مَثلُ الوَزَنات والأمانة (متى 25: 14-30)
الأب لويس حزبون
ضرب يسوع مثل الوَزَنات (متى 25: 14-30) ليلفت انتباهنا الى هدف أخلاقي، وهو المسؤولية في استثمار مواهبنا لدخول ملكوت السماوات. ويُشدد المثل على خطورة عدم الأمانة في استخدام المواهب سواء كانت مؤهلات او قدرات او طاقات أو إمكانيات أو فرص مُودعة بين أيدينا. ومن هنا تكمن أهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الإنجيلي: (متى 25: 14-30)
14 “فمَثَلُ ذَلِكَ كمَثَلِ رَجلٍ أَرادَ السَّفَر، فدعا خَدَمَه وسَلَّمَ إِلَيهِم أَموالَه”:
تشير عبارة ” فمَثَلُ ذَلِكَ” باليونانية َ” Ὥσπερ γὰρ (حرفيا تعني كإنما) الى إضافة لربط سياق المثل الآتي (مثل الوزنات) بالمَثَل السابق (مثل العذارى) حيث انه يدور على نفس المحاور. ولكن هنا يتجه المَثَل نحو الأمانة في السهر لحساب السيد. اما عبارة ” رَجلٍ أَرادَ السَّفَر ” فتشير الى رجل مسافر، وهو صاحب المال ويرمز الى السيد المسيح. والمسيح هو صاحب الانجيل. اما عبارة ” السَّفَر ” فتشير إلى رحلة الحياة. في هذا المثل، يسوع المسيح هو الذي سافر عند صعوده الى السماء عام 33مٍ “لِيَحصُلَ على المُلْكِ ثُمَّ يَعود” (لوقا 19: 12). أما عبارة ” سَلَّمَ إِلَيهِم ” فتشير الى توزيع أمواله على خدامه بدون إعطائهم تعليمات او أوامر، بل وضع ثقته بهم متوقعا منهم ان يتاجروا بها في غيابه، فحمِّلهم مسؤولية إدارة أمواله ، وكأنهم يمثِّلونه شخصياً، ويدل هؤلاء الخدام على تلاميذ يسوع الذي اوكلهم تفويضا قائلا لهم ” فاذهَبوا وتَلمِذوا جَميعَ الأُمَم، وعَمِّدوهم بِاسْمِ الآبِ والابْنِ والرُّوحَ القُدُس، وعَلِّموهم أَن يَحفَظوا كُلَّ ما أَوصَيتُكُم به، وهاءنذا معَكم طَوالَ الأَيَّامِ إِلى نِهايةِ العالَم ” (متى 28: 19-20) ، اما عبارة ” أَموالَه ” فتشير في هذا النص الى ثمانٍ وزنات، وهي قيمة طائلة في تلك الأيام، وتدل على المواهب وخاصة الانجيل الطاهر.
15 فأَعْطى أَحَدَهم خَمسَ وَزَنات والثَّانيَ وَزْنَتَين والآخَرَ وَزْنَةً واحدة، كُلاًّ مِنهم على قَدْرِ طاقَتِه، وسافَر”:
تشير عبارة ” وَزَنات ” الى قيم نقديَّة حيث كانت قيمة الوزنة الواحدة نحو 25 كلغم من الذهب او 30كلغم من الفضة. وفي الحسابات النقدية تساوي نحو 6000 درهما، وبالتالي تمثل الوزنة في الانجيل نحو 30 سنةٍ من شغل عامل يومي. واما لوقا فأعطى السيد خدامه “أمْناء”، كل واحد نال الكمية عينها “دَعا عَشرَةَ خُدَّامٍ له، وأَعْطاهم عَشرَةَ أَمْناء”(لوقا 19: 13)، ومَنَا باليونانية μνᾶ وهي وزن سامي يساوي 1/60 من الوزنة وفي الحسابات النقدية تساوي 100 درهم. (لوقا 7: 41). ومن هنا نستنتج ان الوزنة في ذلك الزمان لم تكن قطعة نقد واحدة بل مبلغاً كبيراً من المال. والوزنة باليونانية τάλαντα فتوحي بالموهبة والطاقة. لذا فيه تدل على مواهبنا، فمنها جسدية ونفسية: كالصحَّة، والذكاء، وقوَّة الإرادة، ومنها اجتماعيَّة: كالقدرة على الإداريّة، وتحمُّل المسؤوليَّة، ومنها روحيَّة، كالنعمة المقدِّسة، وفضائل الإيمان والمحبَّة والعدل والشجاعة. أمِّا عبارة ” خَمسَ وَزَنات ” فتساوي 30000 دينارًا فإذا كان الدينار يشكّل أساسًا أجرة العامل في يوم عمل، مما يدل على ثقته في الخادم. أمِّا عبارة “وَزْنَتَين” فتساوي الى ما يقارب 12000 دينارًا. أمِّا عبارة ” وَزْنَةً واحدة ” فتشير الى قيمة طائلة نحو 25 كلغم من الذهب. وما طلب من الثلاثة هو ان يستثمر ما سلّم إليهم سيّدهم من مال. والوزنة تدل على المواهب الجسدية والنفسية والاجتماعية والروحية من أي نوع كانت. أمِّا عبارة “كُلاًّ مِنهم على قَدْرِ طاقَتِه، ” فتشير ان صاحب المال لم يوزّع أمواله بالتساوي على ثلاثة من خدَّامه، بل بحسب قدراتهم وكفاءاتهم وإمكانياتهم الطبيعية والذهنية، ووقتهم ليستثمروها الى حين عودته. ولم يرد ان يرهق الضعيف، ولا ان يبخس حق القوي، بل قام بمراعاة القدرات الفردية، لأنه يعرف ما يناسب كل عضو للخلاص وخدمة الكنيسة. أعطى كل واحد منَّا وزنات تتكافا تماماً مع طاقاتنا ومقدراتنا ومواهبنا للخدمة، نخدم خلاصنا وخلاص الآخرين لحساب ملكوته الأبدي كما جاء في تعليم بولس الرسول “كُلُّ واحِدٍ مِنَّا أُعطيَ نَصيبَه مِنَ النِّعمَةِ على مِقْدارِ هِبَةِ المسيح”(أفسس 4: 7). يوكّد ذلك مرقس الإنجيلي “فَوَّضَ الأَمرَ إِلى خَدَمِه، كُلُّ واحدٍ وعمَلُه “(مرقس 13: 34). فلم يأخذ أحد منهم أكثر او أقل مما يستطيع استثماره. وفي حالة فشله في المهمة التي اوكلها اليه سيده، فلن يكون عذره أنه كُلّف بأكثر من طاقته حيث ان فشله يأتي بسبب كسله وعدم مسؤوليته او بغضه لسيده. وطُلب من هؤلاء الثلاثة الخدم استثمار ما سلَّم إليهم سيّدُهم من المال. فالوزنات ليست لهم بل سُلمت إليهم حيث ان كل ما يملكون هي وديعة في أيديهم: الاموال، الاشخاص، الاحداث. الوزنات تدل على مواهب الله للناس، وما آتاهم من فضله تعالى. والسيد يحاسب على مستوى قدر هذه الطاقة تماماً. والمنح تختلف في كميتها: “خَمسَ وَزَنات ووَزْنَتَين ووَزْنَةً واحدة “. فما قدّمه الله لهم من مواهب لم يقدّمها اعتباطًا، وإنما يعرف ما يناسب كل عضو لخلاصه. هذا يدفعنا الى عدم التكبُّرعلى أصحاب المواهب الأقل ولا نحسِد أصحاب المواهب الأكثر، إنّما واجب علينا ان نشكر واهب المواهب. القضية ليست كم لنا، انما ماذا نفعل بمالنا او وزناتنا. أمِّا عبارة “سافَر” فتشير الى غياب السيد، وذلك يدل على استقلالنا ومسؤوليتنا ومبادراتنا او خوفنا. ترك كل واحد بحريته. ذهب السيد وترك الخدّام لفترة من الزمن ولا بد لهم ان يكونوا أمناء ومثمرين خلال غيابه عنهم. ويقدموا خدمة بكل ما لديهم من قوة ومحبة “ومَهْما تَفعَلوا فافعَلوه بِنَفْسٍ طَيِّبَةٍ كأَنَّه لِلرَّبِّ لا لِلنَّاس ” قولسي 3: 23).
