مثل الكرّامين القتلة والمسؤولية (متى 21: 33 -43)
الأب لويس حزبون
يُسلط إنجيل هذا الاحد الأضواء على مثل الكرّامين القتلة (متى 21: 33 -43) حيث يوضح مسؤولية اليهود الجسيمة في رفض يسوع المسيح المرسل من قِبَل الله، وبالتالي فقدان مسؤوليتهم في قيادة شعب الله ودينونتهم. ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الانجيلي (متى 21: 33 -43)
33 “إِسمَعوا مثلاً آخَر: غرس ربّ بيت كرماً فسيّجه، وحفَرَ فيه مَعصَرَةً وبَنى بُرجاً، وآجَرَه بَعضَ الكرَّامين ثُمَّ سافَر”.
تشير عبارة ” غرس ” الى محبة رب البيت لكرمه وعنايته الفائقة والاهتمام المتواصل، والرمز مأخوذ من أشعيا حيث يقول أنَّ إسرائيل كرم الله. “كانَ لِحَبيبي كَرْمٌ في رابِيَةٍ خَصيبة وقد قَلَّبَه وحَصَّاه وغَرَسَ فيه أَفضَلَ كَرمِه وبَنى بُرجاً في وَسَطِه وحَفرَ فيه مَعصَرَةً وآنتَظَرَ أَن يُثمِرَ عِنباً فأَثمَرَ حِصرِماً بَرِّيّاً” (أشعيا 5: 2). ولكن يا لها من خيبة امل. أمّا عبارة “ربّ بيت” فتشير الى الله الذي هو غارس الكَرْم، ويبدو أنَّه رجل غيور، يحُب كرْمه، ويتوقع ان يُعطيه غلة وافرة؛ أمَّا عبارة “الكرْم ” فتشير إلى شعب الله المختار في العهد القديم كما أشار صاحب المزامير بقوله عن شعب العهد القديم ” مِن مِصرَ اقتَلَعتَ كَرمَةً ولتَغرِسَها طَرَدتَ أمَمًا مَهَّدتَ لَها فأَصَّلَت أُصولَها ومَلأَتِ الأَرض ” (مزمور 80: 9-10)، وقد أوضح ذلك اشعيا النبي” إَنَّ كَرمَ رَبِّ القواتِ هو بَيتُ إِسْرائيل وأُناسُ يَهوذا هم غَرْسُ نَعيمِه”(اشعيا 5: 7)؛ وإن هوشع هو من اول من وصف بني اسرائيل بالكرْمة التي اختارها الله ثم نبذها (هوشع 10/1) وتبعه ارميا (2/ 21) وحزقيال (15/ 1-8) وثم أشعيا (5: 2) وأخيرا لوقا الإنجيلي “غَرَسَ رَجُلٌ كَرْماً فآجَرَه بَعضَ الكَرَّامين وسافَرَ مُدَّةً طَويلة” (لوقا 20: 9). ويسوع ينقل هذا الموضوع الى مثل الكرامين القتلة ويضعه في صيغة تطبيقية جديدة. فالكرْم يُشير أيضا الى ملكوت الله؛ أمَّا عبارة ” فسيّجه” فتشير الى سور من شوك، أو حائط للوقاية من الحيوانات الضارية؛ أمَّا عبارة “المَعْصَرَة ” فتشير الى حوضٍ الدَّوْس وجُرن جمع العصير وجرن العصير وجرن صغير للجرار؛ فجُرن الدوس هو مسطبةٌ منحوتةٌ في الصَّخرِ تميلُ قليلاً باتِّجاه جُرنِ جمعِ العصير. على هذا الحوضِ كانتْ تُوضَعُ عناقيدُ العِنَبِ، وعليها كانَ يُداسُ بالأَرْجُلِ مِن أَجلِ عصْرِها. اما جُرْنُ جمعِ العصيرِ هو جُرنٌ منحوتٌ في الصَّخرِ إِليهِ كان يجري العصيرُ مِن حوضِ الدَّوْسِ الذي يميلُ بِعَدَدٍ قليلٍ مِنَ الدَّرجاتِ نحوَ ذلكَ الجُرْنِ، مِن أَجل تسهيلِ جَرَيَانِ العصيرِ إِليهِ، واما جُرنُ خزنِ العصيرِ فيه كانَ يُخْزَنُ عصيرُ العَنَبِ ريثما كانَت تُمْلأُ بِهِ الجِرَارُ، وشكلُ هذا الجُرْنِ دائِريٌّ تقريبًا، واما جُرنٌ صغيرٌ لِلْجِرَارِ هذا الجُرْنُ هو حُفرةٌ صغيرةٌ دائِريَّةٌ تقريبًا منحوتةٌ في الصَّخرِ بِها كانتْ تُوضعُ وتُثَبَّتُ الجِرَارُ التي كانتْ تُمْلأُ بِالعصيرِ وهذه المعصرة لا تزال ظاهرة في كثير من أراضينا في فلسطين؛ وأمَّا “البرج” فتشير الى مظلة من الخشب على منصة عالية للحارس، وهي كلها اجزاء ضرورية في المثل تظهر عناية صاحب الكرم الشديدة ومحبته لكرمه. أمَّا عبارة ” آجَرَه ” فتشير الى بعض المسؤوليات التي خصّها الله للإنسان، فقد فوّض الله إليه امر الكرْم، كما فوّض اليه منذ بدء الخليقة ” اِنْموا واَكْثُروا وأمْلأُوا الأَرضَ وأَخضِعوها وَتَسَلَّطوا على أَسْماكِ البَحرِ وطُيورِ السَّماءِ وَكُلِّ حَيَوانٍ يَدِبُّ على الأَرض ” (التكوين 1: 28)؛ اما عبارة ” بَعضَ الكرَّامين” فتشير الى المسؤولين عن شعب إسرائيل خاصة قادتهم الدينيين من رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ (مرقس 11: 21). اما عبارة ” سافَر ” فتشير الى تنقُّلِ مِنْ بَلَدِهِ، وهي تدل على علاقته بالكّرامين علاقة من هو مسافر عنهم في رحلة بعيدة. ومع هذا كان مهتمّا بكرْمه، ويشغِل ذهنه به.
