Liturgical Logo

ملكوت السموات

البطريرك بيتسابالا

نص إنجيل اليوم هو بداية الفصل الثالث عشر من إنجيل متى، ويحتوي على ٧ أمثال ليسوع، يدور موضوعها حول ملكوت السموات: يشبه ملكوت السموات زارعا وحبة خردل وخميرة، ثم كنزا دُفن في حقل وشبكة أُلقيت في البحر، وما إلى ذلك. سنقرأ اليوم أول هذه الأمثال، مثل الزارع الذي ينثر بذرواً، والأراضي المختلفة التي تتلقاها. إنه المثل الرئيسي الذي يشير إلى الأمثال الأخرى.
يوزَّع النص إلى ٣ أجزاء مميزة. في الجزء الأول يسرد يسوع المَثل (متى ١٣: ٤– ٩)، وفي الجزء الثاني يجيب على تساؤلات التلاميذ حول سبب استعمال الأمثال وفي الجزء الثالث يفسر ما جاء في المَثل.
قبل أن نشرع في تحليل النص، يجب أن نشير إلى الفصول السابقة حيث يتكلم القديس متى عن المقاومة التي واجهها يسوع عندما كان يعظ. فالوعظ هو الزرع. هذا معنى عبارة “خرج الزارع ليزرع“. نستطيع القول أن يسوع نثر بذوره في كافة أنواع الأرض؛ قام بذلك بشكل سخي ومن دون استثناء أي منها. ثم أظهر أن الأراضي، أي المستمعين، يتفاوتون في قبولهم وتقبلهم: البعض يتقبل والبعض الآخر يكون أقل تقبّلاً. ويتمثل الفرق هنا في القدرة على حمل الثمار؛ لاحِظ هنا أن التربة الجيدة، أي من يصغون ويحملون ثماراً وافرة، هم الصغار والمتواضعون، ومن أجلهم مجّد يسوع الآب (متى ١١: ٢٥).
اليوم، يقف يسوع ويتأمل في هذا السر ويحوّله إلى مَثل.
سنبدأ بالقسم الأوسط للنص: في ضوء دهشة التلاميذ، الذين يتساءلون عن سبب تكلّم يسوع بالأمثال، يُعطي الرب جواباً غامضاً. يبدو وكأنه يقول أن تكلّمه بالأمثال هو بهدف منع الناس من الفهم أو الوصول إلى الملكوت: “إنما أُكلّمهُم بالأمثال لأنّهم يَنظرون ولا يُبصِرون، ولأنّهم يَسمعون ولا يَسمعون ولا هم يَفهمون” (متى ١٣: ١٢). من الجليّ أن الأمر ليس كذلك: إن البذور هي للجميع. لكن الرب يختار التكلّم بالأمثال مع الذين يستمعون لكي يدركوا قساوة قلوبهم وعدم قدرتهم على الإصغاء والترحيب والفهم.
ليس الغموض هدف الأمثال! بالعكس. إنها واضحة. وبسبب وضوحها وعدم غموضها فهي تمكننا من إلقاء الضوء على المقاومة التي تسكن قلب الإنسان، المقاومة التي من خلالها يُشبّه هذا الجيل بالأولاد الذين لا يبكون إن نُدب لهم ولا يرقصون إن زُمّر لهم (متى ١١: ١٦– ١٩). إن الاعتراف بالقساوة هي أول خطوة، مؤلمة وضرورية، حتى تُقبل البذرة وتحمل ثماراً.
إذاً، تمثّل الأراضي المختلفة التي فيها تسقط البذور الأشخاص المختلفين في قبولهم للكلمة، أو الطرق المختلفة للإصغاء: تُغرس كلمة الله في كل إنسان لآنها تُريد أن تحمل في كل واحد ثماراً زاخرة بالحياة. إلا أن الأراضي المختلفة تُظهر أن استيعاب الكلمة يحتاج إلى أماكن وأوقات مناسبة وملائمة: لا يحدث أي شيء في أي مكان وخلال لحظات.
لا يتم هذا الاستيعاب على القشرة الخارجية للحياة، حيث يكون الإنسان عديم الإحساس وتُشتِّت انتباهَهُ آلاف الأصوات الأخرى. كما ولا يحدث في لحظة: مسيرة الأرض الحجرة تحدث على عجلة (إن عبارة “حالاً” تظهر مرتين في النص) ولهذا السبب لا تستمر، ولا تصمد أمام المسافات الطويلة. وفي حديثه عن عدم الاستمرارية، يستعمل متى الإنجيلي صفة خاصة تعني حرفيّاً “يكون إلى حين“: إن الإنسان الذي “يكون إلى حين” هو من يكون متحمّساً حيال أي أمر ولكنّ محبته ليست عميقة؛ يعيش بصورة مشتتة ولا يوحّد جهوده حول شخص أو مبدأ؛ إنه لا يملك الصبر.
ينبغي على البذرة إذاً أن تتغلغل عميقاً حتى تصل جوهر الحياة. ومن هناك، من الداخل، تبدأ بالتحوّل. وعندما تنبت البذرة، تحتاج إلى العناية لكي لا يخنقها أي شيء. فالانشغالات ومشاكل الحياة هي من الموضوعات التي يهتم بها متى. يتكلم عنها مطولاً في عظة الجبل. في الفصل السادس، يقول أن القلق هو نوع من عبادة الأوثان وقلة إيمان بالآب الذي يُلبس زنابق الحقول ويُطعم طيور السماء ( متى ٦: ٢٥– ٣٤ “لا يَهمُّكُم في العَيش ما تأكلون…تأملوا زنابق الحَقل…). الإيمان إذاً هو الأرض الصالحة التي تلقت البذرة وجعلتها تنمو.
ولدى حدوث ذلك، سيجري أمر ليس لنا عليه سيطرة: ستحمل البذرة ثمراً بطريقة مفاجئة وغير متوقعة (ستثمر “مائة، وستين، وثلاثين“، ٢٣) وستبدأ حياة جديدة.
أخيراً، لنتكلّم عن الزارع! يظهر كشخص مبذّر، يسمح لنفسه “بإهدار” البذور في مكان يعرف بكل تأكيد أنها لن تثمر فيه. إنه لا يعطي حسابا للمكان وللكمية التي سيهدرها، ولا يقرر مسبقاً أين سينثرها. إنه لا يخاف الفشل.
كما ولا يتطلب الزارع أن تنمو البذور في جميع الأراضي، وبنفس الكمية. ولهذا السبب بالتحديد فإن كلمته فعّالة، لكونها مجانية تسمح بالحرية: كما تُعطى بكل محبة، وترغب أن تُستقبَل بمحبة؛ وهذه المحبة، غير المشروطة والمجانية، هي ثمارها.
+بييرباتيستا