Liturgical Logo

مثل السامري الرحيم (لوقا 10: 25-37)

الأب لويس حزبون

قدّم لوقا الانجيلي مثل السامري كي يُبيّن أن قريبي هو كل إنسان يحتاج لمعونة بغض النظر الى الفئة والقبيلة لتي ينتمي اليها، او البلد او الوطن او الدين. فيُعلن هذا المثل مفهوم الأُخوَّة الإنسانية وان الدين لا يقتصر على العبادة والصوم والصلاة، بل على اعمال الرحمة الانسانية تجاه مشكلات الانسان وآلامه وآماله. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.
اولا: وقائع النص الإنجيلي (لوقا 10: 25-37)
25وإِذا أَحَدُ عُلماءِ الشَّريعَةِ قَد قامَ فقالَ لِيُحرِجَه: ((يا مُعَلِّم، ماذا أَعملُ لِأَرِثَ الحيَاةَ الأَبَدِيَّة؟ ))
تشير عبارة ” أَحَدُ عُلماءِ الشَّريعَةِ ” νομικός (نَامُوسِيٌّ) الى أحد المتخصِّصين في نسخ وتفسير شريعة موسى وتعليمها في المدارس والمجامع، وقد اتخذ دراسة الناموس وتفسيره مهنة له (لوقا 11: 45). وهو يشبه فقهاء الشريعة في عصرنا. رأى لوقا الإنجيلي فيه قلباً مستعداً واما متى الإنجيلي فقد رأى فيه انه “قريب من ملكوت الله ” (متى 22: 35). اما عبارة ” لِيُحرِجَه ” ἐκπειράζων فتشير الى ان الكاتب ينصب فخا ليسوع إذ ورد هذا التعبير عن إبليس πειράζω (لوقا 4: 22). حمل عالم الشريعة صورة التقوَّى وقلب إبليس في داخله! مع ان يسوع وجد فيه محاوراً حسن التأهب (لوقا 10: 27-28. أما عبارة ” ماذا أَعملُ لِأَرِثَ الحيَاةَ الأَبَدِيَّة؟” فتشير الى سؤال عملي طرحه عالم الشريعة مستفسراً من يسوع عما ينبغي ان يفعله ليرث الحياة الابدية. انه يشعر بالعجز العملي عن بلوغ الراحة الداخليَّة، أو التمتُّع بالحياة، لهذا لم يقل: “ماذا أتعلَّم؟” أو بماذا أُعلِّم الآخرين؟ إنما قال: “ماذا أعمل؟” السؤال يهِّم كل إنسانٍ مؤمن باللّه، مؤمنٍ بحياة أبدية، يتوق أن يرث الحياة الابدية.
26فقالَ له: ((ماذا كُتِبَ في الشَّريعَة؟ كَيفَ تَقرأ؟ ))
تشير عبارة “ماذا كُتِبَ في الشَّريعَة؟ كَيفَ تَقرأ؟ ” الى اجابة يسوع عن طريق طرح سؤال، فيلزم الكاتب بإتَّخاذ موقف وإعطاء جوابَ على مستوى العمل. فصار السائل مسؤولا. وأشار يسوع أن قضية الحياة الابدية ليست سؤالا يجيب عنه الآخرون، بل على الانسان نفسه ان يُجيب عنه.
27فأَجاب: ((أَحبِبِ الرَّبَّ إِلهَكَ بِكُلِّ قَلبِكَ، وكُلِّ نَفسِكَ، وكُلِّ قُوَّتِكَ، وكُلِّ ذِهِنكَ وأَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ)). يجيب عالم الشريعة على سؤال يسوع بالرجوع الى جوهر الشريعة ” فأَحبِبِ الرَّبَّ إِلهَكَ بكُلِّ قَلبكَ كلِّ نَفسِكَ كلِّ قُوَّتكَ “(ثنية الاشتراع 6: 5 ) “وأَحبِبْ قَريبَكَ حُبَّكَ لِنَفسِكَ” (الاحبار 19: 18). وعليه فإن محبة لله ومحبة القريب ليست موضوعا جديداً، بل هو قسم من العهد القديم. ورسالة يسوع مؤسَّسة اولا على الشريعة. وقد تحدث يسوع عنها بإفاضة (متى 19: 16-22). فالعهد القديم يُمهّد لرسالة يسوع. فالمحبة اساس الديانة المسيحية، إذ قال فيها الرسول يوحنا “اللّهَ مَحبَّة” (1 يوحنا 4: 8)، وإن ربط محبة اللّه بمحبة القريب يأني من سؤال وحنا الرسول: إن لم أحب قريبي الذي أراه، كيف أحب اللّه الذي لا أراه” إِذا قالَ أَحَد: ((إِنِّي أُحِبُّ الله)) وهو يُبغِضُ أَخاه كانَ كاذِبًا لأَنَّ الَّذي لا يُحِبُّ أَخاه وهو يَراه لا يَستَطيعُ أَن يُحِبَّ اللهَ وهو لا يَراه” (1يوحنا 4: 20).