34 “فلمَّا حانَ وَقتُ الثَّمَر، أَرسَلَ خَدمَه إِلى الكَرَّامينَ، لِيَأخُذوا ثَمَرَه”:
تشير عبارة ” فلمَّا حانَ وَقتُ الثَّمَر ” الى وقت قطف الثمر، إذ هناك اتفاق سابق بين صاحب الكرم والكرامين الذين يتوجب عليهم ان يؤدوا الثمر في حينه. أمَّا عبارة ” خَدمَه ” فتشير الى أنبياء العهد القديم وتنتهي بيوحنا المعمدان الذين ارسلهم الله لإحياء الايمان في وعوده لمجيء المسيح المخلص؛ وانتظروا كلهم ان يجدوا ثمر التوبة والبِر كما جاء في عظة يوحنا المعمدان “فأَثمِروا إِذاً ثَمَراً يَدُلُّ على تَوبَتِكم”(لوقا 3: 8). اما عبارة “لِيَأخُذوا ثَمَرَه ” فتشير الى تأدية حساب ثمر الكرْم، لا جزء منه فقط كما ورد في انجيل مرقس ” لَمَّا حانَ وقتُ الثَّمَر، أَرسلَ خادِماً إِلى الكَرَّامين، لِيأخُذَ مِنهُم نَصيبَه مِن ثَمَرِ الكَرْم ” (مرقس 12: 2)، هكذا تظهر الأمانة للعهد (متى 21: 41-43).
35 “فأَمسَكَ الكرَّامونَ خَدَمَه فضرَبوا أَحدَهم، وقتَلوا غيرَه ورَجَموا الآخَر”
تشير عبارة “أَمسَكَ الكرَّامونَ خَدَمَه” الى كرامين أشرّار وعصاة وقساة القلوب رفضوا وجود علاقة مع صاحب الكرْم، وذلك برفضهم خدامه، إذ اعتبروا أنفسهم أصحاب الكرْم، ولم يُصغوا للكلمة كما قال فيهم اشعيا النبي “يا رب مَنِ الَّذي آمَنَ بِما سَمِعَ مِنَّا” (اشعيا 53: 1). وهم يرمزون الى قادة اليهود الدينيين وبذا يصف المثل اضطهاد الأنبياء ورفضهم من قبل قادة الامة الدينيين. أمَّا عبارة ” ضرَبوا، قتَلوا، رَجَموا” فتشير الى تطبيق كلام يسوع على عمل اليهود بالأنبياء في درجة أولى. اما عبارة “فضرَبوا” فتشير أيضا الى معاملة الذين جُلدوا الرسل (اعمال الرسل 5: 40)؛ واما عبارة “قتَلوا” فتشير أيضا الى الذين قتلوا يعقوب الرسول (اعمال الرسل 12: 2)؛ واما عبارة ” رَجَموا الآخَر” فتشير أيضا الى الذين رجموا اسطفانس (اعمال الرسل 7: 85-95)، كما تذكرنا هذه الآية في انذار يسوع لاورشليم ” أُورَشَليم أُورَشَليم، يا قاتِلَةَ الأَنبِياء وراجِمَةَ المُرسَلينَ إِليَها ” (متى 23: 37). نجد هنا العنف كنتيجة للرفض. ويتواصل هذا الرفض والتنكر حتى يومنا هذا.
36 “فأَرسَلَ أَيضاً خَدَماً آخَرينَ أَكثرَ عَدداً مِنَ الأَوَّلينَ، ففَعلوا بِهِم مِثلَ ذلِك”.37 “فأَرسَلَ إِليهِمِ ابنَه آخِرَ الأَمرِ وقال: سيَهابونَ، ابْني”:
تشير عبارة ” خَدَماً آخَرينَ ” الى ارسال خدّامٍ أمناء ليطلبوا المحصول من العنب والفاكهة من مخازن كرْمه. اما عبارة ” ففَعلوا بِهِم مِثلَ ذلِك ” فتشير الى رفضهم أن يُسلّموا الخدم الّذين أُرسلهم صاحب الكرم كي يأخذوا ما يحقّ له من المحصول، لا بل عاملوهم بعنف أمّا بالضرب والقتل والرجم. اما عبارة ” ابنَه” فتشير الى ابن رب البيت، صاحب الكرْم، وهو يمثل يسوع المسيح، الابن الوحيد المحبوب والوارث الذي له كل سلطان كما جاء في انجيل مرقس “بَقِيَ عِندَه واحِدٌ وهو ابنُه الحَبيب” (مرقس 12: 6). أرسل الله الابن كواحد بين الخدّام وهو يسوع المسيح كي يدعو الذين آمنوا به إلى شركة مملكته فيكون مالكًا معهم كما جاء في انجيل يوحنا “ظَهَرَت مَحبَّةُ اللهِ بَينَنا بان أَرسَلَ ابنَه الوَحيدَ إِلى العالَم لِنَحْيا بِه” (1 يوحنا4: 9). فلا حد لمحبة الله للإنسان. إنّه يُضحي بأثمن ما لديه كما ورد في الإنجيل “فإِنَّ اللهَ أَحبَّ العالَمَ حتَّى إِنَّه جادَ بِابنِه الوَحيد” (يوحنا 3: 16). أمّا هؤلاء فقد أرادوا نوال المملكة بمفردهم دونه، مغتصبين لأنفسهم الميراث. أمَّا عبارة ” سيَهابونَ، ابْني ” فتشير الى ثقة صاحب الكرم بالكرّامين وعدم فقدان الأمل. وقد أرسل صاحب الكرْم خدمه على مراحل ثلاث مختلفة. ونجد البعد المسيحاني للمثَل.
38 “فلَمَّا رَأَى الكرَّامونَ الابنَ، قالَ بَعضُهم لِبَعض: هُوَذا الوارِث، هَلُمَّ نَقتُلْهُ، ونَأخُذْ مِيراثَه.
تشير عبارة “هُوَذا الوارِث” الى وعي خطورة ما فعل الكرَّامون فلم يقتلوه صدفة بل بمعرفة وحرية ورضى، فبعد ان عارض الرؤساء اليهود الأنبياء ، مرسلي الله، لا يبقى لهم سوى ان يقتلوا الابن وهو يسوع المسيح ؛ أمّا عبارة “يأخذوا ميراثه” فتشير الى كشف عمّا يختلج في صدور الكرَّامين، وهو اخذ الميراث، اما عبارة “ّنَقتُلْهُ، ونَأخُذْ مِيراثَه ” فتشير الى اعتقاد الكرَّامين أنّهم سيأخذون ميراثه من خلال قتل الوريث الشرعي، فيتمكنوا من أن يصبحوا الورثة، دون أن يكونوا أبناء، وتدل هذه الاحداث على ما حصل مع يسوع إذ اخرجوا يسوع خارج الكرم، أي خارج اورشليم، وقتلوه. وعملوا به ما أرادوا. ولكن هذا الابن الذي يُقتل قام.
