مَثلُ العذارى العَشْرِ والسهر في لقاء الرب (متى 25: 1-13)
الأب لويس حزبون
يُسلط إنجيل هذا الاحد الأضواء على مثل العذارى العشر (متى 25: 1-13) ليلفت انتباهنا الى واجب الاستعداد الشخصي بالسهر للقاء الرب لدى مجيئه الثاني المفاجئ كي ” يُنقذنا من الغضب الآتي” (1تسالونيقي 9:1). ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الإنجيلي: (متى 25: 1-13)
1″عِندَئِذٍ يكون مَثَلُ مَلكوتِ السَّمَواتِ كَمَثلِ عَشْرِ عَذارى أَخَذنَ مَصابيحَهُنَّ وخَرَجنَ لِلِقاءِ العَريس”:
تشير عبارة ” عَشْرِ ” الى اصابع اليدين وهو رمز الى العدد الكامل. وهو يدل على الكلية، فالجميع مدعوون للقاء العريس. أمَّا عبارة ” عَذارى ” فتشير الى الفتيات اللواتي يرمزن الى النفوس المؤمنة أي الكنيسة، لان الجميع من هم في الكنيسة مدعوون للقاء العريس الرب يسوع كما جاء في تعليم بولس الرسول عن الكنيسة عامة “خَطَبتُكُم لِزَوْجٍ واحِد، خِطبَةَ عَذْراءَ طاهِرَةٍ تُزَفُّ إِلى المسيح ” (2قورنتس 11: 2). يُعلّق القديس أوغسطينوس “ان مثل العذارى الحكيمات والعذارى الجاهلات ينطبق على الكنيسة كلها”. الجماعة المسيحية هي عروس الحمل (رؤيا 21: 2). أمَّا عبار ” مَصابيحَهُنَّ ” λαμπάς، فتشير الى أطباق تحتوي على فتيلة من قماش مغموسة في الزيت، محمولة على حوامل خشبية قصيرة، وهي تختلف عن السراج λύχνος الذي هو بمثابة وعاء كان يصنع من فخار او نحاس ويضع فيه سائل زيت، ثم يوضع فيه فتيلة يشعلونها لتنير الظلام (متى 5: 15). والمصابيح تدل على الاعتراف المسيحي من حيث انه أداة الإضاءة. ” ولْتَكُنْ سُرُجُكُم مُوقَدَة، وكونوا مِثلَ رِجالٍ يَنتَظِرونَ رُجوعَ سَيِّدِهم مِنَ العُرس” (لوقا 35:12)؛ فالمصابيح لا تشتعل بدون الزيت حيث انها بدون الزيت تصبح عديمة الفائدة. وهكذا الإنسان المسيحي إذا لم يختبر خلاص الله وحلول الروح القدس في داخله، يكون كالمصباح من دون الزيت. والمصابيح تدلّ على أنَّنا في الليل. والليل يدلُّ على اننا بين مجيء المسيح الاول ومجيئه الثاني. هذا هو زمن الانتظار والسهر. أمَّا عبارة “لقاء العريس” فتشير الى اننا نحن نذهب اليه، وهو يجيء الينا. وأمَّا عبارة “خَرَجنَ لِلِقاءِ العَريس” فهي عادة شرقية حيث تخرج العذارى بعد ان يسود الظلام في عشية يوم العرس، حيث كانت العادة ان العريس يقود العروس الى بيته، مصحوبا بأصدقاء الطرفين، وينضم إليهم في الطريق آخرون يحملون المصابيح تكريما للعريس والعروس. وهذا يتطلب منهن السهر والانتظار والتدبير. أمَّا عبارة ” العَريس ” فتشير الى الرب يسوع (رؤيا 21: 2) وقد شَبَّهَ يسوع َنفْسَهُ صَرَاحَةً بِعَرِيسٍ بقوله ” أَبِوُسعِكُم أَن تُصوِّموا أَهلَ العُرسِ والعَريسُ بَينَهم؟ ولكِن سَتَأْتي أَيَّامٌ فيها يُرفَعُ العَريسُ مِن بَينِهم، فعِندَئذٍ يصومونَ في تِلكَ الأَيَّام ” (لوقا 5: 34-35)، وهكذا ملكوت السماوات يُشبه العرس.
2″خَمسٌ مِنهُنَّ جاهِلات، وخَمسٌ عاقِلات.”
تشير عبارة ” جاهِلات” الى العذارى اللواتي يحتقرن الحكمة ويَنكرن الله ولا يعملن الاعمال الصالحة كما يوضح ذلك صاحب المزامير ” قالَ الجاهِلُ في قَلبه: ((لَيسَ إِله)) فَسَدَت أَعْمالُهم وقبحت ولَيسَ مَن يَصنعُ الصالِحات. (مزمور 14: 1)؛ الجاهلات إذا هن فتيات موصوفات بعدم وجود نعمة الله الحقيقية فيهنَّ. أمَّا عبارة “عاقِلات” فتشير الى عذارى يتميَّزن بالحكمة والفطنة، ويَحفظن وصايا الله. وهذا ما يؤكِّده صاحب المزامير “رَأسُ الحِكمَةِ مَخافَةُ الرَّبّ”، (مزمور 111: 10)، والحكمة هي معرفة الرب، (أمثال 2: 5) من ناحية، وبُغض الشر والكبرياء والاكاذيب من ناحية أخرى (امثال8: 13)؛ وبكلمة أخرى الحكمة هي العمل بوصاياه.