16 فأَسرَعَ الَّذي أَخَذَ الوَزَناتِ الخَمسَ إِلى المُتاجَرَةِ بِها فَربِحَ خَمسَ وَزَناتٍ غَيرَها 17 وكذلِكَ الَّذي أَخَذَ الوَزْنَتَيْن فرَبِحَ وَزْنَتَينِ غَيرَهُما.
تشير عبارة “فأَسرَعَ” باليونانية εὐθέως πορευθεὶς التي تفيد معنى “ذهب في الحال ” وهي تضيف إلى المعنى مهارة الخادمين الأول والثاني وأمانتهما بالنسبة للزمن، وفرص الربح الأوفر في سرعة التنفيذ والغيرة المشدَّدة على أمر السيد وتكليفه؛ بل وهذه الكلمة ” في الحال” تضيف أيضا لحساب الخادمين ما هو أكثر من الربح المادي، إذ تكشف عن فرح الخادمين بثقة السيد والعمل على حسن ظنه بهم؛ أمِّا عبارة “صاحب الوَزَناتِ الخَمسَ” فتشير إلى رمز الإنسان الذي يستخدم مواهبه خلال أبواب حواسه الخمسة. أمِّا عبارة “َربِحَ خَمسَ وَزَناتٍ غَيرَها” فتشير انه هذا الخادم قابل الثقة بالثقة فرَبِح الطّاق طاقَيْن. وكذلك الخادم الذي أخذ وزنتين. أمِّا عبارة ” المُتاجَرَةِ ” فتشير الى العمل بالمواهب الممنوحة لخدمة الآخرين بأي صورة جسدية أو روحية أو نفسية أو صحية وذلك بالمتاجر بها ” كُلُّ واحِدٍ مِنَّا أُعطيَ نَصيبَه مِنَ النِّعمَةِ على مِقْدارِ هِبَةِ المسيح ” (أفسس 4: 7). أمِّا عبارة “صاحب الوَزْنَتَيْن” فتشير الى رمز المؤمن الذي امتلأ قلبه بمحبّة أخيه في الرب، إذ يصير الاثنان واحدًا في الرب. ونجد نفس الرمز في السامري الصالح الذي يقدّم دِرهمين لصاحب الفندق علامة محبّته للجريح، والأرملة التي امتدحها السيِّد قدّمت فِلسين علامة حبّها لله ولإخوتها المحتاجين.
18 وأَمَّا الَّذي أَخذَ الوَزْنَةَ الواحِدة، فإِنَّه ذهَبَ وحفَرَ حُفرَةً في الأَرض ودَفَنَ مالَ سيِّدِه”:
تشير عبارة “صاحب الوَزْنَةَ الواحِدة ” الى رمز الانسان الأناني الذي يعمل لحساب ذاته وحده، فلا يرتبط بحب وثقة مع الله والناس؛ أمِّا عبارة “دَفَنَ مالَ سيِّدِه ” فتشير الى الطريقة التي استخدم بها وزنته. دفن وزنته في التراب كقرض مستردّ خوفا عليها من الضياع، وخوفا على نفسه من بطش سيده. فهذا الانسان ليس له ثقة بنفسه فهو يشكو من عقدة النقص. والحق انه يشعر في داخل نفسه أنه أضعف من ان يؤدي عملا فيه الجهد والسعي والاستثمار. ويبدو ان متى الإنجيلي يركز على تصرّفه.
19 “وبَعدَ مُدَّةٍ طويلة، رَجَعَ سَيِّدُ أُولئِكَ الخَدَمِ وحاسَبَهم”:
تشير عبارة ” بَعدَ مُدَّةٍ طويلة” الى طول المدة قد يدفعنا للتكاسل ظنا أن هناك متسع من الوقت. وتدل طول المدة على تأخُّر المجيء الثاني للسيد المسيح، وهذا ردٌّ على الذين كانوا يظنون أنه سيأتي سريعاً. والقصد من هذه العبارة ايضا أن كادت تقود طول المدة إلى نتائج خطيرة بالنسبة إلى الايمان المسيحيّ الذي يتساءل ” أَينَ مَوعِدُ مَجيئِه؟ ماتَ آباؤُنا ولا يَزالُ كُلُّ شَيءٍ مُنذُ بَدءِ الخَليقَةِ على حالِه ” (2 بطرس 3: 4). وهذا الوضع هدّد ثبات المؤمنين الذي تغذّى برجاء ينتظر بسرعة مجيء الرب الثاني. أمِّا عبارة “سَيِّدُ” باليونانية κύριος فتشير الى صاحب الأموال ويدل على السيد المسيح، وفي انجيل لوقا ترجمة “مولاي ” باليونانية κύριος، ويدل هنا على لقب ملكي يناسب المرشَّح المولّى في آخر الامر. ويشير الى يسوع في مجده. أمِّا عبارة ” حاسَبَهم” فتشير الى مشهد تأدية الحساب في الدينونة الأخيرة.
