Liturgical Logo

مثل الوزنات

البطريرك بيتسابالا

(متّى ٢٥: ١٤– ٣٠)
لقد عوّدتنا الأمثال الإنجيليّة الّتي استمعنا إليها في الآحاد الماضية النظر إلى أمور الحياة انطلاقاً من العلاقة مع الربّ: إن نحن تعرفنا على قلبه، ومجانيّته، ورغبته في بذل حياته من أجلنا، فسوف نذهب عندها للعمل في كرمه دون أخذ الإستحقاق والجزاء بعين الإعتبار (متّى ٢٠، ١–١٦)، ونكون مثل الأبناء الّذين يتقبّلون كلّ شيء كعطيّة (متّى ٢١، ٣٣–٤١)، ونقبل الدعوة إلى مأدبته والدخول كإنسان جديد (متّى ٢٢، ١–١٤)، وهلمّ جرّ.
ما سبق هو مفتاح يُساعدنا على فهم مثل اليوم أيضاً (متّى ٢٥، ١٤–٣٠) وهو مثل الوزنات.
رجلٌ لديه ثروات، وبسبب سفره في رحلة طويلة، يُسلّم ثرواته لخدّامه. إثنان منهم يستثمران المال الّذي تلقّياه، ويربحان مبالغ مُساوية لما استثمراه. خادم آخر، كان قد تلقّى وزنة واحدة فقط، يذهب ويدفنها في حفرة في الأرض. ولدى عودة سيّده، يُعيد إليه الوزنة على حالها: لم يفقدها ولم يزدها.
يمكننا اكتشاف مغزى المقطع الإنجيلي في الردّ الّذي يُقدّمه الخادم إلى سيّده، فاستحق التوبيخ: “يا سيد، عرفتك رجلا شديدا تحصد من حيث لم تزرع، وتجمع من حيث لم توزع، فخفت وذهبت فدفنت وزنتك في الأرض، فإليك مالك” (متّى آية ٢٤ و٢٥).
إنّ مشكلة الخادم تعتمد، بالتحديد، على علاقته مع سيّده، وهي علاقة ليست مبنيّة على الثقة وعلى المحبّة، بل بالأحرى على الخوف.
لم يخشَ صاحب المال من أن يعهد بخيراته إلى الخدم: كان من الممكن أن يكون الوضع على هذا الحال.
إنّه سيّدٌ بعيد وواسع النظر، سيّدٌ سخيّ وشهم، ويذكّرنا، بعض الشيء، بصاحب الكرم الّذي يخرج في مختلف ساعات النهار كي يدعو العمّال إلى كرمه، ويُعطي الجميع نفس الأجر، لا يحسب حساب الربح والخسارة: ذلك هو تكوينه.
وهذا هو حال صاحب المال في مقطع اليوم: يعهد بخيراته إلى الخدم، ولا يعطيهم حدوداً، ولا تعليمات ولا أوامر. يثق، ولا يخاف. الخادمان الأوّلان، الجديران بهذه الثقة، يستثمران المبلغ الّذي تلقّياه ويربحان مبالغ مساوية لما استثمرا.
الخادم الثالث، في المقابل، يعتريه الخوف، ولا يتغلب على خوفه، فيدفن الوزنة الّتي تلقّاها كقرض مستردّ.
رأينا، في الآحاد الماضية، أنّ الخطيئة تقوم في كثير من الأحيان على خطف كلّ ما يريد الربّ أن يمنحنا إيّاه، وعلى إخراجه من العلاقة معه، كما لو أن عطاياه غير موجودة.
وحتّى الخادم يفعل الشيء نفسه: يرفض تعريض نفسه للمخاطرة، لا بل ويرفض استمرارية العلاقة مع السيّد، ويدفن هذه العلاقة، تماماً كما دفن الوزنة؛ وهو يعيش كما لو أنّه لم يتلقّ أيّ شيء؛ وكما لو أنّ سيّده لم يعهد إليه بأيّ شيء.
لماذا يفعل ذلك؟ وماذا يخشى؟
من أجل فهم عقلية هذا الخادم قد نحتاج الرجوع إلى الصفحات الأولى من سفر التكوين، حيث ترد كلمة “خوف” للمرّة الأولى. والإطار العام هو الخطيئة الأولى: عندما انتاب الخوف آدم وحوّاء، بعد أن كانا قد عصيا وصيّة الرب، خشيا من لقائه مرّة أخرى فلجآ إلى الإختباء (تكوين ٣). لذلك، يلد الخوف من الخطيئة ومن ثمّ يتسلّل إلى العلاقة: لقد نضج في الإنسان تصوّر زائف عن الربّ، وقد نسي أنّ هذا الإله هو أب يُعطي كلّ شيء مجاناً.
وحيث علاقة الثقة والإصغاء ، يتغلغل الخوف والشك. وحيث علاقة المحبّة، يوجد تحلّ علاقة العدالة.
في واقع الأمرلا يرتكب العبد في المثل أيّ شر أو خطأ: فهو يعيد لسيّده المبلغ الّذي استلمه كاملاً، ولا يُنقص منه أيّ شيء. لا يحتفظ بأي شيء لنفسه، ولا يقتطع أيّ شيء من مال سيّده: لقد تلقّى وزنة واحدة، ويعيد وزنة واحدة. وهو، بالتالي، رجل نظيف وعادل!
ولكن هذا الكلام غير مرض، لأنه يجهل العلاقة الّتي يريد الربّ أن تكون بينه وبين الإنسان. إنّه لا يريد خدماً يُطيعونه خوفاً، ويُنفّذون أوامره بدقّة حرفيّة. إنّه يريد أبناء يمكن أن يعهد إليهم بحياته، بحيث يجعلونها حياتهم الخاصّة، ويظلّون على علاقة معه في الحرّية وفي المحبّة الخلاقة.
هذا هو الأسلوب الّذي يعيش فيه الخادمان الأوّلان في المثل (متّى ١٥، ١٦). في نهايته يمرّان بحالة من الاندهاش، إذ يكتشفان لدى إعادتهما أموال سيّدهما أنّ قدرتهما على المخاطرة، استحقّت لهما عائداً لا يُقاس: “أدخل نعيم سيدك” (متّى ٢٥، ٢١ و٢٣).
لقد كانا يعتقدان أنّهما يتعاملان بأمور صغيرة، ولكن في الواقع كانت الحياة كلّها بين أيديهما.
+ بييرباتيستا