28فقالَ لَه: ((بِالصَّوابِ أَجَبْتَ. اِعمَلْ هذا تَحْيَ)).
تشير عبارة ” بِالصَّوابِ أَجَبْتَ ” الى موافقة يسوع الايجابية بالرغم من محاولة عالم الشريعة أن يُجرِّبه، ومع هذا لم يصدُّه، بل مدحه قائلًا: “بِالصَّوابِ أَجَبْتَ”. فإنه لا يرُد الشرّ بالشرّ بل يغلبه بالخير، مستخدمًا اللطف لكي يكسبه. أمَّا عبارة ” اِعمَلْ هذا تَحْيَ” فتشير الى ان حياة الإيمان تتكوّن من الممارسة المستمرة لأعمال المحبة ولا تبقى على مستوى الكلام.
29فأًرادَ أَن يُزَكِّيَ نَفسَه فقالَ لِيَسوع: ((ومَن قَريبـي؟))
تشير عبارة ” أَن يُزَكِّيَ نَفسَه ” الى ان الكاتب يريد ان يبرّر نفسه او بالأحرى ان يشهد لنفسه بالخير، والطهارة عن المعاصي والرذائل ويمدحها وكأنه يَمِّنَ على الله، يقول:” انني حفظت الوصايا” ويُظهر انه جاد في بحثه. أما عبارة ” ومَن قَريبـي؟ ” فتشير في اللغة العبرية (רֵעִי) الى ابن شعبه وعضو من اعضائه (خروج 20: 16-17)؛ إن القريب بحسب تعليم آباء اليهود كان اليهودي فقط، وهنا علينا أن نميّز تعليم التوراة وبين تفسير هذه التعاليم عند آباء اليهود، فاليهود كانوا متعصّبين لجنسهم وقوميتهم، فكانوا شعباً يبغض بقية الشعوب، ويُسمِّونهم كلاباً، ولا يعترفون حتى بالسامريين الذين كانوا على مذهبهم اليهودي لأنهم اعتبروهم غرباء الجنس، فقريب اليهودي كان اليهودي فقط وبقية الناس يعتبرهم أعداء له، لذلك يسأل عالم الشريعة قائلاً: “مَن قَريبـي”.
30فأَجابَ يَسوع: ((كانَ رَجُلٌ نازِلاً مِن أُورَشَليم إِلى أَريحا، فوقَعَ بِأَيدي اللُّصوص. فعَرَّوهُ وانهالوا علَيهِ بِالضَّرْب. ثمَّ مَضَوا وقد تَركوهُ بَينَ حَيٍّ ومَيْت.
تشير عبارة “أَجابَ يَسوع” الى جواب عالم الشريعة عن طريق ضرب مثل. وليس هذا المثل تشبيها بل مثالا يصوّر لنا موقفا يُقتدى به. ومن المرجَّح انه أُخذ من واقع الحياة، لان يسوع لم يكن يُعرَّض الكاهن واللاوي لتهمة قساوة القلب لو لم تكن هناك حادثة تُبرِّر هذا الاتهام. والمثل الذي ضربه يسوع هو تطبيق عملي حقيقي لشريعة المحبة. أمَّا عبارة “رَجُلٌ” فتشير إلى إنسان دون الإشارة الى هويته او قوميته او دينه ومهما كانت اتجاهاته ومبادئه. له حقوق وواجبات انسانية محدَّدة على إخوته البشر لمجرد انه انسان. ويرى البعض أنه يرمز الى آدم وللبشرية كلها. أمَّا عبارة ” نازِلاً مِن أُورَشَليم إِلى أَريحا، ” فتشير الى انحدار الطريق حوالي 1000 متر على مسافة نحو 25 كلم من قمة جبل الزيتون في اورشليم الى وادي نهر الأردن في اريحا، وتستغرق من المسافر حوالي سبعة ساعات مشياً على الاقدام. وتمر هذه الطريق في ممرات ضيقة وتكثر فيها الكهوف وبالتالي اللصوص وقطاع الطرق حتى إنها سُمِّيت “الطريق الحمراء أو الدموية” علما انَّ أريحا مدينة اللعنة (يشوع 26:6) وترمز للأرض الملعونة بسبب الخطيئة (تكوين 17:3). أمِّا عبارة “بَينَ حَيٍّ ومَيْت” فتشير الى ان الرجل الذي وقع بين أيدي اللصوص فيه نسمات حياة، وهناك أمل في شفائه.