39 “فأَمسَكوهُ وأَلقَوهُ في خارِجِ الكَرْمِ وقتَلوه”:
تشير عبارة ” أَلقَوهُ في خارِجِ الكَرْمِ وقتَلوه ” الى الابن الذي أُلقي في الخارج وقُتل دلالة على ان يسوع صُلب خارج أسوار اورشليم المدينة المقدسة، ثم قُتل؛ وكذلك في انجيل لوقا ” فأَلقَوهُ في خارجِ الكَرمِ وقَتلوه” (لوقا 20: 15). امَّا في انجيل مرقس فان الابن يُقتل ثم يُلقى في الخارج “فأَمسَكوهُ وقتَلوه وأَلقَوْهُ في خارِجِ الكَرْم”(مرقس 12: 8). اما العادة الجارية عند اليهود فكان اليهود يجرون المحكوم عليهم بسبب التجذيف خارج المدينة ويقتلونه كما جاء في شريعة موسى ” خرِجِ اللاَّعِنَ إِلى خارِجِ المُخَيَّم، ولْيَضَعْ كُلُّ مَن سَمِعَه أَيدِيَهم على رأسِه، ولْتَرجُمْه كُلُّ الجَماعة ” (الاحبار 24: 14-16)، وهكذا فعلوا مع اسطفانس اول شهداء المسيحية ” دَفعوهُ إِلى خارِجِ المَدينة وأَخَذوا يَرجُمونَه “(اعمال الرسل 7: 85). ويشبِّه متى الإنجيلي موت يسوع بموت الأنبياء. فالسيِّد المسيح يكشف لرؤساء اليهود أنهم عبر التاريخ كلّه لم يكونوا فقط غير عاملين، وإنما مضطهِدين لرجال الله في أعنف صورة، حتى متى جاء ابن الله نفسه الوارث أُخرجوه خارج أورشليم ليقتلوه! وهنا يصبح المثل نبويا عن الصليب ورفض المسيح من شعبه.
40 “فماذا يَفعَلُ رَبُّ الكَرْمِ بِأُولئِكَ الكَرَّامينَ عِندَ عَودَتِه؟
تشير عبارة “ماذا يَفعَلُ رَبُّ الكَرْمِ بِأُولئِكَ الكَرَّامينَ عِندَ عَودَتِه؟ الى سؤالٍ طرحه يسوع على خصومه. امَّا في انجيل لوقا فإن ربَّ الكرْم يحدّث فيه نفسه ” فقالَ رَبُّ الكَرْم: ماذا أَصنَع؟” (لوقا 19: 13)، وهكذا يؤكد لوقا الإنجيلي أن رب الكرْم قد مارس كل رقَّة ورعاية مع كرْمه، لكنّه دون أن ينتفع الكرْامين بشيء، لهذا يقول: ماذا أَصنَع؟ ان جواب أشعيا كان قاسية: ” فَالآنَ أُعَرِّفُكُمْ مَاذَا أَصْنَعُ بِكَرْمِي: أَنْزِعُ سِيَاجَهُ فَيَصِيرُ لِلرَّعْيِ. أَهْدِمُ جُدْرَانَهُ فَيَصِيرُ لِلدَّوْسِ. وَأَجْعَلُهُ خَرَابًا لاَ يُقْضَبُ وَلاَ يُنْقَبُ، فَيَطْلَعُ شَوْكٌ وَحَسَكٌ. وَأُوصِي الْغَيْمَ أَنْ لاَ يُمْطِرَ عَلَيْهِ مَطَرًا” (أشعيا 5، 5-6). أمّا جواب يسوع فاتخذ من رفض الكرّامين فرصةً لإظهار محبّته وعطائه لآخرين من الوثنيين واليهود لتتيم هذا المخطط حيث لم يمنع رفض الكرّامين من تنفيذ الله مخطّط عهده مع الإنسان.
41 قالوا له: يهلك هؤلاء الأَشرارَ شَرَّ هَلاك، ويُؤجِرُ الكَرْمَ كَرَّامينَ آخَرينَ يُؤَدُّونَ إِليهِ الثَّمَرَ في وَقْتِه”
تشير عبارة ” قالوا له ” الى جواب الخصوم الذي به يحكمون على نفوسهم بأنفسهم. إذ تنكر بنو اسرائيل للرب وانبيائه وابنه يسوع مما أدّى الى ظهور شعب الله الجديد الذي يعهد اليه للعمل في كرمه. فقد أصدر يسوع الحكم عليهم من أفواههم، وهكذا بلغ بهم السيِّد إلى النتيجة، ألا وهي الحاجة إلى هدْم البناء القديم ليقوم ملكوت الله على أساس جديد. أمَّا عبارة ” يهلك هؤلاء الأَشرارَ شَرَّ هَلاك” فتشير دينونة الكرامين، وقيل على لسان اشعيا: “الرَّبُّ آنتصَبَ لِلآتِّهام وقامَ لِيَدينَ الشُّعوب. الرَّبُّ يَدخُلُ في المُحاكَمة مع شُيوخِ شَعبه ورُؤَسائِهم: ((إِنَّكم أنتُم أَتْلَفْتُمُ الكَرْم وسَلْبُ البائِسِ في بُيوتِكم” (اشعيا 3: 13-14). وعليه فإن الشعب اليهودي خسر مكانته، وحلّت محله الكنيسة، التي صارت كرْم الرب بما فيها من وثنيين اهتدوا الى الايمان. وهنا يصبح المثل نبويا في شأن عن الدينونة، تلك الدينونة حلت بالأمَّة اليهودية عندما خربت اورشليم سنة 70م. وما حصل لأهلها من قتل وتشريد كما جاء في راي بعض مفسّري الكتاب المقدس. امَّا عبارة ” كَرَّامينَ آخَرينَ ” فتشير الى انتقال امتيازات الشعب اليهودي الى الأمم “إِنَّ مَلكوتَ اللهِ سَيُنزَعُ مِنْكُم، ويُعطى لأُمَّةٍ تُثمِرُ ثَمرَه” (متى 21: 43) ويلمح بولس الرسول الى اسرائيل الجديدة، “ِإسْرائيلِ الله ” (غلاطية 6: 16)، وهي تتكوَّن من اليهود والامم. لقد أُخذت قيادة الملكوت من رؤساء الدين اليهودي الرسميين وأعطيت لتلاميذه الذين كوّنوا نواة الامة الجديدة التي تبنّت أثمار الملكوت (متى 21: 43). اما عبارة “يؤجِرُ الكَرْمَ كَرَّامينَ آخَرينَ” فتشير الى