20 فَدَنا الَّذي أَخَذَ الوَزَناتِ الخَمس، وأَدَّى معَها خَمْسَ وَزَناتٍ وقال: ((يا سيِّد، سَلَّمتَ إِليَّ خَمسَ وَزَنات، فإِليكَ معَها خَمسَ وَزَناتٍ رَبِحتُها)). 21 “فقالَ له سَيِّدُه: ((أَحسَنتَ أَيُّها الخادِمُ الصَّالِحُ الأَمين! كُنتَ أَميناً على القَليل، فسأُقيمُكَ على الكَثير: أُدخُلْ نَعيمَ سَيِّدِكَ.”: 22 ثُمَّ دَنا الَّذي أَخَذَ الوَزْنَتَينِ فقال: ((يا سَيِّد، سَلَّمتَ إِليَّ وَزْنَتَين، فإِليكَ معَهُما وَزْنَتَينِ رَبِحتُهما)). 23 فقالَ له سيِّدُه: ((أَحسَنتَ أَيُّها الخادِمُ الصَّالِحُ الأَمين! كُنتَ أَميناً على القَليل، فسأُقيمُكَ على الكَثير: أُدخُلْ نَعيمَ سَيِّدِكَ)):
تشير عبارة ” فَدَنا الَّذي أَخَذَ الوَزَناتِ الخَمس ” الى ان السيِّد بدأ بمحاسبة أصحاب الخمس وزنات مما يدل على انه كلما كثرت المواهب كلما كانت دينونتنا تسبق الآخرين ونُطالَب بأكثر. اما عبارة ” أَحسَنتَ ” باليونانية Εὖ بمعنى حسنا او جيداً فتشير الى أن الخادم أثبت أن ما قدَّمه من عمل يساوي طاقته؛ أمِّا عبارة ” الصَّالِحُ” فتشير الى ُ الخادم الذي أثبت أمانته للسيد، فحَسَب ما استأمنه عليه من عمل شخصياً وُجِدَ أميناً فيه لشخص سيده، فهو صالح. أمِّا عبارة ” الأَمين ” فتشير الى ان الخادم هو أمين في مال سيِّده. حيث قدَّم خمس وزنات مقابل خمس وزنات استلمها. فالخادم الصالح يُمثِّل تلاميذ المسيح ألأمناء اللذين اتخذوا الانجيل نورا لذواتهم ودستورا لحياتهم. أمِّا عبارة ” القَليل ” فتشير الى كل العطايا والمواهب التي تُعطى للإنسان المؤمن ليتاجر بها على الأرض، فهي قليلة مهما كانت قوتها وقدرتها وعظمتها نسبة لعطايا الله في السماء التي لا يمكن وصفها أو للعقل إدراكها. أمِّا عبارة “الكَثير” فتشير الى أعمال الروح والحكمة والفرح والمجد إلى ما لا نهاية؛ أمِّا عبارة “كُنتَ أَميناً على القَليل، فسأُقيمُكَ على الكَثير ” فتشير الى الذي كان أمينا على هذه الارض، ينال جَزءاً كبيراً هنا على الارض، وفي الآخرة يستحق جزاء نعيم الملكوت (متى 24: 47)؛ ومن هذا المنطلق تكون محاسبة الانسان على الأمانة والجهد والاهتمام الذي أدَّاه في مسئوليته، ولا يدخل فيه الكثرة أو القلة في المواهب. فصاحب الخمس وزنات نال من المديح والمكافأة ما ناله صاحب الوزنتين تماماً. أمِّا عبارة ” أُدخُلْ نَعيمَ سَيِّدِكَ ” فتشير الى المكافأة، وهي فرح الوليمة المسيحانيّة او دخول إلى العرس الأبدي. ونعيم الملكوت هو الفرح والمجد التي تكلم عنهما يوحنا الإنجيلي ” لِيَكونَ بِكُم فَرَحي فيَكونَ فَرحُكم تامّاً”(يوحنا 15: 11)، ” أُريدُ أَن يَكونوا معي حَيثُ أَكون فيُعايِنوا ما وَهَبتَ لي مِنَ المَجد ” (يوحنا 17: 24). ويعلق الأب يوحنا من كرونستادت “الخدمة الأرضيّة هي محك وخدمة بدائية للخدمة السماويّة”. السيد أشرك في حياته الخادم الاول والخادم الثاني. فالودائع مختلفة المقدار، لكن المكاسب واحدة في امر الخادمين الاولين. فنحن بعيدون كل البعد عن عالم التجارة.
24 ثُمَّ دَنا الَّذي أَخَذَ الوَزْنَةَ الواحِدَةَ فقال: ((يا سَيِّد، عَرفتُكَ رَجُلاً شَديداً تَحصُدُ مِن حَيثُ لَم تَزرَعْ، وتَجمَعُ مِن حَيثُ لَم تُوزِّعْ”:
تشير عبارة ” َرجُلاً شَديداً ” باليونانية σκληρὸς εἶ ἄνθρωπος (ومعناه انت رجل قاس) الى اتّهام سيّده بالقسوة والظلم وعدم الرحمة. فإن حياة الكسل والبّطالة دفعته لاتّهام سيّده بالقسوة، وهذا بالتالي دفعه للخوف وكما يقول الأب يوحنا من كرونستادت “كل خطيّة تبدو بسيطة وغير هامة تقود إلى خطايا أخطر، لذا يجب مقاومتها في بدايتها وسحقها”. فخطية قايين الأولى هي الحسد، والحسد أسلمه للغضب والغضب أسلمه للقتل والقتل اسلمه الى التبجح على الله قائلًا ” أَحارِسٌ لأَخي أَنا؟” (التكوين 4: 9) ثم هرب من الله نهائيًا حيث ان الخطيئة تلد خطيئة؛ أمِّا عبارة ” تَحصُدُ مِن حَيثُ لَم تَزرَعْ ” فتشير الى حكم الخادم على خُلق سيده، لأنه لم يعرفه جيداً. إن كان هذا السيد يديننا بالعدل، فهو في الوقت عينه، يعاملنا بالرحمة إن فتحنا قلبنا على رحمته وحنانه. ان الله القدير يحصد حيث لم يزرع. ويسوع لا يتردد في غيره من الامثال ان يشبّه دينونة الله بحُكم قاضٍ قاس (لوقا 16: 1- 11، 18: 1-8).