31فاتَّفَقَ أَنَّ كاهِناً كانَ نازِلاً في ذلكَ الطَّريق، فرآهُ فمَالَ عَنه ومَضى.
تشير عبارة ” كاهِناً ” الى من يقوم بالإشراف على تقديم القرابين في الهيكل ويمثل استقامة الرأي والكرامة اليهودية؛ امَّا عبارة ” فرآهُ فمَالَ عَنه ومَضى “فتشير الى ان الكاهن تعامل مع الرجل الجريح كمشكلة عليه ان يتجنبها. إذ لم يرَ علاقة بين الدين وبين خدمة الإنسانية؛ فكان الدين في نظره مجرد طقوس ومراسيم. فالكاهن يرمز إلى الشريعة في تاريخ الخلاص، ولم تستطع الشريعة أن تشفي جروحات آدم. فالشريعة تساعدني على رؤية خطيئتي، وضعفي، ولكنّها لا تزيلها.

32وكَذلِكَ وصلَ لاوِيٌّ إِلى المَكان، فَرآهُ فمَالَ عَنهُ ومَضى.
تشير عبارة ” لاوي ” الى رجلٌ عُهِدَتْ إليه خدمةُ الهيكل، وفُرِض عليه أن يُحافِظ على الطهارة الشرعيَّة. فإنْ مسَّ مَيْتاً أصبحَ نَجِساً وأُبعِدَ عن الخِدمة. فلمَّا رأى الجريح يَئِنُّ ويتلوَّى بين الحياة والموت تركه خوفا من يُعرِّض نفسه للنجاسة. وهو يرمز إلى الأنبياء الذي يقوم عملهم بتوبيخ ضمير الخاطئ حتّى يتوب. أما عبارة “فمَالَ عَنهُ ومَضى” فتشير ان اللاوي تعامل مع الرجل الجريح كموضوع نجاسة.
33ووَصَلَ إِلَيه سَامِرِيٌّ مُسافِر ورَآهُ فأَشفَقَ علَيه،
تشير عبارة “سَامِرِيٌّ” الى أحد السامريين الذين كان اليهود يتجنّبون الإتصال بهم، وكانوا يكرهونهم بسبب فساد أصلهم واختلاف افكارهم الدينية (لوقا 9: 52 – 55). وزادت الكراهية بسبب مصاهرة بزواج منسّى ابن الكاهن الأعظم في أورشليم ببنت الحاكم البابلي “سنبلاّط” وطرد نحميا لمنسي. وكلمة سَامِرِيٌّ تعني حارس اما عبارة “فأَشفَقَ علَيه” فتشير الى كلمة اليونانية ἐσπλαγχνίσθη تعني “شعور نابع من الأحشاء” مصدر الحب والحنان. وهو مرادف لتعبير إحساس غريزي نابع من الأعماق ومن تحركت أحشائه. ولم يستطيع أن يجتازه دون تقديم المعونة ليس نتيجة استحقاق، لكن قدمها نتيجة احتياج. إذ وجد زميلا له في الإنسانية. هذا هو المعنى الحقيقي للشفقة والحنان. ان السامري تعامل مع الانسان الجريح كإنسان يستحق الحب والرحمة، ولم يتوقف عند حدود الوطن او الدين. ومن هنا يرمز السامري الى المسيح الذي اِسمه يعني “الحارس”، إِنَّ حارِسَ إسرائيلَ لا يَغْفو ولا يَنام” (مزمور 121: 4)، هو سامري مسافر إذ كان في الأرض لمدة مؤقتة، ولكنه من السماء وسيعود للسماء، فكأنه كان مسافرًا غريبًا.