جماعة الرسل القدّيسين، والمبشّرين بالوصايا الإنجيليّة وخدّام العهد الجديد الذين يعرفون كيف يقودون الناس بموجب شريعة الله ووصاياه. وفي هذا الصدد يقول اشعيا مشيراً إلى مبشري العهد الجديد “أمّا أنتم فتُدعون كهنة الرب، تُسمُّون خدّام الله” (اشعيا 61: 6). وقد أُعطيَ الكرْم لكرّامين آخرين، ليس فقط للرسل القدّيسين، وإنما أيضًا للذين جاءوا بعدهم، كما جاء على لسان اشعيا عن كنيسة الأمم وعن بقيّة إسرائيل “يَقِفُ الأَجانِبُ ويَرعَونَ غَنَمَكم ويَكونُ بَنو الغَريبِ حُرَّاثَكم وكَرَّاميكم” (اشعيا 61: 5). قد خسر الشعب اليهودي مكانته، وحلَّت محله الكنيسة، التي صارت كرْم الرب بما فيها يهود وثنيين اهتدوا الى الايمان. ويُعلّق القدّيس كيرلّس ” المخلّص يسوع المسيح هو الحجر المختار وقد رذلة هؤلاء الذين كان يجب عليهم بناء مجمع اليهود، وقد صار رأس الزاوية. يشبِّهَه الكتاب المقدّس بحجر زاوية، لأنه يجمع الشعبين معًا: إسرائيل والأمم في إيمان واحد وحب واحد “. وفي هذا الصدد قال بولس الرسول “أَلغى شَريعةَ الوَصايا وما فيها مِن أَحكام لِيَخلُقَ في شَخْصِه مِن هاتَينِ الجَماعتَين، بَعدَما أَحَلَّ السَّلامَ بَينَهما، إِنسانًا جَديدًا واحِدًا ” (أفسس 2: 15)؛ أما عبارة “يُؤَدُّونَ إِليهِ الثَّمَرَ في وَقْتِه ” فتشير الى الأمانة للعهد وذلك بتأدية حساب ثمر الكرْم.
42 “قالَ لَهم يسوع: أَما قَرأتُم قَطّ في الكُتُب: الحَجَرُ الَّذي رذَلَهُ البنَّاؤُونَ هو الَّذي صارَ رَأسَ الزَّاوِيَة. من عِندِ الرَّبِّ كانَ ذلك وهو عَجَبٌ في أَعيُنِنا”:
تشير عبارة ” أَما قَرأتُم قَطّ في الكُتُب ” الى الاستشهاد بالكتاب المقدس، وبالتحديد بسفر المزامير ” الحَجَرُ الَّذي رَذَلَه البَنَّاؤون قد صارَ رأسَ الزَّاوِيَة. مِن عِندِ الرَّبِّ كانَ ذلك وهو عَجَبٌ في أَعيُينا” (مزمور 118: 22-23)؛ وهذ المزمور هو أحد مزامير التهليل التي يُنشد في عيد الفصح ويُعد مزمورا مسيحانياً. وقد هتفت الجماهير بهذا المزمور لدى دخول يسوع المسيح الى اورشليم منتصرا، مشيرةً الى مجده. وهو مستوحى من النبي اشعيا ” ذلك قالَ السَّيِّدُ الرَّبّ: ها إِنِّي واضِعٌ حَجَراً في صِهْيون حَجَراً مُمتَحِناً، رَأسَ زاوِيَةٍ كَريماً أَساساً مُحكَماً مَن آمَنَ بِه لَن يَتَزَعزَع “(اشعيا 28: 16). ولقد بادرت الجماعة المسيحية الناشئة الى تطبيق هذا المزمور على قيامة يسوع، منشئ شعب الله الجديد كمل جاء في كلام بطرس الرسول امام المجلس اليهودي “هذا هو الحَجَرُ الَّذي رَذَلتُموه أَنتُمُ البَنَّائين فصارَ رَأسَ الزَّاوِيَة”(اعمال الرسل 4: 11)، وفي كلمته أيضا إلى “المُخْتارينَ الغُرَباءِ المُشَتَّتينَ في البُنْطِ وغَلاطِيَة وقَبَّدوقِيَة وآسِيَة وبِتييِيَة قال بطرس الرسول “إِقتَرِبوا مِنه فهو الحَجَرُ الحيُّ الَّذي رَذَلَه النَّاس فاختارَه الله وكانَ عِندَه كَريمًا ” (1 بطرس 2: 1، 4). اما عبارة ” الحَجَرُ ” الى ” تغير الاستعارة من الكرْمة الى حجر الزاوية الذي هو يسوع المسيح” الذي رذله البناؤون واعتبروه غير صالح للبناء “هذا هو الحَجَرُ الَّذي رَذَلتُموه أَنتُمُ البَنَّائين فصارَ رَأسَ الزَّاوِيَة (اعمال الرسل 4: 11). اما عبارة ” الحَجَرُ الَّذي رذَلَهُ البنَّاؤُونَ ” فتشير الى حجر ضخم وجده البنّاؤون عندما أرادوا بناء هيكل سليمان، فظنّوا أنه لا يصلح لشيءٍ فاحتقروه، ولكن لمّا احتاجوا إلى حجر في رأس الزاوية لم يجدوا حجرًا يصلح مثل ذلك الحجر. وكان ذلك رمزًا للسيِّد المسيح الذي احتقره رجال الدين اليهودي، ولم يعلموا أن الحجر الذي يربط بين الحائطين في الهيكل الجديد، يضم فيه من هم من اليهود ومن هم من الأمم، ليصير الكل أعضاء في الملكوت الجديد. كما جاء في تعليم بولس الرسول ” إِنَّه سَلامُنا، فقَد جَعَلَ مِنَ الجَماعتَينِ جَماعةً واحِدة وهَدَمَ في جَسَدِه الحاجِزَ الَّذي يَفصِلُ بَينَهما، أَيِ العَداوة” (أفسس 2: 14)؛ أمَّا عبارة ” البنَّاؤُونَ ” فتشير الى المسؤولين في الامة اليهودية الذين كان يجب ان تكون لديهم معرفة أفضل. اما عبارة “صارَ رَأسَ الزَّاوِيَة” فلا تشير الى حجر العقد اعلى القوس إنما الى حجر الزاوية في البناء عند ملتقى حائطين