25 فخِفتُ وذَهَبتُ فدَفَنتُ وَزْنَتَكَ في الأرض، فإِليكَ مالَك”
تشير عبارة ” خِفتُ ” الى خوف الخادم من تصوّر زائف عن الربّ وخوفه من عقاب ينتظره ومن المخاطرة والخسارة، وله أعذاره. إذ ظنَّ أنه مهما عمل فان سيده لن يكون عادلا معه. ونتيجة لذلك لزم جانب الأمان وحماية نفسه من سيده القاسي، فحُكم عليه تقوقعه على نفسه. لقد نسى نفسه انه وكيلٌ وليس مالكٌ، وبنى علاقة مع سيده ليست مبنيّة لا على الثقة وعلى المحبّة، بل بالأحرى على الخوف. الشر كل الشر هو ان نعرف ونخاف. والواقع لو كان يحب سيده ما كان قد خاف، فالمحبة تطرد الخوف. قال يوحنا الرسول ” لا خَوفَ في المَحبَّة بلِ المَحبَّةُ الكامِلةُ تَنْفي عَنها الخَوف لأَنَّ الخَوفَ يَعْني العِقاب ومَن يَخَفْ لم يَكُنْ كامِلاً في المَحَبَّة”(1 يوحنا 4: 17-20). والمحبة لا تخاف المخاطرة، الحياة هي مخاطرة لأنها اختيار، وكل اختيار يقوم على التضحية والمسؤولية. الخوف أفسد عمله. ويعلق القديس اوغسطينوس ” استخدموا الوزنة ولا تُحسَبون عبيدًا كسالى ولا تخافون العقاب المرعب”. أمِّا عبارة “ذَهَبتُ فدَفَنتُ وَزْنَتَكَ في الأرض” فتشير الى تعطيل أو إبطال عمل الموهبة أو المواهب الروحية التي أعطاها الله للمؤمن. فدفن في الأرض مواهبه ومشاركته وقواه، وهذا يتم عند الذين، إمَّا فقدوا الإحساس بقيمة الموهبة، أو استهتروا وازدروا واهب المواهب، او لم الذين يهتمّوا بمجيء السيد والحساب الذي سيحاسب به كل إنسان عمَّا وهبه إيَّاه. وهنا يتركَّز المَثَل في عدم السهر ورفض العمل وفقدان الإحساس الأمانة للسيد المسيح. أمِّا عبارة ” فإِليكَ مالَك ” فتشير الى ان الخادم ردّ ما سُلّم إليه من مال ولم يخسر منه شيئًا. أعاد الوزنة على حالها: لم يفقدها ولم يزدها. ولكنه لم يربح شيئًا أيضًا. وباسم هذه العدالة نفسها، رفض الحقّ لسيّده بأن يطلب منه أكثر ممّا أعطاه. أنه ينتظر من سيده عدالة تساوي عدالته. ويرفض أن يقبل بأن يُطلب منه أكثر ممّا هو مفروض. لكن الرب لا يرضى لنا البقاء على مستوى شريعة منغلقة على ذاتها فتجعلنا سجناء لها، بل يريد أن يرفعنا إلى مستوى المحبّة التي لا تعرف حدودًا في العطاء. صاحب الوزنة الواحدة كانت طاقته على قدر العمل والربح لوزنة واحدة. فلمَّا أخفاها في الأرض ولم يعمل أو يتاجر بها وضح أنه بدَّد طاقته وحبس موهبته معاً.
26 فأَجابَه سَيِّدُه: ((أَيُّها الخادِمُ الشِّرِّيرُ الكَسْلانُ! عَرَفتَني أَحصُدُ مِن حَيثُ لم أَزرَعْ، وأَجمَعُ مِن حَيثُ لَم أُوزِّعْ” 27 “فكانَ عَليكَ أَن تَضَعَ مالي عندَ أَصْحابِ المَصارِف، وكُنتُ في عَودَتي أَستَرِدُّ مالي معَ الفائِدة”:
تشير عبارة “أَيُّها الخادِمُ الشِّرِّيرُ ” الى اهمال الخادم. فالوكيل الذي يهمل واجباته يسمّى ((الخادم الشرّير)) (متى 24: 48)؛ لا ينتظر الله الربح في ذاته، ولا يهتم بكميَّته، إنّما يهتم بأمانة خدامه أو إهمالهم. فما اقتناه الخادمان أصحاب الخمس وزنات والوزنتين هو “الأمانة في الوكالة”، فتأهّلا أن يُقاما على الكثير، أمِّا صاحب الوزنة الواحدة فمشكلته إهماله، إذ أخفي الوزنة وعاش عاطلًا. ويدل هذا الخادم الشرير على جماعة اليهود الاتقياء الذين ائتمنوا على شريعة الله فحفظوها لذاتهم دفينة في الهيكل، ولم يعلنوها للناس ولم يُشرك بها أحداً. ولم يشع نور شريعة الانجيل إلا بعد ان الجماعة المسيحية الاولى التي اخذت هذا المشعل وحملته الى الامم. امَّا عبارة ” الكَسْلانُ ” فتشير الى باب الهلاك كما يُعلق عليها القديس كيرلس الكبير. أمِّا عبارة “عَرَفتَني أَحصُدُ مِن حَيثُ لم أَزرَعْ، وأَجمَعُ مِن حَيثُ لَم أُوزِّعْ” فتشير الى استعادة السيد كلام الخادم الشرير لكنه لم يكن موافقٌ على صحة قوله، أذ يقول: ” إن ظننت ذلك، “كان عليك ان…”. ومع ذلك، انطلق من كلامه ليدلّ على انه سيّد متطلّب. والواقع إن الله رحيم للذين يعودون اليه كالابن الضال (لوقا 15/20) وأن الله قاسٍ تجاه قساة القلوب كما هو الحال تجاه فرعون بعد ان رفض الاصغاء (خروج 8: 32). أمِّا عبارة “فكانَ عَليكَ أَن تَضَعَ مالي عندَ أَصْحابِ المَصارِف ” فتشير الى الصيارفة حيث تستخدم الأموال في التجارة لتربح فائدةُ ماله كما يقول المثل العامّي، المال يجلب المال. فخطيـئته في أنه لم يستثمر ما تسلّمه لكي يزيده. ويدل أَصْحابِ المَصارِف على المرشدين الروحيين الذين كانوا سيرشدونه لأن يقدم خدمات بمحبة للآخرين. ان يسوع لا يحب ان نكدس المال لكن التوظيف المالي هو واجب انجيلي. الوزنة مهمة عمل، وحين نقوم بهذه المهمة نعطي صورة عن وجه الله: لا ذاك الاله القاسي، بل الخالق الذي يُشركنا في عمله.
28 فخُذوا مِنهُ الوَزْنَة وأَعطوها لِلَّذي معَهُ الوَزَناتُ العَشْر”:
تشير عبارة ” فخُذوا مِنهُ الوَزْنَة ” الى الانسان الذي لا يستخدمْ وزنته، يفقدها. انه ناموس الحياة؛ إننا نفقد القوى والمواهب التي لا نستعملها، سواء أكانت جسدية ام عقلية أم أدبية ام روحية، أمِّا القوى التي نستخدمها فهذه تنمو بكثرة الممارسة والاستعمال. وتفيدنا القاعدة البيولوجيّة بأن العضو الّذي لا يستخدم يضمر. أمِّا عبارة ” أَعطوها لِلَّذي معَهُ الوَزَناتُ العَشْر ” فتشير الى ان من يجاهد يُعط ويُزاد له. ان الله لا يحكم على الناس بمقدار النجاح الذي بلغوه، بل بمقدار الجهد الذي بذلوه. لا نلام لأننا لم ننل الا وزنتين او وزنة، انما سيحكم علينا تبعا لاستخدام ما لدينا من مؤهلات. لقد امتدح يسوع الارملة الفقيرة “: إِنَّ هذِهِ الأَرملَةَ الفَقيرةَ أَلْقَت أَكثَرَ مِن جَميعِ الَّذينَ أَلقَوا في الخِزانَة”، فإِنَّها مِن حاجَتِها أَلْقَت جَميعَ ما تَملِك، كُلَّ رِزقِها” (مرقس 12: 41-44).