3″فأَخذَتِ الجاهِلاتُ مَصابيحَهُنَّ ولَم يَأخُذنَ معَهُنَّ زَيتاً.
تشير عبارة ” الجاهلات لم يأخُذنَّ معهُنَّ زيتًا” الى قلة تبصّر وتَدارك الامور؛ وفي الواقع تدل الجاهلات على المسيحيين بالاسم لا بالعمل؛ إنهم لا يملكون زيت نعمة الروح القدس في القلب، ولا ينتظرون رجوع سيدهم بالأعمال الصالحة. أمَا عبارة ” زَيتاً” في العبرية שָׁמֶן وفي اليونانية ἔλαιον فتشير بحسب الكتاب المقدس إلى زيت الزيتون الذي يحصلون عليه حين يعصرون حب الزيتون في المعصرة. والزيت يرمز الى الأعمال الصالحة والمقدّسة التي تُميّز الإيمان الحيّ من الايمان الميّت كما يقول القديس يوحنا الذهبي الفم. ويرمز الزيت أيضا الى أعمال النور والقوة والمحبة. إن وُجد الزيت كانت حياتنا نوراً في العالم بأعمالنا الصالحة كما قال المسيح: ” فَلْيُضِئْ نُورُكُم لِلنَّاس، لِيَرَوْا أَعمالَكُمُ الصَّالحة ” (متى 5: 14)، وبدون زيت الاعمال الصالحة تكون حياتنا ظلمة.
4″وأمَا العاقِلات، فَأَخَذنَ معَ مَصابيحِهِنَّ زَيتاً في آنِية”:
تشير عبارة “الزيت في الآنية ” الى نعمة الله في القلب بواسطة الروح القدس أو هو الولادة بالروح (يوحنا 6:3). أمَّا عبارة ” آنِية ” فتشير الى وعاء كان يصنع من فخار او نحاس ويضع فيه سائل زيت.
5″وأَبطَأَ العَريس، فنَعَسنَ جَميعاً ونِمْنَ”:
تشير عبارة ” أَبطَأَ العَريس” الى محور المثل، وهو فكرة تأخر الرب كما قال الوكيل في نفسه ” إِنَّ سيِّدي يُبطِئ “(متى 24: 48). الوقت هو محنة للإيمان. عندما يطول الانتظار يخسر الانسان حماسه. هذا ما شعر به المؤمنون في أيام متى الانجيلي، فنسوا أنه يجيء في أية ساعة يشاء، وليس حسب ما يشاؤون هم. اما عبارة “فنَعَسنَ جَميعاً ونِمْنَ ” فتشير إلى غياب السهر الذي يدمِّر الفرح المسيحاني. فالمثل يعكس قلق المسيحيين الأوَّلين تجاه عودة ربّهم الذي ينتظرونه. فهناك لفت الانتباه العذارى الى واجب الاستعداد ” لِذلِكَ كونوا أَنتُم أَيضاً مُستَعِدِّين، ففي السَّاعَةِ الَّتي لا تَتَوَقَّعونَها يأَتي ابنُ الإِنسان”(متى 24: 44).
6″وعِندَ نِصْفِ اللَّيل، عَلا الصِّياح: ((هُوذا العَريس! فَاخرُجْنَ لِلِقائِه! “:
تشير عبارة “نصف الليل” الى انتهاء يوم وبدء آخر، وقت لا يُنتظر فيها أحد. ومن هنا جاء رمز نصف الليل الذي يُذكرنا بعيد الفصح، عندما اتحدت السماء بالأرض، والتقى الانسان بالله، ساعة لقاء نهائي مع المسيح المنتصر على الموت، وعلى موته وموتنا. يُعلن يسوع بُشرى الفصح والقيامة حتى عودته الثانية”؛ وأمَا عبارة “علا الصياح” فتُشير الى أصوات الملائكة التي تنادي الابرار بالخلاص، والاشرار بالدينونة يوم المجيء الثاني للمسيح كما أعلن بولس الرسول “لأَنَّ الرَّبَّ نَفْسَه، عِندَ إِعْلانِ الأَمْر، عِندَ انطِلاقِ صَوتِ رَئيسِ المَلائِكة والنَّفْخِ في بُوقِ الله، سيَنزِلُ مِنَ السَّماء” (1 تسالونيقي 4/16). أمَا عبارة ” هُوذا العَريس! فَاخرُجْنَ لِلِقائِه! ” فتشير الى قدوم الساعة الأخيرة تلك التي تُنْبئنا عنها الامراض والكوارث والحروب قبل عودة ربنا يسوع المسيح.
7″فقامَ أُولِئكَ العَذارى جميعاً وهَيَّأنَ مَصابيحَهُنَّ.
تشير عبارة ” فقامَ ” الى قول بولس الرسول ” تَنبَّهْ أَيُّها النَّائِم وقُم مِن بَينِ الأَمْوات يُضِئْ لَك المسيح” (أفسس 5: 14). أمَّا عبارة ” هَيَّأنَ مَصابيحَهُنَّ ” فتشير الى إضاءة المصابيح للتأهب والاستعداد للعمل في الليل كما فعل العبرانيون وهم يحتفلون بالفصح “تَكونُ أَحقاوُكم مَشْدودةً ونِعالُكُم في أَرجُلِكُم وعِصِيُّكُم في أَيديكُم، وتأكُلونَه على عَجَلٍ فإِنَّه فِصحٌ لِلرَّبّ” (خروج 12: 11).