ويستخدم كقاعدة لضمان استقامة واستواء سائر احجار البناء وعليه تعتمد قوة البناء. اما عبارة ” هو عَجَبٌ في أَعيُنِنا ” فتشير الى صورة عن موت يسوع وقيامته، وهو عمل الله العجيب في مفهوم المسيحيين. وهنا يُرفع الستار عن هوية يسوع، انه الابن الذي اسلمه المسؤولون الى الموت والذي سوف يمجّده الله. يسوع هو العنصر الاساسي لعمل الله الذي يقيم ابنه ويُسلِّم الملكوت الى كرَّامين يعطون ثمرا. فلم يعد القارئ المسيحي يجد نفسه أمام مجرد الإنباء بموت يسوع، إنما انتقل الى عمل الله العجيب في قيامة ابنه. رأت الجماعة المسيحية الأولى في هذا المثل بعد احداث الفصح إنباء خاصا بسر الفصح، فأضافت آية (متى 21: 42) جاعلة على لسان يسوع آية مزمور 118: 2)، فأصبح المثل يعبّر عن معنى موت يسوع وقيامته. ومن هذا المنطلق أصبح المثل نبوياً يدل على النصرة النهائية للابن ورفعته. المثل هو صورةٌ لرفض المسيح من قبل اليهود، ليصير حجر الاساس للكنيسة المسيحية، وذلك بفعل الله بإقامته من الاموات.
43 “لذلك أقول لكم: إن ملكوت الله سينزع منكم، ويعطى لأمة تثمر ثمره.
تشير عبارة ” ملكوت الله الى السيادة او حكم الإله الذي انتظرته التوقعات اليهودية المسيحانية على إسرائيل. وتعتبر عبارة ” ملكوت الله” بين اليهود تجديفا، لأنه يجب ان يُشار الى الله بلفظة “الاسم” وليس بلفظة “الله”. لذا نجد هذا التعبير خاص بإنجيل متى في حين استبدلاه مرقس ولوقا بتعبير آخر وهو “ملكوت السماوات”. أمَّا عبارة ” أمة ” فلا تشير الى الأمم الوثنية، بل الى مجموعة تشبه ” الامة المقدسة التي ورد ذكرها في سفر الخروج ” وأَنتُم تَكونونَ لي …أُمَّةً مُقَدَّسة”(خروج 19: 6). ويستعمل القديس بطرس الرسول نفس التعبير بقوله ” أَمَّا أَنتم فإِنَّكم ذُرِّيَّةٌ مُختارة وجَماعةُ المَلِكِ الكَهَنوتِيَّة وأُمَّةٌ مُقَدَّسَة وشَعْبٌ اقتَناه اللهُ للإِشادةِ بِآياتِ الَّذي دَعاكم مِنَ الظُّلُماتِ إِلى نُورِه العَجيب. لم تَكونوا بِالأَمْسِ شَعْبَ الله، وأَمَّا الآنَ فإِنَّكم شَعبُه. كُنتم لا تَنالونَ الرَّحمَة، وأَمَّا الآَنَ فقَد نِلتُمُ الرَّحمَة “(1 بطرس 2: 9)؛ أما عبارة “يعطى لأمة تثمر ثمره” فتشير الى صيغة خاصة بمتى الإنجيلي حيث سيُسلم ملكوت الله بعد اليوم الى أمة مقدسة جديدة هي الكنيسة. والكنيسة تنوب عن اسرائيل، أي الجيل الجديد (ارميا 7: 28-29). وعليه فقد انتقلت المواعيد من الشعب اليهودي الى كنيسة المسيح التي هي وارثة الملكوت لتعطي الثمار (1 بطرس 2: 4-10). جاءت خاتمة المثَل، فأعلنت انتقال الملكوت الى شعب يعطي ثمراً. وهكذا لم يفشل مشروع الرب بل سيعطي كرمه غلة اوفر بإشراف شعب الله الجديد.
44 من وقع على هذا الحجر تهشم، ومن وقع عليه هذا الحجر حطّمه”.
تشير عبارة ” من وقع على هذا الحجر تهشم ” الى أولئك الذين تصيبهم الرضوض وذلك بالمجيء المسيح حتى يُصنعوا خلائق جديدة فيه، ويُسمِّي بولس الرسول هذا الحجر “حجر صدم” : ” هاءَنَذا واضِعٌ في صِهيُونَ حَجَرًا لِلصَّدمِ وصَخْرَةً لِلعِثار، فمَن آمَنَ بِه لا يُخْزى ” (رومة 9: 33) ومن لم يؤمن به يعثر. أما عبارة “من وقع عليه هذا الحجر حطّمه” فتشير الى أولئك الذين يُبيدهم نهائيا في يوم الدينونة. ويشير دانيال النبي الى هذا الحجر كحجر مسيحاني الذي يسحق ممالك الأرض بقوله ” وفي أَيَّامِ هؤُلاءِ المُلوك، يُقيمُ إِلهُ السَّماءَ مَملَكَةً لا تُنقَضُ لِلأَبَد، ومُلكُه لا يترَكُ لِشَعبٍ آخَر، فتَسحَقُ وتُفْني جَميعَ تِلكَ المَمالِك، وهي تَثبُتُ لِلأَبَد” (دانيال 2: 44). فالمسيح ” حجر البناء” الآن، يقدم الرحمة والغفران، ولكنه في الدينونة يصبح “حجرا ساحقاً” يسحق أعداء الله. ومن هذا المنطلق يجب الاَّ نتوانى في اختياره. ويلمِّح متى الإنجيلي في هذه الآية الى قول اشعيا النبي “فيَكونَ لَكم قُدساً وحَجَرَ صَدْم وصَخرَ عِثارٍ لِبَيتَي إِسْرائيل وفَخّاً وشَبَكَةً لِساكِني أُورَشَليمَ” (اشعيا 8: 14-15)، والمراد بهذه المناداة ان عمل الله هلاك لغير المؤمن، وخلاص للمؤمن كما جاء في نبوءة سمعان “ها إِنَّه جُعِلَ لِسقُوطِ كَثيرٍ مِنَ النَّاس وقِيامِ كَثيرٍ مِنهُم في إِسرائيل وآيَةً مُعَرَّضةً لِلرَّفْض”(لوقا 2: 34).
ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 21: 28 -32)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (متى 21: 28 -32)، نستنتج انه يتمحور حول مسؤولية قبول سلطة المسيح او رفض سلطته من خلال مثَل الكرَّامين القتلة. لقد اجاب هذا المثل بصورة غير مباشرة على سؤال الرؤساء الدينيين حول سلطان المسيح (متى 21: 23) كما أوضح لهم عن معرفته لخطيئتهم لقتله وبالتالي قد مسؤوليتهم وانتقالها الى غيرهم.
ولقد جعل متى الإنجيلي هذا المثَل بين مثَل الابنين (متى 21: 28-32) ومثَل وليمة الملك (متى 22: 1-14)، وذلك في سياق من الصراع بين يسوع ورؤساء الشعب. فقسَّم المثل قسمين: القسم الأول حُرم سيد الكرْم من ثمار الكرْم التي طالب بها بواسطة أولا خدمه. وفي النهاية بوساطة ابنه (متى 21: 34-39). وفي القسم الثاني، سلم الكرم الى كرّامين يؤدون ثمراً (متى 21: 40-44). ومن هنا نتساءل ما هو التطبيق التاريخي والمسيحاني والروحي لهذا المثل؟ في الواقع يمكننا ان نميّز ثلاث تطبيقات لمثل الكرامين القتلة: تطبيق تاريخي ومسيحاني وروحي:
(1) التطبيق التاريخي:
لخّص السيِّد تاريخ الخلاص كلّه في هذا المثل حيث يظهر شخصيات رئيسية، وهي: رب البيت هو الله، والكرْم هم بنو إسرائيل، والكرَّامون هم القادة الدينيون في إسرائيل، وخدام رب البيت هم الأنبياء، وابن رب البيت يسوع المسيح، والآخرون وهم الأمم الوثنية والبقية من اليهود.
استعاد يسوع صورة الكرْم التي ترمز الى شعب إسرائيل (اشعيا 5: 1-7)، وطبّقها على مسؤولي الشعب، رؤساء الكهنة والكتبة الشيوخ، الذين رفضوا الاستماع الى تنبيهات الأنبياء والى نداءات يسوع من اجل الملكوت، ولم يعطوا الثمار التي انتظرها الله منهم. في المثل السابق عن الابنين والكرْم (متى 21: 28-32) ظهر اليهود كأصحاب كلام بلا عمل، ففقدوا مركزهم ليحل محلَّهم من بالعمل أعلنوا ندمِهم على ماضيهم. أمّا هنا فالسيِّد المسيح يكشف لهم أنهم عبر التاريخ كلّه لم يكونوا فقط غير عاملين، وإنما مضطهِدين لرجال الربّ في أعنف صورة، حتى متى جاء ابن الله نفسه الوارث فقد أُخرجوه خارج أورشليم وقتلوه!
أرسل الله للشعب اليهودي على ممر العصور سلسلة من الخدام هم انبياء العهد القديم الذين انتهوا بالقديس يوحنا المعمدان، ينصحون إسرائيل ويَحثّونه على تقديم ثمار حسب الشريعة. وانتظروا كلهم ان يجنوا أثمار التوبة والأعمال الصالحة والبِر. وآخر الكل قد جاء يسوع المسيح، الابن الوحيد المحبوب والوارث الذي له كل سلطة الآب (متى 21: 38). لكن الاحبار ورؤساء الشعب تحدَّوا يسوع، وأرادوا نوال المملكة بمفردهم دونه، مغتصبين لأنفسهم الميراث الربّاني. وهذا التحدي شمل قرون الشعب السابق ويصور موقف النزاع الحاضر، ويشير النتائج ذلك في المستقبل.
وكشف يسوع في هذا المثل للقادة الدينيين انه يعلم ما يفكرون فيه، من مؤامراتهم لقتله، واكَّد لهم ان خطيئتهم لن تمرَّ دون عقاب. لهذا طرد الله رؤساء ليهود بسبب مقاومة إرادته تعالى، مطالبًا إيّاهم بتسليم الكرْم الذي أُؤتُمنوا عليه ولم يُثمر؛ وقيل على لسان اشعيا النبي “الرَّبُّ آنتصَبَ لِلآتِّهام وقامَ لِيَدينَ الشُّعوب. الرَّبُّ يَدخُلُ في المُحاكَمة مع شُيوخِ شَعبه ورُؤَسائِهم: ((إِنَّكم أنتُم أَتْلَفْتُمُ الكَرْم ” (اشعيا 3: 13-14). وقيل في موضع آخر “رُعاةٌ كَثيرونَ أَتلَفوا كَرْمي وداسوا نَصيبي وجَعَلوا نَصيبِيَ الشَّهِيَّ قَفراً خَرِباً ” (إرميا 12: 10).
وذكّر يسوع اليهود من خلال المثَل حقيقة أمرهم وحقيقة أمره. فمنذ أن رفض بنو اسرائيل المسيح كان مصيرهم الانهيار، فدمرت القدس على يد الرومان سنة 70م كما جاء في نبوءته “أورشليم أورشليم، يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إِليها… هوذا بيتكم يترَك لكم قفراً” (متى 23: 37-38)، وكذلك خسر اليهود حقوقهم وامتيازاتهم الدينية.
واما ما يخص حقيقة امره فلم يتوقف متى الانجيلي عند موت يسوع، ولا عند مصير الملكوت، بل تطلّع الى عمل الله العجيب الذي يُقيم ابنه من الموت، ويُسلم الملكوت الى كرَّامين يُعطون ثمراً. فجاءت الخاتمة بإعلان انتقال الملكوت الى شعب يعطي ثماراً. ومن هنا نرى مدى مأساة الناس في رفض المسيح حيث ان الخلاص يكمن في قبول المسيح وانجيله: “توبوا وآمِنوا بِالبِشارة” (مرقس 1: 15)، وبهذا يصبح الانسان المؤمن من البنائين على حجر الزاوية وهو المسيح.
