Liturgical Logo

من هو الشاهد إذاً؟

البطريرك بيتسابالا

(يوحنّا ١، ٦–٨ و ١٩–٢٨)
يتكوّن المقطع الإنجيلي لهذا الأحد من جزأين مختلفين: الآيات الثلاث الأولى مأخوذة من المقدّمة البليغة لإنجيل القدّيس يوحنا (يوحنّا ١، ٦–٨)، بينما يتابع المقطع الإنجيلي لاحقاً الجزء السردي، الّذي يأتي مباشرة بعد المقدّمة (يوحنّا ١، ١٩–١٨).
في الجزء الأوّل الإنجيلي يوحنّا هو الّذي يقدّم لنا شخصيّة يوحنّا المعمدان؛ وفي الجزء الثاني يوحنّا المعمدان هو الذي يًقدّم نفسه، بضغط من الأشخاص المبعوثين من أورشليم (يوحنّا ١، ١٩) لمعرفة من يكون هذا الرجل الّذي بدأ يوقظ توقّعات إسرائيل، والذي أعاد فتح طريق الصحراء.
يقول الإنجيلي أربعة أشياء أساسيّة عن المعمدان: الاسم -“اسمه يوحنّا“، ومن أين يأتي – “مُرسل من لدن الله” –، والرسالة – “جاء شاهداً للنور” – وغاية الرسالة – “حتى يؤمن عن شهادته جميع الناس“.
يولي الإنجيلي اهتماماً خاصّاً للرسالة: فعبارة شاهد\شهادة تتكرّر ثلاث مرّات في آيتين (يوحنّا ١، ٧–٨).
المعمدان هو الشاهد الأوّل ليسوع، علما أن مفهوم الشهادة في الإنجيل أمرٌ جوهريّ. يكفينا أن نرى كم مرّة يتكرّر هذا المصطلح (أكثر من أربعين مرّة)، كي يجعلنا ندرك أهمّية شخصيّة الشاهد.
يمكننا اعتبار بشارة يوحنا مسيرة طويلة تتضح فيها هويّة يسوع أكثر فأكثر. وخلال تقدم هذه المسيرة يتم الاستماع إلى شهودٍ أساسيّين (قانا، المرأة السامريّة، الأعمى منذ مولده وكثيرون غيرهم).
الشاهدان الأساسيّان إثنان: أوّلهما المعمدان ، بينما الآخر هو التلميذ الحبيب. ويفعل كلاهما الشيء ذاته: يشهدان لعلاقة يسوع مع الآب، ومجيئه من الآب والعودة إليه.
وهما يفعلان ذلك لسبب واحد: بالنسبة للمعمدان وللتلميذ الحبيب، شهادتهما تهدف إلى غاية وحيدة هي إيمان التلاميذ. في الفصل التاسع عشر، بعد موت يسوع، عندما طعنه الجنود في جنبه وخرج منه دم ٌ وماءً، يستطيع الإنجيلي القول: “والذي رأى شهد، وشهادته صحيحة، وذاك يعلم أنه يقول الحق لتؤمنوا أنتم أيضا” (يوحنا ١٩، ٣٥). إن غاية الشهادة هي الإيمان، لأنّ كل من يؤمن يكون له الحياة والخلاص.
من هو الشاهد إذاً؟ حتّى في الممارسات القضائيّة، الشاهد من الدرجة الأولى هو مَنْ شاهد بأمّ عينيه. ببساطة، ليس هو الشخص الّذي يسمع ما يُقال، بل من كان حاضراً، ويعرف الأمور، لأنّه يكون قد عاشها واختبرها. في الواقع، في الآيات اللاحقة للآيات الّتي تُقرأ اليوم، سوف يقول المعمدان أنّه شاهَدَ بأمّ عينيه: “رأيت الروح ينزل من السماء كأنه حمامة فيستقر عليه. وأنا لم أكن أعرفه، ولكن الذي أرسلني أعمد في الماء هو قال لي: إن الذي ترى الروح ينزل فيستقرّ عليه، هو ذاك الذي يعمد في الروح القدس. وأنا رأيت وشهدت أنه هو ابن الله” (يوحنّا ١، ٣٢–٣٤).
ولكن، يمكننا القول، أنّ الشاهد ليس هو الشخص الّذي رأى وحسب، ولكنّه أيضاً، وبالدرجة الأولى، هو الشخص الّذي قد شاهد وآمن. هو مَن سمع كلمة الآب الّذي أرسله، وأقرّ بأنّ ذلك الحدث قد تحقّق في شخص يسوع، ولذا آمن به. كيف نعرف أن حياة المعمدان هي شهادة؟ الجواب في الجزء الثاني من إنجيل اليوم، حيث يقدم يوحنا نفسه بنفسه.