8 “فَقالتِ الجاهِلاتُ لِلعاقِلات: ((أَعطينَنا مِن زَيتِكُنَّ، فإِنَّ مَصابيحَنا تَنطَفِئ)).
تذكرنا عبارة “الجاهِلاتُ” في” مَثَلِ رَجُلٍ جاهِلٍ بَنى بَيتَه على الرَّمْل” (متى 7: 26)، فهنّ غير مستعدات للقاء الرب في مجيئه الثاني. أمَا عبارة ” العاقِلات” فتذكرنا في ” َمَثَلِ رَجُلٍ عاقِلٍ بَنى بيتَه على الصَّخْر” (متى 7: 24)، فهنّ مستعدات للأبدية. أمَا عبارة “أَعطينَنا مِن زَيتِكُنَّ” فتشير الى انه لا يمكن لأحد أن يستعير زيتًا من آخر لأنه أتى الليل حيث لا مجال للعمل. عند مجيء الرب ينتهي زمن العمل والتوبة والنعمة ويبدأ زمن العدل والدينونة.
9 “فأَجابَتِ العاقِلات: ((لَعَلَّه غَيرُ كافٍ لَنا ولَكُنَّ، فَالأَولى أَن تَذهَبنَ إِلى الباعَةِ وتَشْتَرينَ لَكُنَّ “:
تشير عبارة “((لَعَلَّه غَيرُ كافٍ لَنا ولَكُنَّ ” الى مسؤولية كل إنسان عن نفسه وعن تنظيم مستقبله، ولا يستطيع الانسان ان يعيش على حساب الآخرين فيفوَّض اموره إليهم. لا نستطيع أن نتّكل على الآخرين في لقائنا الشخصي مع المسيح، فنحن مسؤولون عن نفوسنا. وأمَا عبارة ” الباعَةِ” فتشير الى الذين عندهم النعمة لأجل المحتاجين إليها، والذين يمنحونها مجانًا لمن يطلبها في الوقت المقبول كما ورد في سفر اشعيا ” أَيُّها العِطاشُ جَميعاً هَلُمُّوا إِلى المِياه، والَّذينَ لا فِضَّةَ لَهم هَلُمُّوا آشتَروا وكُلوا، هَلُمُّوا آشتَروا بِغيرِ فِضَّةٍ ولا ثَمَن خَمْراً ولَبَناً حَليباً (اشعيا 55: 1).
10″وبينَما هُنَّ ذاهِباتٍ لِيَشتَرينَ، وَصَلَ العَريس، فدخَلَت مَعَه المُستَعِدَّاتُ إِلى رَدهَةِ العُرْس وأُغلِقَ الباب”:
تشير عبارة ” وَصَلَ ” باليونانية ἦλθεν الى مَجِيئِهِ، أَو وُصُولِهِ، مُسْتَعْمِلًا ٱلْفِعْلَ ٱلْيُونَانِيَّ نَفْسَهُ بِصِيَغٍ مُخْتَلِفَة. وقد أَشَارَ يَسُوعُ فلهذه الفعل فِي نُبُوَّتِهِ في الفصلين 24-25 ثَمَانِيَ مَرَّات. أمَا عبارة ” رَدهَةِ العُرْس” فتشير الى السماء والابدية، ويعلق القديس كبريانوس “المسيح نفسه أيها الإخوة الأحيًاء هو ملكوت الله الذي نشتاق إليه من يوم إلى يوم لكي يأتي”؛ وأمَا عبارة ” أُغلِقَ الباب ” فتشير الى ثبات القرار وانتهاء زمن التوبة وطلب الغفران. أمَا عبارة “فدخَلَت مَعَه المُستَعِدَّاتُ ” فتشير الى الحكيمات اللواتي أصبحن في أمَان ولا يستطيع أحد ان يخطفهن، وقد أكّد ذلك يسوع بقوله “فَقدِ اختارَت مَريمُ النَّصيبَ الأّفضَل، ولَن يُنزَعَ مِنها ” (لوقا 10: 42). والآية تلفت الانتباه الى واجب السهر والاستعداد لمجيء العريس. وهو جوهر المثل. فالعذارى الحكيمات يرمزن الى الذين هم اهلٌ للقاء العريس؛ لأنهم يحبونه ويلتمسونه ويسهرون من اجله. فمشاهدة العريس متيسرة لهنَّ ووجدانه سهل عليهنَّ وهو يتمثل لهنَّ ويلقاهنَّ كما يوضح ذلك سفر الحكمة ” لأَنَّ الَّذينَ أَهلٌ لَها هي الَّتي تَجولُ في طَلَبِهم وفي سُبُلِهم تَظهَرُ لَهم بِعَطْف وفي كُل خاطِرٍ يَخطر لَهم تأتي لِمُلاقاتِهما”(الحكمة 6: 16). إن الحكيمات يتمتّعن بالحياة الداخليّة الجديدة كحياة شركة واتّحاد مع العريس. أمَا عبارة ” العُرْس “فتشير الى الاحتفالات، التي قد تدوم أحيانا سبعة أيام. أمَا عبارة ” أُغلِقَ الباب” فيعلق عليها القدّيس ثيودورس الأستوديّ بقوله “ينبغي إذا السّهر وترويض النّفس على الرّصانة وتأنيب الضمير والتّقديس والتّنقية والاستنارة، لتفادي أن يُغلِق الموتُ البابَ أمَامنا وألّا نجد أحدًا ليفتح لنا ويساعدنا”. فقد قلبَ إبطاء العريس فرح العرس الى مأساة.