(2) التطبيق المسيحاني:
يشير المثل أيضا الى التطبيق المسيحاني، وهو رفض اليهود للمسيح ثم صلبه وقتله، كما ورد في المثَل “فأَمسَكوهُ وأَلقَوهُ في خارِجِ الكَرْمِ وقتَلوه” (متى 21: 39). ويمكننا ان نقرأ هذه الآية على ضوء الاحداث التي حصلت ليسوع. أخرجوا يسوع خارج الكرْم، خارج اورشليم، وقتلوه وقد عرفوا انه الوارث. لقد رفضوا المسيح وقتلوه صلباً وهذا ما قاله بولس الرسول في رسالته إلى العبرانيين” إِذا سَقَطوا مَعَ ذلِك، يَستَحيلُ تَجْديدُهم وإِعادَتُهم إِلى التَّوبَة لأَنَّهم يَصلِبونَ ابنَ اللّهِ ثانِيَةً لِخُسْرانِهِم وُيشَهِّرونَه” (العبرانيين 6: 6)، ولكن هذا الابن الذي يُقتل سيقوم.
ويشير المثَل أيضا الى نصره النهائي ورفعته بقيامته. فقد قالَ يسوع لليهود ” أَما قَرأتُم قَطّ في الكُتُب الحَجَرُ الَّذي رذَلَهُ البنَّاؤُونَ هو الَّذي صارَ رَأسَ الزَّاوِيَة. من عِندِ الرَّبِّ كانَ ذلك وهو عَجَبٌ في أَعيُنِنا”(متى 21: 42). فالموت والرفض من قبل الناس لم يكونا إلا فرصة ليخرج منتصرًا ويقوم من الموت مظفّرًا وممجّدًا ليُجدِّد العالم. ويشبِّهَ متى الإنجيلي يسوع المصلوب بحجر زاوية، لأنه يجمع الشعبين معًا: إسرائيل والأمم في إيمان واحدٍ وحبٍ واحد. كما جاء في تعليم بولس الرسول ” إِنَّه سَلامُنا، فقَد جَعَلَ مِنَ الجَماعتَينِ جَماعةً واحِدة وهَدَمَ في جَسَدِه الحاجِزَ الَّذي يَفصِلُ بَينَهما، أَيِ العَداوة” (أفسس 2: 14). فمن الصليب خرج الشعب الجديد أي الكنيسة، ومن خلالها وبواسطتها سيقود كرمه حتى النهاية كما يؤكده لنا بنفسه ” أنا الكَرْمةُ وأَنتُمُ الأَغصان. فمَن ثَبَتَ فيَّ وثَبَتُّ فيه فَذاكَ الَّذي يُثمِرُ ثَمَراً كثيراً لأَنَّكُم بِمَعزِلٍ عَنِّي لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا شيئاً”(يوحنا 15: 5).
المسيح الذي ما كان انسانا، لكنه صار انسانا وليس فقط انسان بل أخذ صورة العبد وحمل ذلك الصليب حتى الموت، رفعه الله واعطاه سلطانا على كل ما في السماوات والارض. واعطى لكل من يؤمن به المقدرة لكي يصير مشاركا له في هذا الميراث. بهذا يمكننا أن نفهم عبارة الرسول بولس “فلْنَخرُجْ إِلَيه إِذاً في خارِجِ المُخَيَّمِ حامِلينَ عارَه” (عبرانيين 13: 13). بمعنى آخر لا ينتظر المؤمن وهو يقدم كل الحب للعالم أن يردَّ له العالم الحب بالحب، وإنما يردَّ له محبته بالطرد خارجًا ليحمل مع فاديه صليبه ويقبل عاره. وهذا ما صرّح به يسوع “مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صليبَه ويَتبَعْني” (متى 16: 24). فالمسيح يسوع بكونه الابن وكوارثٍ حقيقيٍ له السلطان لدى الآب قد صار إنسانًا، دعا الذين آمنوا به إلى شركة مملكته فيكون مالكًا معهم، وعليه فإنَّ كل من يقبل المسيح ويؤمن به وفي انجيل الخلاص يصبح من شعب الله الجديد ووارت للملكوت.
فيسوع حمل لقب ” وارث” كرأس للكنيسة لكي ترث باسم رأسها ومعه وفيه ما هو له. وعليه فإن كلّ شيء يكون لنا بالقدر الّذي نكون فيه أبناء كما جاء في تعليم بولس الرسول ” إِذا كُنَّا أَبْناءَ الله فنَحنُ وَرَثة: وَرَثَةُ اللهِ وشُرَكاءُ المسيحِ في المِيراث” (رومة 8، 17)؛ وإذا بقينا في علاقة مع الآب، فكلّ شيء سيُعطى لنا، ويُزاد مجاناً كما وعد السيد المسيح “َاطلُبوا أَوَّلاً مَلَكوتَه وبِرَّه تُزادوا هذا كُلَّه “(متّى 6، 33). فالمسيح الآن “حجر البناء” يقدم الرحمة والغفران، ولكنه في الدينونة يصبح “حجرا ساحقا”.
(3) التطبيق الروحي:
للمثّل أيضا تطبيق روحي وهو طريقة الله الّتي يتعامل فيها مع شعبه، فكما آجر رب البيت كرمه كذلك خصَّ الله الانسان ببعض المسؤوليات: العائلة، والحياة نفسها ورسالته، وفوَّض اليه أمر العالم وأقامه على مشاريعه منذ بدء الخليقة كما جاء في بدر التوراة “انموا وأكثروا وأملأوا الأَرض وأخضعوها” (التكوين 1: 28)، وطالب الله الانسان ان يؤدي حساباً على مسؤولياته، لكن الانسان يرفض واقعه كانسان ويريد ان يتملك تلك الكرْمة، وان يستولي على ثمارها لنفسه. فيصبح كل شيء لذاته، كل شيء يحوَّله لخدمته ولمصلحته. لذا يأخذ سلاحه ويقتل كل من يُشعرُه بانه ليس بسيد الكرمة. وبهذا يفقد الانسان دعوته ورسالته فيجلب على نفسه الدينونة.