34فدَنا منه وضَمَدَ جِراحَه، وصَبَّ علَيها زَيتاً وخَمراً، ثُمَّ حَمَلَه على دابَّتِه وذَهَبَ بِه إِلى فُندُقٍ واعتَنى بِأَمرِه”
تشير عبارة “صَبَّ علَيها زَيتاً وخَمراً ” الى طب ذلك الزمان في معالجة الجروح الذي كان يستخدم الزيت لتليين الجروح والتخفيف من حِدَّة الألم (اشعيا 1: 6) واما الخمر فكان يُستخدم لقتل الميكروبات وتعقيم الجروح وتطهيرها ولإزالة الالتهابات. أمَّا عبارة “حَمَلَه على دابَّتِه” فتشير الى نقل الجريح من جانب الطريق إلى الفندق عن طريق الدابة.
35وفي الغَدِ أَخرَجَ دينارَيْن، ودَفَعهما إِلى صاحِبِ الفُندُقِ وقال: ((اِعتَنِ بِأَمرِه، ومَهْما أَنفَقتَ زيادةً على ذلك، أُؤَدِّيهِ أَنا إِليكَ عِندَ عَودَتي)).
تشير عبارة ” أُؤَدِّيهِ أَنا إِليكَ عِندَ عَودَتي ” الى ضمير المتكلم والمعنى انا بذاتي سأوفيك وليس الرجل المصاب. اما عبارة “دينارَيْن” فتشير الى رقم 2 الذي يرمز إلى “الحب”، بكونه قد أعلن خلال وصيَّتين: حب الله وحب الناس، ولأنه يجعل الاثنين واحدًا كما يقول القديس أوغسطينوس. وكأن السيِّد المسيح قد ترك لنا في كنيسته كنز “الحب الإلهي”، به نحب الله والناس. بينما رأى بعض الآباء في الدينارين رمزًا للتلاميذ والرسل الذين يعملون في الكنيسة لحساب السيِّد المسيح، او رمز للكتاب المقدَّس بعهديه. اما القديس ايريناوس فإنه يرى أن الدينارين يشيران إلى الروح القدس الذي وُهب للكنيسة لكي ينقش على النفس كتابة الآب والابن يكونها عُمْلة الله وديناريه.” بذل السامري أكثر مما هو مطلوب، ذهب إلى الميل الثاني منفذا الوصية”41ومَن سَخَّرَكَ أَن تَسيرَ معه ميلاً واحِداً. فسِرْ معَه ميلَيْن”(متى 5: 41). وقد رأى آباء الكنيسة في هذا السامري يسوع طبيب المرضى (أي الخطأة) الذي يعتني بجراحهم ويقودهم الى الفندق (الكنيسة) فيسلمهم معافين الى الله الآب.
36فمَن كانَ في رأيِكَ، مِن هؤلاءِ الثَّلاثَة، قَريبَ الَّذي وَقَعَ بِأَيدي اللُّصوص؟)) 37فقال: ((الَّذي عَامَلَهُ بِالرَّحمَة)). فقالَ لَه يَسوع: ((اِذْهَبْ فاعمَلْ أَنتَ أَيضاً مِثْلَ ذلك)).
تشير عبارة “الَّذي عَامَلَهُ بِالرَّحمَة ” الى جواب الكاتب الذي لم ينطق بكلمة السامري بل أشار إليه بعبارة “الَّذي عَامَلَهُ بِالرحمة”. فالقريب هو كل انسان يقترب من الآخرين بمحبة حتى لو كان من الغرباء او الاعداء وهكذا تجاوز نظرته الضيقة التي تحصر القريب في اعضاء شعبه فقط. امام الانجيل تتلاشى انفرادية وشرعية علماء الشريعة. ” وإِنَّما عَرَفْنا المَحبَّة بِأَنَّ ذاكَ قد بَذَلَ نفْسَه في سَبيلنِا. فعلَينا نَحنُ أَيضًا
أَن نَبذُلَ نُفوسَنا في سَبيلِ إِخوَتِنا. مَن كانَت لَه خَيراتُ الدُّنْيا ورأَى بِأَخيهِ حاجَةً فأَغلَقَ أَحشاءَه دونَ أَخيه
فكَيفَ تقيم فيه مَحبَّةُ الله؟ يا بَنِيَّ، لا تَكُنْ مَحبَّتُنا بِالكلام ولا بِاللِّسان بل بالعَمَلِ والحَقّ. (1يوحنا 3: 16-18) وهكذا تحول سؤله مِن “مًن هو قريبي؟ ” الى “كيف أكون قريب كل انسان؟ “. فالمحبة ليست شعورا فقط بل مجموعة من الافعال الرحمة الملموسة
ثانياً: تطبيقات النص الانجيلي (لوقا 10: 25-37)
انطلاقا من هذه الملاحظات الوجيزة حول وقائع النص الإنجيلي (لوقا 10: 25-37) نستنتج انه يتمحور حول سؤالين: من هو قريبي؟ كيف اكون قريب كل إنسان؟
1) من هو قريبي؟
بما ان عالم الشريعة يعرف الوصايا خاصة وصية محبة الله والقريب طلب منه يسوع ان يعمل بها لينال الحياة الأبدية: “اِعمَلْ هذا تَحْيَ)). (لوقا 10: 28) أي اعمَلْ ما تعرفه من وصية محبة الله والقريب. لكنه أجاب انه لا يعلم من هو هذا القريب مستفسراَ ” من هو قريبي؟” (لوقا 10: 29).