11″وجاءَت آخِرَ الأَمرِ سائرُ العذارى فقُلنَ: ((يا ربّ، يا ربّ، اِفتَحْ لَنا)). 12فأَجاب: ((الحَقَّ أَقولُ لَكُنَّ: إِنِّي لا أَعرِفُكُنَّ! ))”:
تذكرنا عبارة ” يا ربّ، يا ربّ، اِفتَحْ لَنا ” الى ما ورد في انجيل لوقا “وإِذا قامَ رَبُّ البَيتِ وأَقَفَلَ الباب، فوَقَفتُم في خارِجِه وأَخَذتُم تَقرَعونَ البابَ وتقولون: يا ربُّ افتَحْ لَنا، فيُجيبُكُم: لا أَعرِفُ مِن أَينَ أَنتُم، حينَئِذٍ تَقولونَ: لَقَد أَكَلْنا وِشَرِبنْا أَمامَكَ، ولقَد عَلَّمتَ في ساحاتِنا. فيَقولُ لَكم: لا أَعرِفُ مِن أَينَ أَنتُم. إِلَيكُم عَنَّي يا فاعِلي السُّوءِ جَميعاً ” (لوقا 13: 25-26). اما عبارة ” أَعرِفُكُنَّ ” فتشير الى من لا يعمل إرادة الله بل يكتفي بالكلام كما جاء في موضع آخر ” ما عرَفْتُكُم قَطّ. إِلَيْكُم عَنِّي أَيُّها الأَثَمَة!” (متى 7: 23) او الى من لا يقبل يسوع ولا يكفي الانتماء الى جماعة المسيحية ” لا أَعرِفُ مِن أَينَ أَنتُم. إِلَيكُم عَنَّي يا فاعِلي السُّوءِ جَميعاً! “(لوقا 13: 26). الانتماء الى الكنيسة لا يكفي، بل يجب على الانسان ان يقبل يسوع معروفا من يسوع وذلك بأعماله الصالحة (لوقا 13: 25-27). لا داعي للاستغراب، لأنَّ الاعمال الصالحة والسعي للحصول على زيت نور النعمة لا يكون إلاَّ في هذه الحياة الدنيا، وقتُ العمل والجَهد والتقوى ومحبَّة الربّ. فمن مات بدون الاعمال الصالحة ومحروماً من زيت النعمة بقي محروماً منه مدى الأبديَّة. لا يفتح للخاطئ باب السماء. فعبثاً قول العذارى “يا رب يا رب افتحْ لنا”.
فمن أنطفا مصباحه، ونضب زيته وغاب حبه واظلم قلبه فهو غريب على العريس، والعريس لا يعرفه ويطرده من جماعته، ويغلق ابوابه في وجهه الى الابد؛ فهو يشبه الرجل الذي لم يكن عليه لباس العرس فطُرح خارجا في الظلام (متى22: 11). وهذا هو وصف الدينونة.
13″فَاسهَروا إِذاً، لأَنَّكم لا تَعلَمونَ اليومَ ولا السَّاعة” “الَّتِي يَأْتِي فِيهَا ابْنُ الإِنْسَانِ”
تشير عبارة ” َاسهَروا” الى العدل عن النوم ليلاً. وقد يكون السهر بقصد مواصلة العمل (حكمة 6: 15)، أو لتحاشي العدوّ المفاجئ (مزمور 127: 1-2). وأمَا بالنسبة إلى المؤمن، فالهدف من السهر هو أن يكون مستعداً للقاء الرب عندما يجيء فجأة. وفي موضع آخر يوضح يسوع لماذا السهر بقوله “فَاسهَروا إِذاً، لأَنَّكُم لا تَعلَمونَ أَيَّ يَومٍ يَأتي ربُّكم”(متى 24: 42)؛ فالوصية إذن هي السهر الدائم ” فَاحذَروا واسهَروا، لِأَنَّكم لا تَعلَمونَ متى يَكونُ الوَقْت ” (مرقس 13: 33)، والاستعداد الروحي لتلبية نداء “المسيحِ يسوعَ الَّذي سَيدينُ الأَحْياءَ والأَموات” (2 طيموتاوس4: 1). أمَا عبارة ” لأَنَّكم لا تَعلَمونَ اليومَ ولا السَّاعة ” فتشير الى وقت غير مُحدَّد. نحن لا نختار الساعة، بل الله الذي يختار الساعة متى يشاء، وكيفما يشاء. لذا يحثُّ يسوع التلاميذ على السهر في انتظار عودته المجيدة لأنه يأتي في ساعة لا ينتظروها. فمجيء الرب لا يُعلن عنه مقدما بل انه يأتي في وقت غير متوقع كما جاء تعليمه عن السهر ومثل الوكيل الامين” فكونوا أَنتُم أَيضاَ مُستَعِدِّين، ففي السَّاعَةِ الَّتي لا تتَوقَّعونَها يَأتي ابنُ الإنسان “(لوقا 12: 40). وقال لنا الربّ في موضع آخر “فَأَمَّا ذلكَ اليومُ وتلكَ السَّاعَة، فما مِن أَحَدٍ يَعلَمُها، لا مَلائكةُ السَّمَواتِ ولا الابنُ” (متى24: 36) وذلك لتفادي كلّ سؤال عن وقت مجيئه الثاني “لَيَس لَكم أَن تَعرِفوا الأَزمِنَةَ والأَوقاتَ” (اعمال رسل1: 7). ويعلق القديس افرام السرياني “أخفى عنّا ذلك لكي