29 “لأَنَّ كُلَّ مَن كانَ له شَيء، يُعطى فيَفيض. ومَن لَيسَ له شيء، يُنتَزَعُ مِنهُ حتَّى الَّذي له”:
تشير عبارة ” مَن كانَ له شَيء ” الى الخادم الأمين الذي يُسّلم معلمه حصيلة عمله. وتشير أيضا الى من يملك معرفة الملكوت عن طريق الايمان بيسوع؛ أمِّا عبارة “لأَنَّ كُلَّ مَن كانَ له شَيء، يُعطى فيَفيض” فتشير الى حكمة تعبّر عمّا في كل مال من طابع وقتي، فلا بد من استثماره، وإلا فُقد. وهذه الحكمة تُبرِّر قرار السيد “فخُذوا مِنهُ الوَزْنَة وأَعطوها لِلَّذي معَهُ (متى 25: 28)، وتبيِّن لنا في آن واحد، شدة الدينونة ورحمة الله التي لا حدَّ لها وما سيَهبُه يسوع معرفة أكثر مَن كانَ لَه شَيء، يُعْطى فيَفيض”(متى13: 12). ومن ها المنطلق اضافت الجماعة المسيحية الأولى هذه الآية لتشدد على طريقة سير الدينونة. الربح يجلب ربحًا، والخسارة تجلب خسارة؛ أمِّا عبارة ” ومَن لَيسَ له شيء، يُنتَزَعُ مِنهُ حتَّى الَّذي له” فتشير الى كل مال زمني من طابع مؤقت، ولا بدّ من استثماره، والا فُقد. ان الانسان الذي لا يستخدم وزنته فقد يفقدها، وعليه فان هذا قرارً لم يكن تعسفياً بل هو ناموس الحياة، فإننا نفقد القوى والمواهب التي لا نستعملها، سواء اكانت جسدية ام عقلية ام أدبية او روحية، اما القوى التي نستخدمها، فهده تنمو بكثرة التدريب والاستعمال، وصدق من قال ” التوقف في عالم الاخلاقي والروحي، هو تقهقر الى الوراء”. الأمانة هي القياس الحق، وأمِّا الحرص الزائد المفرط في استخدام الوزنة، فهو اعتداء على الأمانة والثقة، لان الوزنة لم تكن لم ملكه، بل هي وديعة لم يحسن استغلالها.
30 وذلكَ الخادِمُ الَّذي لا خَيرَ فيه، أَلقُوهُ في الظُّلمَةِ البَرَّانِيَّة. فهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأَسنان”
تشير عبارة أَلقُوهُ في الظُّلمَةِ البَرَّانِيَّة ” الى العقاب الذي يقوم على عدم التمتّع برؤية الله النور الحقيقي، وإنما البقاء خارجًا في الظلمة. كان السيد قاسيا على الرجل الذي لم يستثمر وزنه، لأنه لم يثق في نوايا سيده، وكان انتماؤه لنفسه.
أمِّا عبارة ” الظُّلمَةِ البَرَّانِيَّة ” فتشير الى المكان الذي يُعاقَب فيه الكفّار. وكان اليهود يتصوّرون انها تحت الارض. أمِّا هنا فهي خارج عالم الاحياء، (1قورنتس 5: 12- 13). ادّت الظلمة الداخلية الى الظلمة الخارجية بعيدًا عن نور الله، أي خارجًا عن أورشليم السماوية التي ينيرها الرب يسوع (رؤية 22: 5 أمِّا عبارة ” فهُناكَ البُكاءُ وصَريفُ الأَسنان ” فتشير الى العقاب الذي يدلّ على الهلاك الابدي (مت 22: 13). كما تشير شدة الحكم الصادر في الرجل القليل الأمانة. ويبدو ان الخادم الثالث قد عوقب بحرمانه وزنته، وليس ثمة حاجة الى عقوبة أخرى بألقائه في ” الظُّلمَةِ البَرَّانِيَّة”، لان مثل هذه العقوبة لا تناسب الزلة التي أتاه، فإنه ردَّ الوزنة ولم يختلسها. لذا يذهب بعض المفسِّرين في الكتاب المقدس الى ان هذه الآية قد اضيفت الى المثل فيما بعد، لتعطي طابعا روحيا دينيا. والواقع ان متى الإنجيلي أجرى بعض التعديلات وأضاف هذه الآية وواصل تعليمه في السهر والانتظار، لكنه أوضح: من سهر، أتمّ الأعمال التي حدّدها الرب.
ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي: (متى 25: 14-30)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (متى 25: 14-30)، نستنتج انه يتمحور حول الوزنات أي المواهب والأمانة في استثمارها؛ ومن هنا نتناول مثل الوزنات على ثلاثة اصعدة: صعيد الملكوت الله والوزنات والمسؤولية وقت الدينونة.
اولا: على صعيد الملكوت
يدعونا سيدنا يسوع المسيح إلى الدخول في الملكوت من خلال الأمثال. والأمثال هي ميزة تعليمه الخاصة عن الملكوت (مر 4: 33-34). للحصول على الملكوت لا بد من اختيار جذري: يجب التضحية بكل شيء كما هو الحال في مثل الكنز واللؤلؤة (متى 13: 44-45)؛ والكلام لا يكفي، بل يجب العمل كما ورد في مثل الابنين (متى 21: 28-32)، والسهر الدائم مثل الوكيل الأمين (متى 24: 37-44)، والاستعداد في مثل العذارى (متى 25: 1-13)، أخيرأً استثمار المواهب وتحمل المسؤولية كما ورد في مثل الوزنات (متى 25: 14-30).
والامثال على الملكوت السماوي تتكامل: في مثل الوكيل الامين (متى 24: 45-50) يأتي يسوع “كالسارق” الذي يفاجئنا في وقت لا نتوقعه، وفي مثل العذارى العشر (متى 25: 1-13) يأتي يسوع “كالعريس” الذي يُدخلنا في صحبته، وفي مثل الوزنات (25: 14-30) يأتي يسوع “كالسيد الديان” الذي يطالب منا ان نقدم له الحساب.