اتخذ العالم اليهودي من خلال قصة “السامري الرحيم” مواقف متباينة حول القريب الذي يمثل الرجل الجريح:
القريب بالنسبة للصوص، شخص يسرقونه وينهبونه؛ وتقوم فلسفتهم على “ما هو للقريب هو لي وسآخذه”.

واما القريب بالنسبة للكاهن فهو مشكلة يجب تجنبها فقد رأى الرجل الجريح ثمَّ تركَهُ بحُجَّةِ أن مساعدة الجريح ليست من شأنه ولا من مَهَمَّتِه. إنَّ مَهَمَّتَهُ تكمن في تقديمه في الهيكل الذبائح لله تعالى. ونسي الانسان الجريح وظنّ أنه قد أتمّ عمله في الهيكل ولم يتذكر ما قاله الرب على لسان النبي هوشع “فإِنَّما أُريدُ الرَّحمَةَ” (هوشع 6: 6). اما القريب الجريح الذي هو بين حي وميت بالنسبة الى اللاوي فهو نجسُ، وعليه فاذا مسَّ مَيْتاً أصبحَ نَجِساً وبالتالي يُبعَد عن خِدمة الهيكل. اما القريب بالنسبة لصاحب الفندق فهو نزيل عليه ان يخدمه مقابل اجرة.
وتقوم فلسفة الكاهن واللاوي على “ما هو معي هو لي وسأحتفظ به وليس للقريب”.

واما القريب بالنسبة الى السامري فهو إنسان يستحق العناية به والمحبة. بحاجة الى شفقة ومساعدة، فغيّر مشروع سفره وترجم محبته او شفقته بأعمال الرحمة التالية: ودنا من الانسان الجريح، وضمّد جراحه، وصبّ عليها خمرًا وزيتًا (حسب الطب القديم)، وحمله على دابته، وذهب به إلى الفندق، واعتنى بأمره. ويُعلق القديس ساويرس الانطاكي بقوله “إن الذي يشترك في نفس الطبيعة البشريَّة هو قريبك، وليس فقط من يشترك معك في ديانتك أو جنسيَّتك هو قريب” لم يجتاز الرجل الجريح، بل حنى عليه وشفاه.

هذا السامري عرف الطبيعة البشريَّة وفهم من هو القريب. فأخذ المبادرة “دنا منه”، وجعل من نفسه قريباً منه. ولم يخف في تلك الفترة من اللصوص الذين ربما يفاجئونه وَيسلبون أمواله ويحاولون قتله كما فعلوا مع هذا الذي تركوه بين حي وميت. إن عمل الرحمة يعطي للإنسان شجاعة ويبعد عنه الخوف. وتقوم فلسفة السامري على “ما هو لي هو لك وأريدك مشاركتي به”.
أمَّا السامري الأعظم، الذي لم يَرِدْ اِسمُهُ بصراحة في هذا المثل، فهو يسوع المسيح، دعوه سامرياً (يوحنا 48:8) وهو الإله الذي جعل من نفسه إنسانًا، ونزل إلى الطريق، لكي يساعد هذا الرجل الذي أصبح بين حي وميِّت مقدِّما كل شفاءٍ. ويعلق القديس كليمنضوس:” من يمكن أن يكون هذا القريب، إذا لم يكن المخلّص نفسه؟ ومن أشفق علينا وعمل من اجلنا أكثر منه؟ أنه الطبيب الوحيد الذي سكب على جراح نفوسنا نبيذ دمه وزيت شفقته ومحبته”. وأما الرسول بولس فيصف قرب الله منا بيسوع المسيح:” هو صُورَةُ اللهِ الَّذي لا يُرى وبِكْرُ كُلِّ خَليقَة “. (قولسي1: 15)؛ أنه نزل لكي يقترب من الإنسان، فتحنَّنَ على البشريَّةِ الجريحة، وقدَّمَ لها المؤازرة بتعاليمِهِ ونِعَمِهِ وموتِهِ على الصليب وقيامتِهِ المجيدة، وأعادَ إليها الحياة الإلهيَّة وعافيتها الروحيَّة التي فقدتْها بالخطيئة.