نسهر ويفكّر كلّ واحد منّا في أنّ المجيء الثاني قد يكون خلال حياته على الأرض…” فأي محاولة أو اجتهاد عن معرفة الساعة أو تحديد وقت مجيء الرب هي تضيع وقت وبحث بلا طائل، بل بلبلة ولغو كلام باطل ضد مشيئة الله التي أعلنها لنا في الكتاب المقدس”. لا أحد يعلم متى سينقضي الدهر ويضمحلُّ الكون، ويأتي يسوع، وتدقُّ ساعةُ الدينونة. إنَّه سرُّ الربّ الآب وحدَهُ”. أمَا تكملة الآية “الَّتِي يَأْتِي فِيهَا ابْنُ الإِنْسَانِ” فقد أسقطت الآية في اليونانية بمعنى إنها كانت موجودة وسقطت سهوا من ناسخ “. فقد تقرر حذفها من النص اليوناني لإنجيل متي معتمدين في ذلك علي شهادة أقدم المخطوطات (P353rd, 01, A, B, C*, D, L, W ) . إنَّ يسوع الديَّان سيعود إلى العالم، مهما طالت المدَّة لعودته.
ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي: (متى 25: 1-13)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (متى 25: 1-13)، نستنتج انه يتمحور حول السهر للاستعداد الشخصي من خلال الاعمال الصالحة التي تجعل المصابيح مملؤة بالزيت لاستقبال العريس الرب. ومن هنا نتناول ظروف مَثلُ عَشْرِ عَذارى ومقومات السهر.
1) الظروف في مَثلُ عَشْرِ عَذارى
يتكلم هذا المثل عن العرس. وفي العُرف اليهودي كانت الخطوبة بين الاثنين تستمر وقتا طويلا قبل ان يتمَّ الزواج، وكان وعد الخطوبة مُلزماً مثل عهود الزواج تماماً. وفي يوم العرس، يذهب العريس الى بيت العروس للاحتفال بالزفاف، ويقوم العريس والعروس في مسيرة عظيمة بالعودة الى بيت العريس حيث تُقام وليمة، كثيرا كانت تستمر أسبوعا كاملا. لا زالت بعض قرانا تتّبع هذه العادات. وكانت أولئك العذارى ينتظرن المسيرة على رجاء ان يكون لهنِّ نصيبٌ في وليمة العرس. ولكن لمَّا لم يأت العريس في الوقت الذي ينتظرنه، تركت خمس منهنَّ مصابيحهنَّ فارغة من الزيت، ولمَّا ذهبن ليشترين زيتا إضافياً، ضاعت فرصة دخولهنَّ الى الوليمة.
إنَّ العذارى العَشْر، العاقلات والجاهلات، يمثِّلن جماعة المسيحيين العقلاء والجهلاء. فالعقلاء يموتون وهم في حالة البرارة ومصابيحهم المتقدة، ويستقبلون يسوع الديَّان ونفوسهم مزيَّنة بنور النعمة الإلهيَّة. والجهلاء يموتون وهم في حالة الخطيئة مصابيحهم غير موقدة فلا يشتركون في استقبال يسوع لأنَّ نفوسهم مظلمة بظلام الإثم والشرّ.
إن الحياة المسيحية بحسب انجيل متى هي مسيرة نحو اللقاء مع من نحب، لقاء يسوع العريس الهائم بحب البشرية الخاطئة. ويريد ان يُدخلنا في ملكوته كما يُدخل العريس عروسه في عائلته. لقد خُلق الانسان ليدخل في علاقة حميمة مع الله ليبادله المحبة.
إننا مدعوون كي نذهب للقاء المسيح في المجد (فيلبي 14:3)، وهي مسيرة العروس نحو عريسها. إنها مسيرة حب وموعد ولقاء. لكن الموعد غير معروف وغير مُتوقَّع والساعة غير محدَّدة، ودون إخطار سابق (مرقس 13: 35) شأن مجيء لص الليل (متى 24: 43). نحن كلُّنا مدعوُّون إلى أن نستقبل يسوع العريس الإلهي لندخل معه قاعة العُرس السماوي. فعلينا أن نحيا حياة الإيمان الوطيد والرجاء الثابت والمحبَّة الصادقة لنحافظ على النعمة الإلهيَّة التي قبلناها يومَ المعموديَّة.
لكننا لا نعرف متى يأتي العريس. وهنا يدخل عنصر المفاجأة، وبالتالي لا بد لنا من الاستعداد للقاء المسيح العريس يوم مجيئه الثاني شأن العذارى الحكيمات المستعدات. الاستعداد الروحي لا يمكن شراؤه او استعارته في اللحظة الأخيرة، فعلاقتنا بالله، علاقة شخصية محضة، والاستعداد يؤهلنا لدخول ردهة العرس (متى 25: 10). ويقوم الاستعداد على السهر للقاء الرب يسوع.
