Liturgical Logo

مخطط الخلاص

البطريرك بيتسابالا

مباشرة بعد إعلان بطرس لإيمانه في قيصرية فيلبس (متى ١٦: ١٣ – ٢٠)، يشعر يسوع بالحاجة إلى أن يطلع تلاميذه على سر الألم الذي ينتظره؛ يَعلَم أن رسالته ربما تثير توقعات مسيحانيّة سياسية بعيدة عن هدفها الحقيقي، لذا بدأ بتحديد ملامح مخططه وكيفية تحقيق ملكوت الله، أي الخلاص. إنه مخطط يختلف دائماً عن توقعات الإنسان.
لذلك يُعلن يسوع لتلاميذه ثلاث مرات أنه يجب أن يواجه اختباراً عظيماً، وأن هذا الاختبار سينتهي بموت مشين، ولكنه سيقوم في اليوم الثالث.
نجد في إنجيل اليوم أول هذه الإعلانات: “وبَدأَ يَسوعُ من ذلك الحين يُظهر لتلاميذه أنّه يَجبُ عليهِ أن يَذهَبَ إلى أورشليم ويُعاني آلاماً شديدة من الشيوخ وعُظماءِ الكَهَنة والكَتَبة ويُقَتلَ ويقوم في اليوم الثالث” (متى ١٦: ٢١).
يؤكّد يسوع قبل كل شيء أنه يجب عليه أن يعاني هذه الآلام. إن كلمة “يجب” مهمة جداً.
لا نحب كثيراً كلمة “يجب“، إذ توحي بالتقييد وانعدام الحرية. “يجب” على يسوع أن يواجه هذا الموت، ليس كشخص أجبِر أن يقوم بأمر لا يريده. إن ما يقوم به هو فعل طاعة حرة. إنها على مثال طاعة أولئك الذين يعلمون بوجوب السير في هذه الطريق إن رغبوا في المحبة حتى أقصى درجات الحب. إنها طاعة حرة يؤديها من يعي ضرورتها ولا يتراجع أو يهرب: إن الذين “يحبّون” فعلاً يعرفون أن المحبة تتطلب بعض الالتزامات، لأنها تخلق روابط يتم احترامها يومياً.
تنعدم الحرية متى غابت المحبة. وتتطلب المحبة بعض التضحيات ونوعا من الموت لا بل والتضحية بالذات كليا.
إن المحبة التي تحترم التزاماتها حتى النهاية، يُكتب لها البقاء والخلود.
لذلك فإن يسوع يعلم أن خلاص الإنسان يعتمد على طاعته لمخطط محبة الآب، لذا لا يضع يسوع أية عراقيل دون تتميم هذه المشيئة.
لا يقبل بالعراقيل، حتى ما يتسبب به شعبه من معاناة وموت: لن يكون هذا الموت حجر عثرة في طريقه (آية ٢٣)، كما ولن يمنعه من مواصلة محبته. وسيكون بالفعل مكاناً لإظهار محبته اللامحدودة للإنسان.
إن كان حجر العثرة هو كل ما يعرقل السير، فإن يسوع لن يسمح للموت والظلم والنبذ والإنكار أن يكونوا حجارة عثرة في طريقه.
العثرة الوحيدة التي يراها يسوع في طريقه وطريق تلاميذه ليست الأحداث المؤلمة التي سيواجهها؛ بل جميع الأفكار التي ليست من الآب، الأفكار التي تدّعي وجود خلاص يتم دون المرور من بوابة بذل الذات.
العثرة هي كل فكر يفرض حدوداً وقيوداً على المحبة.
في بداية رسالته، عرض الشيطان هذه الأفكار على يسوع أثناء التجربة في البرية (متى ٤: ١– ١١).
هنا وفي نقطة تحوّل أخرى، عبّر بطرس عن هذه الأفكار، حين أخذ المعلم جانباً “ليعاتبه“: إن موقفه هذا هو ما يدعوه يسوع شكا وعثرة.
ليست العثرة بالضرورة فعلا جسيما ومشينا؛ العثرة “ببساطة” هي كل فكر “منطقي” يبحث فقط عن مصلحته الشخصية قبل أي أمر آخر. هذا هو ما يمنع السير ويصرف انتباه القلب عن تحقيق غايته.
لهذا وفي ضوء ما كشفه يسوع، تبرز فورا مقاومة التلميذ، ومن الطبيعي حدوث ذلك: لأن بطرس يمثّل كل واحد منا.
يطلب يسوع من بطرس أن يجد مكانه، وهو وراء المعلم وليس أمامه وألا يكون حجر عثرة بين يسوع والآب. “انسَحِبْ ورائي يا شيطان! أنت حجر عثرة في طَريقي لأن أفكاركَ لَيست أفكار الله، بل أفكارُ البَشَر” (متى ١٦: ٢٣).
يطلب يسوع منه تواضعاً كي يتعلّم منطقا مختلفا وجديدا: حتى هذا الأمر لا يمكن للحم والدم أن يكشفاه (متى ١٦: ١٧) بل الآب الذي يكشفه للصغار.
إن موقف بطرس هو موقف كل تلميذ. “من أراد أن يتبع” الرب (متى ١٦: ٢٤)، فيجب، على غرار بطرس، أن يترك منطقه الدنيوي، الذي يبحث عن الخلاص بقوته الشخصية، لكي يدخل في منطق بذل الذات غير المحدود.
سينال نعمة عدم التشكك من العثرات: لا يوجد أي شر في العالم – ولا حتى الموت – يمكنه أن يفصلنا عن الرب أو أن يمنعنا من القيام بالواجب الوحيد الذي يجعلنا بشراً كاملين، ألا وهو بذل الذات الكامل الى أقصى الحدود.
+بييرباتيستا