إن كان الكاهن يمثِّل الشريعة، واللاوي يمثِّل النبوَّات، فإنه لم يكن ممكنًا للشريعة أو النبوَّات أن تضمد جراحاتنا الخفيَّة، وتردِّنا إلى طبيعتنا التي خلقنا الله عليها، لكن “السامري ” الذي اِسمه يعني “الحارس”، فإن حارس إسرائيل لا ينعس ولا ينام (مز 121: 4) والذي يمثِّل السيِّد المسيح وحده نزل إلى الطريق، لكي يساعد هذا الرجل الذي بين حي وميِّت مقدِّما كل شفاءٍ. ابن اللّه الآب جاء هو بنفسه، هو الذي لبى نداء الساقط بين اللصوص وعصب وداوى وليّن وعقم جراحاتنا بدم قلبه وزيت رحمته وأخذنا إلى الفندق إلى كنيسته المقدسة دافعاً عنا دينارين سر جسده ودمه الأقدسين، هذا بتفسير الدينارين، وهو سيدفع عنا ويدفع دائماً لأنه يريدنا أن نكون معافين روحياً وجسدياً، ويوفي بمجيئه الثاني كل من يعتني بنا روحياً وجسديا. عامل يسوع بالرحمة فصار قريبنا، وهو يدعونا إلى أخذ المبادرة لجعل الآخر قريب منّا.

2) كيف أكون قريب كل إنسان؟
كان عالم الشريعة قد سأله:” من قريبي” بمعنى ” من عليه التقرب مني؟ فأجاب يسوع بسؤال ” ممن تتقرب انت؟” القريب هو “انا” عندما اتقرب من الآخرين بمحبة، تتقرّب من الضعيف المحتاج ولا تنتظر ان يقترب منك. هنا تبدأ ثورة الانجيل وما قدّمه للإنسانية من جديد، يقلب يسوع مفهوم “القريب” راسا على عقب. فلا مجال للسؤال ” من قريبي” بل “انا قريب من؟” او كيف اتقرب أنا من كل إنسان؟ وكيف يمكن ان أكون قريباً من كل إنسان؟ الواجب، الذي حدَّدته الشريعة يدفعني لأحبَّ “الله من كل قلبي… وقريبي كنفسي”! ومن هنا السؤال “من هو قريبي الذي يدفعني لأحبَّه كما أحب ُّ نفسي؟ او كيف أكون قريب كل إنسان؟
حوّل يسوع المعتقد الاساسي لعالم الشريعة من الانحصار في الذات المتضمن في سؤاله ” ((يا مُعَلِّم، ماذا أَعملُ لِأَرِثَ الحيَاةَ الأَبَدِيَّة؟)) الى إهتمام الآخرين وذلك بتوجيه السؤال “36فمَن كانَ في رأيِكَ، مِن هؤلاءِ الثَّلاثَة، قَريبَ الَّذي وَقَعَ بِأَيدي اللُّصوص؟ ” فاذا استطاع السامري ان يثبت نفسه قريبا حقيقيا للرجل الجريح بإظهار الرحمة والعطف عليه فكل الناس أقرباء له. لقد غًير هذا العمل العظيم معنى العلاقة بين القوميات بأكملها. وكما يقول القديس ايرونيموس “نحن أقرباء، كل البشر أقرباء لبعضهم البعض، إذ لنا أب واحد”
ويعلّق العلامة أوريجانوس “أن القرابة لا تقف عند حدود الدم ولا عند العمل، وإنما تقوم على تنفيذ وصيَّة الحب بأعمال الرحمة”. انت تصنع قريبك، إذا احببت الاخر تجعله قريبا. وإذا عاملته بالرحمة فأنت احببته. إذاً انت تصنع القريب بالمحبة والرحمة. كان قَريبَ الَّذي وَقَعَ بِأَيدي اللُّصوص الَّذي عَامَلَهُ بِالرَّحمَة” (لوقا 10: 37).