ثانياً: على صعيد الوزنات:
الوزنة في هذا المثل تمثل أي موهبة اعطيت لنا، فالله يعطينا وقتاً وقدرات ومواهب وغير ذلك من الخيرات بحسب قدراتنا، وينتظر منا ان نستثمرها بحكمة الى ان يجيء. فالوزنة إن دلّت على شيء فلا شكّ أنها تدلّ على المسؤولية الكبرى والواجب والعمل التي ألقاها الربّ علينا، كما على الرسل من قبلنا، خلال غيابه: حتى إذا عاد يكافئ كلاً منا على ما أعطت يداه وقلبه وفكره. فلا يوجد لدينا أي مبرر حقيقي للتواني والكسل والإهمال والرفض، بل النشاط والغيرة والعمل في كرم الربّ. فنحن مسؤولون عن استخدام ما أعطاه لنا استخداما جيداً، والقضية ليست كم لنا، بل ماذا نفعل بمواهبنا وقدراتنا وبمالنا. الوزنة هي امانة في أعناقنا نحاسب عليها. ومن هذا المنطلق، الوزنة هي ما يكتنزه كلّ مسيحي من محبة وإيمان ورجاء بكلام الربّ وبخلاصه.
ويريد يسوع وقت “غيابه” ان نتحمل مسؤولية كلمته بأنفسنا؛ “فنحن ” ملك خاص” لله وكل المواهب والقيم والثروة التي لدينا هي له، وهي وديعة عندنا. وينتظر الله ان نقوم باستثمارها. فالعمل يُكرم مواهب الله والوزنات المعطاة” (التعليم المسيحي للكنيسة الكاثوليكية 2427).
وفي المثل عنصر المفاجأة التي تعلنها الدينونة التي هي خلافٌ لما نعتقده. لذلك لقد فضّل السيد روح الاستثمار عند اول خادمين، على الرغم لا يخلو من المخاطرة، على حذر الخادم الثالث السلبي والآمن الذي دفن وزنة سيّده خوفا من ان يفقدها. لم تتوافق الدينونة مع التوقعات البشرية. يصير المثل أداة دعوة الى التغيير: تفضيل حقيقة الله على حقيقة العالم (لوقا 12: 21ذ) واختيار العدالة بدل أمان المال الخدّاع (لوقا 16: 22-26).
ونلاحظ أيضا عدم المساواة في توزيع الوزنات. ربما نقول انه ظلم لأننا ننظر الى المظاهر الخارجية للأشياء، أمِّا إذا نظرنا بعيون يسوع نرى مساواة بين البشر: مساواة في منح الفرص والامكانات، انه يطالب كل واحد “على قَدْرِ طاقَتِه” وفروقاته الفردية. والطاقة هي من عمل النعمة، وعلى أساس عمل النعمة يمنح الله الوزنات كما جاء في تعليم بولس الرسول” ولَنا مَواهِبُ تَختَلِفُ بِاختِلافِ ما أُعْطينا مِنَ النِّعمَة ” (رومة 12: 6)، وعلى هذا الأساس اللاهوتي تتم المحاسبة والعقاب. لأن الذي لم يربح يُعاقب لأنه عطَّل عمل النعمة فأوقف عمل الوزنات.
كما ان الرب لا يحكم على الناس بنسبة النجاح الذي بلغوه، بل بنسبة الجهد الذي بذلوه، ولا بنسبة كمية العمل التي ادّوها بل على قدر الأمانة التي التزموا بها. انه حكم عليهم تبعا لاستخدامهم ما لديهم من مؤهلات. فمن استثمر وزنتين يُكافأ مكافأة متساوية مع الذي استثمر الوزنات الخمس. إنه يحترم الفروقات الفردية بين الأشخاص. فلكل واحد منا خصائصه وغناه ومواهبه. فكل كائن فريد ولا بديل له في عيني الله كما نقول في العامية “خلقك الله وكسر القالب وراءك”.
الفروقات في توزيع الوزنات تدخل في خطة الله، الذي يريد أن يقبل كل واحد من الآخرين ما يحتاج اليه، وأن يشارك من عنده من “وزنات” خاصة مَن هم في حاجة اليها. فالاختلافات تشجع الاشخاص على المشاركة وتحفز الثقافات على ان تغتني بعضها ببعض. ويوضِّح ذلك ما كتبته القديسة كاترين السينية على لسان الله سبحانه تعالى “لا أعطي كل الفضائل لكل واحد بالمساواة… للواحد المحبة، وللآخر العدل، لهذا التواضع، ولذاك الايمان الحي. أمِّا الخيرات الزمنية، والاشياء الضرورية لحياة الانسان، فقد وزَّعتها بلا مساواة أكبر. ولم أرد ان يمتلك كل واحد كل ما هو ضروري له حتى يكون هكذا للناس فرصة، لكي يمارسوا المحبة بعضهم تجاه بعض. أردتُ ان يكونوا في حاجة بعضُهم الى بعض، وان يكونوا وكلائي لتوزيع النعم والحسنات التي تقبلوها مني” (التعليم المسيحي الكاثوليكي، بند 1937).
ثالثاً: على صعيد الأمانة في استثمار المواهب
يعلمنا المثل ان كل المواهب والقيم والثروة التي بين يدينا تعود لله؛ فالله يتق بنا ويسلمنا إياها “فأَعْطى أَحَدَهم خَمسَ وَزَنات والثَّانيَ وَزْنَتَين والآخَرَ وَزْنَةً واحدة” (متى 25: 15)، وهي وديعة عندنا ويريد الله ان نتحمل مسؤولية حياتنا بأنفسنا. وينتظر الله منا ان نقوم ببعض المبادرات لاستثمارها. ربما نلاحظ عدم المساواة في توزيع الحصص، ولكن هناك مساواة في منح الفرص والإمكانات، أنه يطالب ” كُلاًّ مِنهم على قَدْرِ طاقَتِه” (متى 25: 15). فمن استثمر وزنتين يُكافا مكافأة متساوية مع الذي استثمر الوزنات الخمس” أَحسَنتَ أَيُّها الخادِمُ الصَّالِحُ الأَمين! كُنتَ أَميناً على القَليل، فسأُقيمُكَ على الكَثير: أُدخُلْ نَعيمَ سَيِّدِكَ ” (متى 25: 21).
نعلم من الكتاب المقدس ان الرب سيأتي ثانية للدينونة؛ وهذا لا يعني ان نكف عن اشغالنا لنخدم الله بل ان نستخدم اوقاتنا ووزناتنا وكنوزنا بكل اجتهاد لنخدم الله في كل ما نفعله. ينبغي أن نستخدم ذكائنا وطاقاتنا وإمكانياتنا ومواهبنا في تقدّم البشرية جمعاء كي تنمو وتخصب وتكثر.