يُقدّم يوحنّا نفسه أوّلاً من خلال إنكار ما يتوقّعه الآخرون عنه: فيقول أنّه ليس المسّيح، ولا النبي (يوحنّا ١، ٢٠–٢١).
أمّا الإنجيليّون الآخرون فيربطونه بالنبي إيليّا، أو، في أيّ حال، بالنبي الّذي سيأتي قبل المسّيح مباشرة للإشارة إلى مجيئه الوشيك، مشيرين بذلكً إلى قناعات ذلك الزمن، ومستندين إلى العهد القديم (ملاخي٣، ٢).
من الطبيعي إذاً أن يضغط المبعوثون من خلال طلبهم: “قل لنا من أنت” (راجع يوحنّا ١، ٢٢). ولكن حتّى هذه المرّة فإنّ المعمدان ليس دقيقاً جدّاً ولا مُسهِبا. فمن أجل الحديث عن نفسه يورد اقتباساً من العهد القديم: ” أنا صوت مناد في البرية: قوّموا طريق الرب. كما قال النبي أشعيا” (يوحنّا ١، ٢٣). ويعطينا المعمدان مؤشّرين.
المهم بالنسبة للمعمدان ليس تثبيت النظر عليه. المهمٌّ هو أنه “بينكم من لا تعرفونه” (يوحنّا ١، ٢٦).
صحيح أنّ هناك شخصا ما ينبغي أن يتمّ الاعتراف به، ولكن هذا الشخص ليس المعمدان: إنّ خدمة هذا الأخير ليست سوى الإشارة إلى الآتي. يوضح يوحنّا أنّه، من خلال عدم لفت الإنتباه إلى نفسه، يمكنه تحويل الإنتباه إلى ذاك المُنتظر حقّاً؛ وسوف يتمّم رسالته الشخصيّة فقط عن طريق الاختفاء، وبذا يشهد لوجود المسّيح بين الناس. وسوف يقول لاحقاً بوضوح: “لا بدّ له من أن يكبر، ولا بدّ لي من أن أصغر” (يوحنا ٣، ٣٠).
والمؤشّر الثاني يتعلق باقتباس المعمدان من نبوءة أشعيا. ليس مهما التوقف عند حقيقة أن المعمدان يعرّف نفسه بالصوت، بقدر التوقّف عند حقيقة أنه لا يجد كلمات أخرى سوى تلك التي قالها الربّ بالفعل على لسان النبي. مرة أخرى، ليس الانتباه موجّهاً إلى ذاته. فالمعمدان على علم بعدم وجود أيّ شيء جديد أو مختلف يقوله، سوى تلك الكلمة الّتي أعلنت منذ بعض الوقت، والّتي تتم الآن.
وما هي هذه الكلمة؟ من بين الكلمات الكثيرة الّتي كان ممكناً أن يختارها يوحنّا لتعريف نفسه، يجد واحدة في بداية نبوءة أشعياء الفصل ٤٠. وليس من قبيل المصادفة أن يبدأ هذا الفصل بكتاب العزاء الكبير، الذي يعلن نهاية العبودية وبداية زمن جديد.
وهذا ما يقوله يوحنا المعمدان: ما أنا سوى الشاهد على أن هذا الزمن قد ابتدأ بالفعل، وأن الشيء الوحيد الذي يتوجّب فعله هو
الاعتراف بمن هو موجود بالفعل بينكم. وبسببه، لم يعد هناك وقت نضيّعه. لقد انتهى زمن الإنتظار.
يطلب المعمدان اليوم منّا بقوة العودة إلى ما هو أساسيّ وجوهريّ، إلى ذلك “المبدأ” الذي تحدث عنه مرقس يوم الاحد الماضي (مرقس ١، ١) وهو التخلي عن كل شيء سوى التركيز على حضور الربّ العامل منذ الآن في الكنيسة وفي العالم.
إنّه نداء قويّ يُطلقه المعمدان، وهو يعرف ميلنا إلى التوقّف عند التفاصيل وفقدان ما هو جوهريّ.
وهكذا، فإنّ زمن المجيء هو الزمن المناسب، لكلّ واحد منّا، لإعادة اكتشاف ما هو أساسيّ في الحياة وفي الإيمان.
+ بييرباتيستا