والمحبة تفترض متابعة وانتباها متواصلا، لان المحبة ليست عاطفة عابرة، بل هي امر يدوم ويواظب عليه، والذي احبه اتحمله واحفظه في قلبي، أنفق من وقتي وحياتي ومالي وصحتي من اجله، وبذلك اكون قد اقتربت منه وجعلته قريبي. ولما انقل الله اليه من خلال عطفي ومحبتي وانتباهي، يقترب هو تدريجيا من الله ويتعرف عليه. فالقريب هو الذي يقترب من الآخرين بمحبته وبأعمال الرحمة. بهذه الطريقة تكون المحبة بلا حدود، ولا تكون شكليةـ عملية ” اِذْهَبْ فاعمَلْ” (لوقا 10: 36).
فعمل الرحمة واجب على كل مؤمن ” لأَنَّ الدَّينونَةَ لا رَحمَةَ فيها لِمَن لم يَرحَم، فان الدينونة لا رحمة فيها لمن لا يرحم” (يعقوب 2: 13) “مَن سَدَّ أُذُنَه عن صُراخِ الضَّعيف فهُو أَيضًا يَصرُخ ولا يُسمعُ لَه” (امثال 21: 13). أما “مَن يَرحَمِ الفَقير َيُقرِضِ الرَّبّ فهُو يُجازيه على صَنيعِه” (امثال 19: 17) ويكنز في السماء كنوزا من الرحمة يعينه الرب بها عند الحاجة. فقريبنا هو أي إنسان يحتاج إلى مساعدتنا، بغض النظر عن جنسه أو عقيدته أو لغته أو لونه حتى لو كانت هناك عداوة بينا وبينه.
واساس الرحمة هي المحبة. الله يحبنا “فإِنَّ اللهَ أَحبَّ العالَمَ حتَّى إِنَّه جادَ بِابنِه الوَحيد لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِه بل تكونَ له الحياةُ الأَبدِيَّة” (يوحنا 3: 16)، ولأنَّ الله يحبنا فهو يعتني بنا ” أُنظُرُوا إِلى طُيورِ السَّماءِ كَيفَ لا تَزرَعُ ولا تَحصُدُ ولا تَخزُنُ في الأَهراء، وأَبوكُمُ السَّماويُّ يَرزُقُها. أَفَلَسْتُم أَنتُم أَثْمَنَ مِنها كثيراً؟”(متى 6: 26). ويريد الله ان يعرف كل أحد مقدار محبة الله له “ويَعرِفَ العالَمُ أَنَّكَ أَنتَ أَرسَلتَني وأَنَّكَ أَحبَبتَهم كَما أَحبَبتَني”(يوحنا 17: 23). يسوع يحبنا كما يحبه ألاب (يوحنا 15: 9). لم يعرّض يسوع حياته فقط بل هو في الواقع بذل حياته لأجلنا. “…بابنِ اللهِ الَّذي أَحبَّني وجادَ بِنَفْسِه مِن أًجْلي” (غلاطية 20:2). علينا ان نبذل نفوسنا في سبيل غيرنا كما يوصينا يوحنا الرسول “إنَّما عَرَفْنا المَحبَّة بِأَنَّ ذاكَ قد بَذَلَ نفْسَه في سَبيلنِا. فعلَينا نَحنُ أَيضًا أَن نَبذُلَ نُفوسَنا في سَبيلِ إِخوَتِنا” (1 يوحنا3: 16).
ولنختم بحثنا مع اقوال صاحب سفر الامثال ” مَنِ اْهانَ بِقَريبِه يَخطَأ والَّذي يَرحَمُ المَساكينَ طوبى لَه ” (أمثال 14: 21) ” لا تُفارِقْكَ الرَّحمَةُ والحَقّ بَلِ اْشدُدْهما في عُنُقِكَ واْكتُبْهما على لَوحَ قَلبِكَ ” (أمثال 3: 3). ومن الأحاديث المتواترة عند إخواننا المسلمين أنه يوم لا يسعف الانسان اخاه الإنسان، تكون نهاية العالم قد دنت.

خلاصة
ذاع هذا المثل في القرون الوسطى بصفه خاصة. وصوًر المثل المسيح بالسامري الصالح. ونقش على الأيقونات في الكنائس بواسطة أبرز الفانين والرسامين مثل فنست فان كوخ ولوس، كما قام النحاتون مثل بيت ابزر وفرانس ليون بأعمال خالدة تجسيدا لهذا المثل. ونقشت استراليا عملة مادية تحمل السامري الصالح والرجل المجروح وقد حمله على دابته إلى الفندق. كما طبع نفس الصورة على الشلين الأمريكي لفترة سابقة.