2) ما هي مقومات السهر للقاء الرب
إن لفظة “يسهر” بالمعنى المعروف عند الناس هو اليقظة وعدم النوم في الليل. وقد يفيد المعنى أيضا مواصلة العمل أو اليقظة أو الانتباه لكل هجوم قد يُشن من العدو أو مباغتة قد يُفاجأ بها الجندي في المعركة، وهنا السهر يأتي بغرض الحماية والحراسة كدفاع عن النفس، أو تأتي بغرض السهر في انتظار السارق لئلا يأتي ويسرق … ومن هنا نشأ المعنى المجازي في الكتاب المقدس عن السهر في المقومات التالية:
اولا: السهر بمعنى إعداد التدابير لمواجهة احتمال طويل الأمد، وهو انتظار عودة الرب ما دامت ساعة العودة غير متوقِّعة، “فَاسهَروا إِذاً، لأَنَّكم لا تَعلَمونَ اليومَ ولا السَّاعة”. (متى 113: 52). فالحكمة تتطلب من الانسان التفكير في عواقب الأمور والانتظار بالسهر للقاء العريس الرب. فينبغي على أتباع يسوع ان يكرِّسوا كل حياتهم لله ويخدمونه بدافع المحبة والولاء مهما طال انتظار الرب. لأنه لا أَحَدَ يُمْكِنُهُ أَنْ يُحَافِظَ عَلَى ٱلْأَمَانَةِ أَوْ يُدَاوِمَ عَلَى ٱلسَّهَرِ نِيَابَةً عَنَّا. يدعونا مَثل العذارى إلى إظهار فضيلتنا في أعمالنا.
ثانياً السهر بمعنى الالتزام لمجيء الرب في حياتنا اليوميّة، ومجيئه في ساعة موتنا، ومجيئه بالمجد في نهاية الأزمنة. وهذا الالتزام يتطلب التماس العون الإلهي؛ ليس زمن صراع آخر الأزمنة فحسب، انما أيضا على مدى الالتزام في الصلاة والعمل في الحياة اليومية كما ورد في طلب في الصلاة الربية “أُرْزُقْنا اليومَ خُبْزَ يَومِنا ولا تَترُكْنا نَتَعرَّضُ لِلتَّجربة بل نَجِّنا مِنَ الشِّرِّير ” (متى6:11-13).
ثانيا: السهر بمعنى الحذر اي البقاء في حالة الاحتراس، مما يتطلّب منا الانسلاخ عن الملذات والخيرات الأرضية والشهوات “فاحذَروا أَن يُثقِلَ قُلوبَكُمُ السُّكْرُ والقُصوفُ وهُمومُ الحَياةِ الدُّنيا، فَيُباغِتَكم ذلِكَ اليَومُ” (لوقا 21: 34). فإن خدمة الله تتطلب التخلي عن المغريات المادية التي يقدّمها عالم الشيطان. وفي هذا الصدد يقول القديس أنطونيوس الكبير:”أنا أطلب إليكم باسم ربنا يسوع المسيح أن لا تتوانوا عن حياتكم وخلاصكم، ولا تَدَعوا هذا الزمان الزائل يسرق منكم الحياة الأبدية، ولا هذا الجسد اللحمي الفاني يُبعدكم عن المملكة النورانية، ولا هذا الكرسي الفاني الهالك ينُزلكم عن كراسي محفل الملائكة”.
ثالثاً: السهر بمعنى اليقظة، وهي تقوم على الحيطة من أي شيء يُطفئ حرارة عمل الروح القدس في القلب كما يقول بولس الرسول ” لا تُخمِدوا الرُّوح،” (1 تسالونيقي 5: 19). فاليقظة تتطلب البقاء في يقظة القلب الداخلي، كما يقول صاحب نشيد الأناشيد ” إِنِّي نائِمَةٌ وقَلْبي مُستَيقِظ” (نشيد الأناشيد 5: 2)، وذلك لمقاومة الظلمات والشر، لان ضَعْفَ ٱلْجَسَدِ يُمْكِنُ أَنْ يُؤَثِّرَ سَلْبًا عَلَى ٱنْدِفَاعِ ٱلرُّوحِ، لذا قد يتعرّض المسيحي، ابن النور، بان يدهمه مجيء المسيح الثاني كما يقول القديس بولس الرسول ” فلا نَنامَنَّ كما يَفعَلُ سائِرُ النَّاس، بل علَينا أَن نَسهَرَ ونَحنُ صاحون ” (1 تسالونيقي 5: 6). ويحثّنا الرب على إبقاء نفسنا في تيقّظ مستمرّ وعلى طرد ذاك الخمول المغري من عيوننا. يعلق القديس غريغوريوس النيصيّ “الفتور والنعاس يشدّان المرء إلى ارتكاب الأخطاء ويختلقان صورًا خياليّة: الشرف والثراء والقوّة والعظمة واللذّة والنجاح والفائدة والشهرة…”,
رابعاً: السهر بمعنى القناعة: إنَ موقف السهر يتطلب القناعة، أي التخلّي عن كلّ ما من شأنه أن يُلهي عن انتظار الرب. وفي الواقع يدعو بولس الرسول الى القناعة بالتخلي عن أَعمالَ الظَّلام، وهي: ” لا قَصْفٌ ولا سُكْر، ولا فاحِشَةٌ ولا فُجور، ولا خِصامٌ ولا حَسَد ” لاستقبال الخلاص النهائي (رومة 13: 11-14). ويعلق القدّيس غريغوريوس النيصي “الشخص المحصّن بالقناعة يعيش وسط نور ضمير نقيّ، لأنّ الثقة البنويّة تُنير حياته كسراج. فبعد إضاءة نفسه بالحقيقة، لا يمكن أن تستسلم تلك النّفس لنعاس الوهم لأنّها تبقى بعيدة عن كلّ حلم باطل” .
