل أن نتعلّم أسلوب الحياة هذا، فهناك معلّمٌ وحيدٌ (متّى ٢٣: ٨)، وهو الّذي ” قبل عيد الفصح، … وفي أثناء العشاء…” قام عن العشاء فخلع ثيابه، وأخذ منديلا فائتزر به، ثم صبّ ماء في مطهرة وأخذ يغسل أقدام التلاميذ، ويمسحها بالمنديل الذي ائتزر به” (يوحنّا ١٣: ١– ٥).
وبعد هذه اللفتة كان قد شرح بأنّه إذا كان، وهو الربّ والمعلمّ، قد غسل أقدام تلاميذه، فهكذا يجب عليهم أن يفعلوا، فيما بينهم (يوحنّا ١٣: ١٤– ١٥).
وأضاف بعد ذلك الكلمات الّتي من شأنها أن تكون مفيدة حتّى لفرّيسيّي المقطع الإنجيلي لهذا الأحد، ولفرّيسيّي كلّ العصور، ولنا نحن: “أما وقد علمتم هذا فطوبى لكم إذا عملتم به” ( يوحنّا ١٣: ١٧).
+بييرباتيستا