يعلمنا الكتاب المقدس ايضا عدم التشبه بالخادم الثالث الاخير الذي لم يفكر الاَّ في نفسه، ولم يَقُمْ بأيِّ جَهدٍ ليستثمر الوزنة التي سُلمت إليه فيُمجِّد بها الله. وبرَّر كسله بالطعن في سلوك سيِّده والانتقاد الذي وجَّهه إليه. ولزم جانب الامان وحماية نفسه من سيده القاسي الشديد، فحُكم عليه لتقوقعه على نفسه. إنه يعاني من عدم الثقة في نفسه، انه يشعر نفسه أنه أضعف من ان يؤدي عملا كبيراً، عنها يجد المبررات لعجزه عن بلوغ الهدف؛ فالعالم بحاجة الى صاحب الوزنة الواحدة كما هو بحاجة إلى صاحب الوزنات الخمس. فكلٌّ من المؤمنين يبني في جسد الكنيسة كل منهم بحسب مقدار مواهبه ونوعها. ولكن لا بدَّ في الأداء أن يُكمِّل الواحد الآخر (أفسس 4: 11-16)؛ وصدق إبراهيم لنكولن، رئيس الولايات المتحدة، حين قال “ان الله يحب عامة الشعب لأنه خلق الاكثرين منه. … اننا في حاجة ماسة الى الانسان العادي الذي يؤدي عمله اليومي عن رضاء وضمير صالح مغتبط”؛ فالرجل صاحب الوزنات الخمس لن يقدر ان يفعل شيئا بدون تعاون صاحب الوزنتين او الوزنة الواحدة.
لا يجوز ان نلتمس الاعذار لتجنب ما دعانا الله الى عمله. فان كان الله هو سيدنا حقا، فيجب ان نطيعه عن رغبة، فأوقاتنا وقدراتنا وكل ما لنا، ليست لنا في المقام الاول، بل نحن وكلاء ولسنا مالكين، فنحن خدمةٌ وليس أسياد، فعندما نتجاهل او نُبدد او نسيء استخدام ما أعطي إلينا نستحق عقاب الدينونة. وعليه أن الله يدعونا من خلال مثل الوزنات الى العمل، واستغلال كل طاقاتنا وإمكانياتنا وان ولا نسمح لأنفسنا إضاعتها مثل الخادم الشرير الكسلان، بل علينا الجَد والاجتهاد ليثمر الايمان فينا. فالإيمان من غير أعمال عقيم. فعلينا ان نقرر مستقبلنا بأيدينا بحيث تثمر المواهب التي اعطيت لنا. فإن لم نفعل، نُحرم منها ونُصبح فارغي الايدي يوم الدينونة. لنستغلَّ مواهبنا كي نكنز لنا كنوزا في السماء “لا تَكنِزوا لأنفُسِكم كُنوزًا في الأرض. بلِ اكنِزوا لأنفُسِكم كُنوزًا في السّماء” (متى 6: 19). ومن هذا المنطلق يتوجب علينا السهر منتظرين مجيء الرب ليس بأيد مكتوفة فارغة، بل باستثمار كل مواهبنا ومسؤولياتنا. إنه وقت العمل لأجل الله واستثمار ما ائتُمِنَّا عليه، إنه أنه الوقت الذي علينا ان نبقى فيه أمناء “على القَليل ليقيمنا على الكَثير” (متى 25: 21).
التحذير:
ان المثل لا يقدم لنا تعليمات حول الامانة والمسؤولية والسهر على مواهبنا ووزناتنا، إنما أيضاً ثلاثة تحذيرات:
التحذير الأول: يحذِّر المسيح تلاميذه ان الوزنات ليست فقط رأس المال والمرابح، وإنّما هي رمز أيضا مُؤَهّلات يضعها الله فينا، حينما يُرسِلُنا إلى هذا العالم، لنشارك في بنائه وإصلاحه كما قال بولس الرسول “إنَّ المَواهِبَ على أَنواع …، وإِنَّ الخِدْماتِ على أَنواع …، وإِنَّ الأَعمالَ على أَنواع ….، لِكُلِّ واحِدٍ يوهَبُ ما يُظهِرُ الرُّوحَ لأَجْلِ الخَيرِ العامّ.”(1 قورنتس 12: 4-7). هذه هي مهمتنا في التاريخ.
نستنتج أنَّ على كلّ إنسان واجب حمل مسؤولِيّته وتتميم وظيفته، مثلَما أُعطِيت له، في المجال المناسب. يدعو المؤمن الى العمل لكي تثمر المواهب التي أعطيت له. فلا يكفي تقبُّل الكلمة، بل لا بد ان تُثمر. ملكوت الله هو رأس مال سُلم الى أيدينا، فلا يحق لنا ان نتركه لا يثمر، نعمة الخلاص والانجيل هي أمانه ووديعة (1 تسالونيقي 2: 4؛ 1 طيموتاوس 1: 11). فإن لم نكن أمناء لهذه الوديعة نُحرم منها ونصير فارغ الايادي يوم الدينونة. وكل ما نمتلك في هذه الدنيا هو عابر، فان لم نستثمره نخسره
فالتحذير لِلَحظة الحكم النّهائي، حينما يطلب المسيح من كلّ واحدٍ حساباً عن حياته. فلا يجوز أن نظهر أمام العرش الإلهي وأيادينا فارغة أو فقط بما أُوتينا من رأس مال لم نُتاجر به. المطلوب في تلك اللحظة هو الأعمال والخدمات والحسنات الّتي قمنا بها أثناء حياتنا، وهي وحدها الّتي تُدافع عنا وتشهد لنا لينال الرّحمة وإكليل المجد الأبدي.
التحذير الثاني: يحذّر يسوع تلاميذه من خطر التمسك بصفات الخادم الشرير، فهو خادمٌ كسولٌ وجبان وعديم الثقة بسيده، لا يُحِبُّ الجُهْد والمثابرة ومتابعة سير التّجارة عن كَثب والمُجازَفَة. إنه يعاني من عدم الثقة في نفسه، انه يشعر نفسه أنه أضعف من ان يؤدي عملا كبيراً، فلم يُحرِّك ساكنا ولم يَقُم بأيِّ مشروع يستفيد منه هو وسيِّدُه الّذي أثمنه على ماله (متى 25: 25-27)، فخسِر بالتّالي المال المُوكل إليه وخسر نفسه (متى 25: 30). وعليه فان يسوع يطلب تجنب مواقف العبد الشرير وأعماله وحذّرنا من خاصة الاستسلام إلى الكسل والخمول الروحي التي تؤدي الى دينونة الهلاك.
التحذير الثالث: يحذِّر متى الإنجيلي أبناء الكنيسة امام الدينونة القريبة من خلال عقاب الخادم الشرّير (متى 25: 31-46). “الرب يُجازي كُلَّ امرِئٍ على قَدْرِ أَعمالِه (مت 16: 27). ان المثل يشير الى العمل الذي يتعين على تلاميذه ان ينشغلوا به أثناء غيابه وكيف يجازيهم عند عودته. الوزنة تمثل ما يملكه كل واحد من المؤمنين. فالعامل الذي يشتغل بجد واجتهاد، ويستعد لمجيء الرب مستثمرا وقته ووزنته في خدمة الله والقريب، سيكافأ، أمِّا العامل الذي ليس قلبه على عمل الملكوت فسيعاقب. فالله يُكافئ الأمناء، أمِّا الذين لا يثمرون لمكوت الله، فلا يمكن ان ينتظروا ان ينعموا بالملكوت. فإذا أردنا أن نشارك في الخلاص، لا يكفي أن نسمع كلمة الله، بل يجب أن نحفظها ونتركها تثمر فينا ولا نعارض عملها فينا مثل الخادم الشرير الكسلان الذي لم يستثمر الوزنة التي أعطيت له فدفنها في الأرض، فصارت دينونة، لا نعمة وخلاصًا.