من هذه المثل نتعلم ان القريب هو اي إنسان محتاج، من أي عقيدة، ومن أي لون، ومن أي خلفية اجتماعية. اما “حب المؤمنين لبني جنسهم فقط، حب ناقص، يجب على المؤمنين أن يحبوا الجميع” كما قال فرانسيس شيفر ((1912-1984، العالم اللاهوتي والفيلسوف وراعي. وقد نادي المصلح الاجتماعي الأمريكي مارتن لوثر كينج، بمثل السامري الرحيم وعلم عن محبة القريب وكان له دور كبير في إلغاء التفرقة العنصرية في العالم. فالعنصرية تباعد الشعوب والأمم وتخلق المرارة وتثير الحروب والمنازعات وتفسد الحياة العامة والخاصة.

وفي الدينونة يحاسبنا ربنا على موقفنا الصالح تجاه القريب ” لأَنِّي جُعتُ فأَطعَمتُموني، وعَطِشتُ فسَقَيتُموني، وكُنتُ غَريباً فآويتُموني، وعُرياناً فَكسَوتُموني، ومَريضاً فعُدتُموني، وسَجيناً فجِئتُم إِلَيَّ ” (متى 25: 35 -36). أما الآخرون فلأنهم لم يفعلوا بإخوتهم الصغار أعمال الرحمة يدانون. ويجب أن نعلم أننا لا ندان على ما فعلناه من شر فقط بل أيضاً على ما لم نفعله من خير، عندما يدعونا إنسان لا بلسانه بل بحاله أن نسعفه، نعضده، نساعده، فعلينا أن نقوم بذلك إن كنا نريد أن نرث ملكوت اللّه، هذه هي أعمال المحبة والرحمة.

إنَّ إيماننا المسيحي يقول لنا إنَّ هناك سامريَّاً آخر أعظمُ شأناً بما لا يقاس من السامري الرحيم. فهو لم يكتفِ بأن يُنقِذَ رجلاً جريحاً بائِساً، بل أنقذ البشريَّة الجريحة كلَّها من الموت والهلاك الأبدي. إنَّه يسوع المسيح. لقد عطف يسوع على البشريَّة الخاطئة، وأنقذها من بؤسها الروحي بتعاليمه وموته وقيامته وتدفُّق نِعَمِه عليها. إنَّه السامري الأعظم صاحب المحبَّة اللاَّمحدودة. أنه الطبيب الوحيد الذي سكب على جراح نفوسنا نبيذ دمه وزيت شفقته ومحبته”. لذلك فلسنا بحاجة إلى أن نبحث عن الله خلف السماوات أو البحار، لأنه صار القريب منا كما جاء في العهد الجديد الكلمة صار جسدا وحل فينا (يوحنا 1).

دعاء
أهَّلنا يا رب لنقتدي بالسامري الصالح لنستحق أن ننال الطوبى التي أعطاها الرب “طوبى لِلرُّحَماء، فإِنَّهم يُرْحَمون”(متى 5: 7).

قصة واقعية من وحي مثل السامري الرحيم
كان الواعظ الألماني الشهير في القرن الثامن عشر-فريدريك اولبرتين -عائدا من إحدى القرى إلى منزله ونظرا لسوء الحالة الجوية لم يجد أي وسائل نقل وكان الوقت متأخرا. فبدأ رحلة عودته سيرا على الأقدام. اشتدت عاصفة الثلج، ضل طريق العودة وخشي الواعظ من التجمد. وشعر بوهن وإعياء شديدين فجلس على جانب الطريق.
بعد ساعات، ظهرت عربة وشاهد السائق شخصا جالسا علي جانب الطريق. توقف الرجل وترجل من عربته وحمل الواعظ إليها، وأوصله إلى أقرب دار علاج. وطلب من المسئول أن يعتني به.
بينما هو يهم بالرحيل، سأله الواعظ في صوت خافت: سيدي ما اسمك؟، حتى أذكرك في صلاتي أمام الله. كان هذا الرجل يعرف الواعظ وقال له سيدي: أنت واعظ، دعني أوجه لك سؤالا: ما هو الاسم الحقيقي للسامري الصالح؟ أجابه الواعظ: “لا أعلم”. لم يذكر الكتاب المقدس اسم السامري الصالح. فرد عليه الرجل: أسمح لي أن أخفى اسمي عنك حتى تخبرني باسم السامري الرحيم.