خامساً: السهر بمعنى الجهاد الروحي، هو الكفاح ضد التجارب اليومية عن طريق المثابرة والانتظار لعودة يسوع، وذلك من خلال الصلاة. ومن هنا تكمن أهمية العمل بوصية يسوع: ” إِسهَروا وصَلُّوا لِئَلاَّ تَقَعوا في التَّجرِبَة. الرُّوحُ مُندَفع وأَمَّا الجَسدُ فضَعيف” (متى 26/41). الجهاد الروحي هو عكس الإهمال الروحي، ويأتي بمعنى النهوض من السقوط مع عدم الكسل والتراخي مع ترقب دائم ومستمر لئلا يسقط الإنسان مرة أخرى “طوبى لأُولِئكَ الخَدَم الَّذينَ إِذا جاءَ سَيِّدُهم وَجَدَهم ساهِرين. الحَقَّ. أَقولُ لكم إِنَّه يَشُدُّ وَسَطَه ويُجلِسُهُم لِلطَّعام، ويَدورُ علَيهم يَخدُمُهم”(لوقا 12: 37). فالجهاد الروحي صراع متواصل، وجهد لا يعرف الكلل.
سادساً: السهر بمعنى الحراسة أي أن يكون الإنسان متيقظاً منتبهاً لأي هجوم قد يُشن عليه أو مُباغتة يُفاجأ بها، مع اليقين بأنه “إِن لم يَحرُسِ الرَّبُّ المَدينة فباطِلاً يَسهَرُ الحارِسون” (مزمور 127: 1).
سابعاً: السهر بمعنى الرسوخ في الايمان إزاء أخطار الحياة الحاضرة، وقد عبّر عن ذلك القديس بطرس بقوله: “كونوا قَنوعينَ ساهِرين. إِنَّ إِبليسَ خًصْمَكم كالأَسدِ الزَّائِرِ يَرودُ في طَلَبِ فَريسةٍ لَه، فقاوِموه راسِخينَ في الإِيمان” (1 بطرس 5: 8). فان الشيطان ومعاونوه يرصدون المسيحي المؤمن باستمرار، والحقد عليه تغلي فيهم، ليحملوه على إنكار المسيح.
ثامناً: السهر بمعنى التنبّه من الذئاب الخاطفة كما يوصي القديس بولس المؤمنين” فتَنَبَّهوا لأَنفُسِكم ولِجَميعِ القَطيعِ الَّذي جَعَلَكُمُ الرُّوحُ القُدُسُ حُرَّاساً لَه لِتَسهَروا على كَنيسَةِ اللهِ ” والدفاع عنها ضد “الذئاب الخاطفة ” (أعمال 20: 28-31). وهو تنبيه الى واجب التوبة ” إِنِّي لا أَعرِفُكُنَّ! فَاسهَروا إِذاً، لأَنَّكم لا تَعلَمونَ اليومَ ولا السَّاعة” (متى 25: 12-13). وليس مجي المسيح في وقت غير متوقع مصيدة يقتنصنا به الله ونحن في غفلة، إنما يريد الله ان يتيح فرصة للتوبة كما جاء في تعليم بطرس الرسول ” إِنَّ الرَّبَّ لا يُبطِئُ في إِنجازِ وَعْدِه، كما اتَّهَمَه بَعْضُ النَّاس، ولكِنَّه يَصبرُ علَيكم لأَنَّه لا يَشاءُ أَن يَهلِكَ أَحَدٌ، بل أَن يَبلُغَ جَميعُ النَّاسِ إِلى التَّوبَة “.
تاسعاً: السهر بمعنى قيامة من بين الأموات أذ يحمل السهر قوة القيامة ليبصر الإنسان نور الله كما جاء في تعليم بولس الرسول ” تَنبَّهْ أَيُّها النَّائِم وقُم مِن بَينِ الأَمْوات يُضِئْ لَك المسيح” (أفسس 5: 14). فالرب يحثنا على البحث عن الحقائق العلويّة “أَمَّا وقد قُمتُم مع المسيح، فاسعَوا إلى الأُمورِ الَّتي في العُلى حَيثُ المسيحُ قد جَلَسَ عن يَمينِ الله” (قولسي 3: 1). فنحن كلنا نهتف مع الكنيسة في كل قداس كعلامة الاستعداد الداخلي وترقب مجيء الرب في أي لحظة قائلين” إننا نُبشِّر بموتك، ونعترف بقيامتك، الى ان تأتي، يا رب”. فلنرنم مع صاحب المزامير “ظَمِئَت نَفْسي إِلى الله، إِلى الإِلهِ الحَيّ متى آتي وأَحضُرُ أَمامَ الله؟” (مزمور 42: 3)، ويعلق القديس أوغسطينوس “لقدّ جعلتنا لك، يا رب ولن يهدأ قلبنا إلى أن يرتاح فيك!”.
