من غير الولادة البتوليّة “والابتهاج بالمخلّص ” عند الأمّ العذراء ، لا فرح لنا بالفداء!
الأب بيتر مدروس
(أشعيا 61 : 1-11، لوقا 1 : 47 وتابع)
لا يعني هذا العنوان أنّ العذراء مريم مخلّصة بل يدلّ على أنها كانت الطريق الإنسانية والروحانية لمجيئه بلا أب بشريّ فاديًا . نرتّل في “الطلبة” : “يا سبب سرورنا”. وفعلاً ، هي بشريًا أفقيًّا “من حيث الجسد” (رومية 1 : 3) الأصل الإنسانيّ للمسيح سبب فرحنا ومتمّم خلاصنا الأوحد الوحيد الفريد. يؤكّد لنا رسول الأمم الإناء المختار بولس في رسالته إلى أهل رومة : “عندما تمّ الزّمان أرسل الله ابنه (أي كلمته) مولودًا من امرأة” (لا “من رجُل” ولا “من مشيئة لحم”). أراد الله أن يمرّ بمريم التجسّدُ : “والكلمة صار جسدًا (حرفيًّا : “لحمًا”) ونصب خيمته بيننا” (يوحنّا 1 : 14). هذه هي “الخيمة” التي تشكّل مريم العذراء عمادها الإنساني الأنثويّ . هي حسب التعبير العبري “السكينة” أي مكان سكنى الله.
نعم ، لا يستطيع أيّ منّا أن يهتف مثل أشعيا “إنني أسرّ سرورًا في الرّبّ” إلاّ في مدرسة مريم البتول وبعدها ومثلها هي التي “تعظّم نفسها الرب وتبتهح روحها بالله مخلّصها” أي بمهجة قلبها ابنها وسيّدها وفاديها يسوع الذي “اسمه على جسمه” أي “الرب يخلّص”. ولا بأس هنا في تكرار ما تعلّمه الكنيسة مستندة إلى المنطق والتّقليد بعد الكتب المقدسة : خلّص يسوع والدته – بمفعول رجعيّ – لا يالعلاج بل بالوقاية وهكذا أهّلتها نعمته أن تكون “ممتلئة نعمة” وأن تتألق بين بنات حوّاء تألق “السوسن بين الشّوك” فأضحت “كلّها جميلة وليس فيها عيب” وهي “السيّدة الملتحفة بالشمس وتحت قدميها القمر وعلى رأسها إكليل من اثني عشر كوكبًا” (رؤيا 12 : 1 ). ويعلن التّقليد اليونانيّ ما تؤكّده الكنيسة الكاثوليكيّة الغربيّة أي أنّ سيّدتنا مريم العذراء دائمة البتوليّة منها السلام “كاملة القداسة” . وبالفعل ، لا يقول اليونانيون في والدة الإله “العذراء” بل “كليّة القداسة” باناغيّا Η Παναγία ومكتملة النعمة باماخارستوس Παμμαχάριστος
نعم، باختصار : بِلا “ها أنا أمة الرب” كان محالاً للكلمة الداخل إلى العالم أن يقول “ها أنا آتٍ لأعمل بمشيئتك” ، وبِلا “السّلام عليك يا مريم” ما كان وجود لصلاة “أبانا الذي في السماوات”. وصدق دانته إذ خاطب السيّدة العذراء : “أيتها البتول الأم ، يا بنت ابنك ، المتواضعة السامية فوق كلّ خليقة”.
ويكرّر المؤمنون والمؤمنات أمام الاعتراض العنيد أننا لا نعبد العذراء بل نكرمها وأنها ليست إلهة بل والدة الرب أو أم الله المتجسد (لا أُمّ الطّبيعة الإلهية) وأنها شفيعة في كنف المسيح الإله الإنسان الوسيط الوحيد بين الله والناس أي الواحد الذي يجمع الطبيعتين الإلهية والبشريّة.
جاء يوحنا يشهد للنّور!
هنالك قاسم مشترك بين السيّدة البتول الوالدة ويوحنا السابق المعمدان : التّواضع. مريم الناصرية تعلن أنها “أمة الرب” وأنه “أتاها فضلاً عظيمًا ” بعد أن “نظر إلى تواضعها” (أو : ذلّها)، وعند يوحنا ابن زكريا من العظمة والتواضع ما يجعله يعترف :”لستُ المسيح! لستُ أهلاً لأن أنحني وأحلّ سير حذائه”. أمّا الكتاب المزيّف المدعوّ زورًا وبهتانًا “إنجيل برنابا” والذي كُتب بعد القرن الثاني عشر الميلاديّ بالغيطاليّة ، فيحذف يوحنا المعمدان وينسب إلى يسوع بعض كلمات، وبهذا يخالف الإنجيل المقدس والواقع التاريخيّ.
لم يكن المعمدان “الّنور” بل “أتى ليشهد للنّور”. مع الأسف، هنا تحرّف رئاسة شهود يهوه – عبريّة الاتّجاه والأهداف- نصّ مقدّمة يوحنا في هذه الآية أيضًا وتجعل يسوع نورا صغيرًا نسبيًّا (إذ يرفض اليهود أن يكون إنسان “هو النور”). عليه تنقل هكذا “ترجمة العالم الجديد”: “لم يكن هو (يوحنا) ذلك النور بل جاء ليشهد لذلك النور”!
قدّرنا يسوع أن نكون مثل العذراء عبيدًا للرب وإماء لكي نحمله – نوعًا ما مثلها – إلى العالم. وايّدنا لنقرّ بمكاننا “ونعرف قدر أنفسنا” “فننال الرّحمة في الوقت المقبول وزمن الخلاص”!