فنحن نصبح من شعب الله الجديد، إذا عرفنا حق قدرنا وقمنا بمسؤولياتنا. وأمَّا إن لم نقم بمسؤولياتنا المسيحية، فإن مشروع الرب لن يفشل بل سيعطي كرمه غلة وافرة. اما نحن فمصيرنا الحرمان من ثمار الرب على مثال الكرامين نتيجة إهمالنا ورفضنا. إذ لم نقبل وضعنا ككرامي اجرة بل أردنا ان نمتلك الكرم على مثال الكرامين القتلة الذين رفضوا ان يكونوا منتمين الى صاحب الكرْم، ورفضوا تلك العلاقة مع السيد وارادوا ان يكونوا هم اسياد الكرم، وهذه الرغبة حوّلتهم من كرامين الى قتلة.
ومن هنا نستنتج ان هذا المثل هو دعوةٌ أيضاً إلى المسؤولية. فهو دعوةٌ لكُلِّ مسيحي لكي يؤدِّي للربّ ثمار أعماله الصالحة بسلوك الحياة الفاضلة، والأخلاق القويمة، والقيام بالواجبات الدينيَّة بدقَّةٍ وأمانة، طَوالَ أيَّام حياته. فإن كان الربّ لم يشفق على الكرمة الأصلية فهل يترك الكرمة الجديدة إن كانت بلا ثمر. ما زال الربّ يطلب الثمار في كنيسته وفي كل نفس كما اكّد ذلك بولس الرسول “فإِذا لم يُبقِ اللهُ على الفُروعِ الطَّبيعِيَّة، فلَن يُبْقيَ علَيك. 22 فاَعتَبِرْ بِليِنِ اللهِ وشِدَّتِه: فالشِّدَّةُ على الَّذينَ سقَطوا، ولِينُ اللهِ لَكَ إِذا ثَبَتَّ في هذا اللِّين، وإِلاَّ فتُفصَلُ أَنتَ أَيضًا”(رومة 11: 24). ومن هذا المنطلق فأن هذا المثل هو تحذير للمسيحيين المتشبث بالخطيئة التي تمنعهم من أن يؤدِّيوا لله ثمار الحياة الفاضلة إذ يُنذرهم بالعقوبة الأبديَّة. فلنقم بالمسؤوليات التي تقع على عاتقنا بأمانة ومحبة على مثال يسوع المسيح ربنا.
لقد سلَّم الربّ كُلَّ مسيحي كرْماً روحيَّاً، وطلب منه أن يعتني به، ويستثمره بأمانة ليقدِّم للربّ الثمار الطيِّبة. إنَّ هذا الكرْم الروحي هو نفسُهُ الخالدة وهذه النفس قد زُرِعت فيها نِعمةُ الربّ بالمعموديَّة المقدَّسة، وتغذَّت بتعاليم الربّ يسوع وثِمار موته وقيامته، فأضحت أهلاً لأن تقوم بالأعمال الصالحة التي ينتظرها الربّ منها لمجد اسمه على الأرض وفي السماء. لذلك، لينتبه كل مؤمنٍين ألاَّ يستسلموا، كرؤساء اليهود، الذين صلبوا يسوع المسيح ليُحقِّقوا مآربهم الشخصيَّة الأثيمة ومطامعهم، ويُهملوا العناية بحاجات نفسهم الروحيَّة، ويُعرضوا عن استثمار النِعم السماويَّة التي أُعطيت لهم بغزارة بل عليه ان يقدّروا مسؤوليتهم وعملهم. إنّ أقسى دينونة ينالها الإنسان من الربّ هي عندما يأخذ الربّ من الانسان العمل الّذي كان عليه أن يعمله فيصبح بدون دون عمل ومسؤولية وبالتالي في الدينونة والهلاك.
الخلاصة
الكرمة هي شعب إسرائيل والخدام هم الأنبياء، والكرامون هم المسؤولون عن شعب إسرائيل، أي رؤساء الكهنة والكتبة والشيوخ، الواجب عليهم ان يعتنوا بها، لكنهم اساؤوا معاملة الأنبياء الذين ارسلهم الله إليهم. فمن خلال هذا المثل كشف يسوع مؤامرة القادة اليهود الدينيين القتلة. فقتل الكرامون الاشرار خدم صاحب الكرْم، فقام الله بمحاولة أخيرة، وأرسل إليهم ابنه، فأخذوه خارج الكرم، وقتلوه طمعا في ميراثه (21: 45). وعندئذ صدر الحكم: يٌهلك الله أولئك المسؤولين ويسلم كرمته الى آخرين.
ويصف يسوع عندئذ وظيفته المزدوجة كحجر زاوية (متى 21: 42) كما جاء في تنبؤات اشعيا “لِذلك قالَ السَّيِّدُ الرَّبّ: ها إِنِّي واضِعٌ حَجَراً في صِهْيون حَجَراً مُمتَحِناً، رَأسَ زاوِيَةٍ كَريماً أَساساً مُحكَماً مَن آمَنَ بِه لَن يَتَزَعزَع. ” (اشعيا 28: 16)، وحجر عثرة (متى 21: 44) كما جاء في تنبؤات اشعيا “فيَكونَ لَكم قُدساً وحَجَرَ صَدْم وصَخرَ عِثارٍ لِبَيتَي إِسْرائيل وفَخّاً وشَبَكَةً لِساكِني أُورَشَليمَ ” (اشعيا و8: 14-15).
دعاء
انت يا رب اعطيتنا ان نعمل في الكرم وتطلب منا الثمار، فهب لنا ان نثبت فيك كي نقوم بمسؤوليتنا ونعطي الثمار اليانعة فنكون حقاً تلاميذك. لأنك “انت الكَرْمةُ ونحن الأَغصان. فمَن يثَبَتَ فيّكَ فَذاكَ الَّذي يُثمِرُ ثَمَراً كثيراً لأَنَّنا بمعزل عنك لا نستطيع أن نعمل شيئاً” (يوحنا 15: 5). أنت يا يسوع غرست استشهاد جموع الشهداء لأجلنا، ولأجلنا ذقت صليب العار وذاق الرسل صليبك، ولهذا أثمروا إلى أقاصي الأرض. فالمجد لله دائماً. آمين