3) تحذيرات
فأن لم نقم بالسهر بكل ما يحمله من معاني من أعداد والتزام وحذر ويقظة وقناعة وجهاد روحي وحراسة ورسوخ في الايمان وتنبيه وقيامة، فنحن امام تحذيرين:
التحذير الأول: يحذرنا يسوع من عواقب الإهمال بحياتنا الروحيّة، وعدم استعدادنا لمواجهة الربّ يسوع يوم مجيء. إنّها لمأساة حقّاً أن يظلّ المرء ساهياً عن الاعمال الصالحة التي تُهيِّاه لاستقباله تعالى لأنّه لا يعرف اليوم ولا الساعة، فعندئذٍ فقد نسمع صوت المسيح يقول لنا ” إِنِّي لا أَعرِفُكُم! “.
والتحذير الثاني: كما انه لم يكن ممكناً للعذارى الجاهلات أن يقترضن زيتاً من الحكيمات عندما اكتشفن حاجتهنّ إلى الزيت، هكذا هي العلاقة مع الربّ، هي علاقة شخصية لا نستطيع أن نستعير هذه العلاقة من غيرنا، بل ينبغي أن يمتلكها كل واحدٍ منا شخصيّاً بأعماله الصالحة. وقد صدق المثل القائل “لا تقل أصلي وفصلي، إنّما أصل الفتى ما قد فعل”. فكلّ شخص مسئولاً عن حالته الروحيّة، فالاستعداد الروحي لا يمكن شراؤه أو استعارته. فمتى يجيء الربّ يسوع ليقودنا الى وليمته السماويّة، هل سوف نكون ساهرين ومصابيحنا متقدة من زيت الايمان والاعمال الصالحة كالعذارى الحكيمات لاستقباله؟
وباختصار يَحُثُّ يسوع أتباعه على السهر الروحي والاستعداد الدائم وأوصانا بأن نتشبه “بالعذارى الحكيمات” اللواتي احتفظن بمصابيحهن مضيئة. فيجب أنّ تكون حياتنا مكسوّة بروح قداسة العذارى، شبيهة بحياة الملائكة، كي نعيش بعيدًا عن الرذيلة والوهم، مستعدّين للطاعة حين يقرع الباب عند مجيئه ِ كما يطلب منا صاحب المزامير ” الحافِظينَ عَهدَه الذَّاكِرينَ أَوامِرَه لِيَعمَلوا بِها ” (مزمور 103: 18) وأخيراّ يوصي بولس الرسول “لْيُشَدِّدْ بَعضُكم بَعضاً بِهذا الكَلام” (1 تسالونيقي 4 /18).
الخلاصة:
يوصي سيدنا يسوع المسيح الجماعة المسيحية ان تسهر، على مثال العذارى الحكيمات، “بنات اورشليم” اللواتي ورد ذكرهن في نشيد الأناشيد (3: 11)، واللواتي رأى فيهنَّ الربانيون رمز التلاميذ الذين يحملون نور الشريعة ويسهرون في انتظار المسيح. الاستعداد الروحي لا يمكن شراؤه أو استعارته، فكل شخصٍ مسؤول عن حالته الروحية. لذا لا نستطيع ان نتَّكل على الآخرين في لقائنا الشخصي مع المسيح، فنحن مسؤولون عن نفوسنا وعن تنظيم مستقبلنا.
ونستنتج من هنا ان علاقتنا مع الله هي علاقة شخصية محضة. فمن الضروري خروج كل واحد منا للقاء المسيح العريس، بمصباح الاعمال الصالحة في يدٍ، وآنية زيت نعمة الروح القدس في يدٍ أخرى. ونحن نعلم ان مواعيد المسيح لا ترتبط بالساعة المحدَّدة في ساعاتنا. نحن لا نختار الساعة، بل الله هو الذي يختار لنا ساعة متى يشاء وكيفما يشاء.
الوقت هو محنة للإيمان خاصة عندما يطول الانتظار. فينبغي ان لا نترك رجاءنا ينفذ، هذه هي متطلبات الحياة. “فطوبى لِلَّذي يَسهَرُ ويَحفَظُ ثِيابَه”(رؤيا 16: 15)، فسوف يستطيع أن يشترك في موكب انتصار الرب مع العذارى الحكيمات المستعدات.
الدعاء
أيها الآب السماوي، إملائنا من روحك القدوس لنكون أحياء في المسيح، حتى إذا ما جاء وجدنا ساهرين ومستعدين لاستقباله وسُرجنا مضاءة بالأعمال الصالحة وزيتُنا وافر بالإيمان والرجاء والمحبة، فيدعونا لندخل مع العذارى الخمس الحكيمات إلى العرس ونحيا معه الى الابد في الامجاد السماوية. “تَعالَ، أَيُّها الرَّبُّ يَسوع” (22/21).
ولنردد صلاة الكنيسة: “ها هوذا الختن (العريس) يأتي في نصف الليل، طوبى للعبد الذي يجده مستيقظًا. أمّا الذي يجده متغافلًا، فإنه غير مستحق المُضيّ معه. فانظري يا نفسي لئلاّ تثقلي نومًا فتُلقي خارج الملكوت، بل اسهري واصرخي قائلة: قدّوس، قدّوس، قدّوس، أنت يا الله من أجل والدة الإله ارحمنا”.