ما هو موقفنا من الربّ يسوع المعلّم والسيد؟ هل نقول له أمهلنا بعض الوقت كي تُثمر مواهب الحبّ فينا المزروعة في كرمك؟ متى حان الوقت فلا بدّ الدينونة. لنتعلّم من هذا المثل أن مستقبلنا يتوقّف على الطريقة التي نستخدم بها مسؤوليتنا في هذه الحياة وامانتنا للوزنات التي استلمناها.
الخلاصة:
إنَّ الفكرة الأساسيَّة الواردة في مثل الوزنات هي أنَّ الربّ يمنح جميع الناس مواهب وعطايا مختلفة. فواحد نال خمس وزنات، وآخر اثنتين، وآخر وزنة. وليس المهم هو عدد الوزنات أو العطايا الّتي يتلقّاها الإنسان، بل الأهمّ كيف يستخدمها. فالناس لا يتساوون في القدرات، لكنّهم كلهم مسؤولون عن الجهد والاستثمار. كلّ واحد منّا مدعوٌّ إلى أن يُثمر بموجب الهبات والوزنات الّتي حصل عليها.
لكل انسان مواهب، ويتناول مثل الوزنات وجوب استثمار الانسان مواهبه الجسدية والعقلية والمهنية والفنية والروحية وعطايا الله في سبيل مجد الله وخدمة الانسان على الأرض. وكل إنسان يُكافأ بحسب جهوده وتجاوبه مع مشيئة الله، وخطيئة صاحب الوزنة الواحدة هي انه اعتبر سيده ظالما، فخاف، فعطّل الخوف اراداته ومنعه من العمل. وعندما يُحاسبه الربّ في يوم الدينونة، لا يُكافِئه على ما عنده من وزنات ومواهبّ، بل على مقدار ما بذل من جَهدٍ في سبيل إنماء هذه المواهب. أمِّا إذا استسلم إلى الكسل والخمول الروحي، كانت دينونة الربّ لـه شديدةً جدّاً في ظلام الهلاك الأبدي. ومن هذا المنطلق، يهدف مثل الوزنات الى ما يجب على المؤمنين عمله أثناء غياب الرب عنهم ومجيئه الثاني. وقد اعطانا الله إمكانات لبناء وتوسيع ملكوته، ولذلك ينتظر الرب يسوع منا ان نستخدم المواهب حتى تزداد وتتضاعف.
فالإنسان المتخوّف الكسلان يذهب من فقر الى فقر، أمِّا الانسان الجريء النشيط فيذهب من اغتناء الى اغتناء. وهكذا من لا يُلبِّي مشيئة الله ولا يعمل بوصاياه، يفتقر روحيا حتى الفقر المطلق الذي هو الهلاك الابدي. أمِّا الذي يُلبِّي مشيئة الله، فإنه يغتني روحيا حتى الغنى المطلق وهو النعم ي السماوي. فصاحب الوزنات الخمس والوزتين قدما كل شيء لسيدهما، الرأسمال والربح، وارادا ان يعترفا بحق سيدهما المطلق عليهما، كما وارادا ان يتمجدا سيدهما بأعمالهما.
لا يجوز ان نستخفَّ بعطايا الله ومواهبه كما فعل الخادم الكسلان الشرير مع تعليق العلامة أمبروسيوس “أنتَ الذي تدفنُ وزنتَكَ في الأرض (متى25: 25)، إنّما أنتَ حارس لتلك الوزنة (الخيرات) وما أنتَ بمالكها؛ أنتَ خادم ولست السيّد. والحال هذه فإنّك قد دفَنْتَ قلبَكَ مع تلك الوزنات. حَرِيُّ بكَ أن تبيعَ ذهبك وتشتريَ به لنفسِكَ الحياة الأبديّة والخلاص في ملكوت الله، “حيثُ يكونُ كَنزُكَ يكونُ قلبُكَ”. (متى 6: 21).
الدعاء
أيها الآب السماوي، علمنا ان نتغلب على الكسل والبطالة والإهمال وأفكار شريرة لكيلا ندفن وزنة مواهبنا في التراب، بل ان نسخّر كل ما نملكه من وزنات وأموال ومواهب، ونضاعفها مجد الله وخدمة الانسان فنكون أهلا ان نكون من خدّامك الأمناء الصالحين يوم الحساب لدخول نعيمك السماوي عند عودتك يوم الدينونة.
قصة وعبرة
يُروى أن رجلاً ما اختلط في حياته بإنسان وما قام بمهمّة لا للخير ولا للشّر، وكان فخوراً من نفسه. وعندما ظهر أمام العرش الإلهي للمحاسبة، سمع أن جوق الملائكة أحاطوه ليقتادوه إلى النّار المؤبّدة، المُعدّة له منذ إنشاء العالم، فاحتج قائلاً: أنا ما عملت شيئاً! أنظروا! فكما تلاحظون أن يديّ نظيفة. فأجابه الدّيان العادل، لهذا السبب! لأنك لم تعمل شيئاً تستحقّ فيه السماء فليس لك عندنا مكانا! نعم، قال المسيح “إكنِزوا لأَنفُسِكُم كُنوزاً في السَّماء (متى 6: 20)، فمن لا يُتاجر بوزناته ستَنْقُص الفوائد المستحقَّة على الأرض للوزنات الّتي وضعها الله في هذا العالم لكي تستفيد منها الأرض وساكنوها من بعده!
يقول المَثل: إنّ لكلِّ إنسانٍ ثلاثة أصدقاء في هذا العالم. لكن المُهم كيف يتصرّف ثلاثَتُهُم هُم معه يوم موته؟ الصّديق الأوّل هو المال والأملاك الّتي يُجمِّعها في حياته. لكن للأسف لا يأخذ معه منها فلسا واحدا عندما يظهر أمام العرش الإلهي للمحاسبة. الصّديق الثاني هم أهله وعائلته وأصحابه. لكن هؤلاء كلهم يرافقونه فقط إلى باب القبر، ثمّ يعودون كلّ إلى عمله وإلى بيت سكنه. أمِّا الصّديق الثالث، والّذي هو غالبا ما ينساه في حياته، فهي الأعمال والخدمات والحسنات الّتي قام بها أثناء حياته. وهي وحدها الّتي تُدافع عنه وتشهد له لينال الرّحمة وإكليل المجد الأبدي.