Liturgical Logo

يسوع يشفي المرضى (مرقس 1: 29-39)

الأب لويس حزبون

يصف مرقس الانجيلي رسالة يسوع في اليوم الاول في كفرناحوم، وهي التعليم وشفاء المرضى وطرد الشياطين والصلاة، وهي علامات ملكوت الله الذي جاء يسوع يدشّنه والتي تلخص اعماله طيلة ثلاث سنوات في خدمته العلنية. انه جاء للقائنا ويعمل لأجلنا ولأجل شفائنا وخلاصنا. ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص الانجيلي وتطبيقاته.

أولاً: وقائع النص الانجيلي (مرقس 1: 29-39)

29 “ولَمَّا خَرَجوا مِنَ المَجمَع، جاؤُوا إِلى بَيتِ سِمعانَ وأَندَراوس ومعَهم يَعقوبُ ويوحَنَّا”

تشير عبارة ” ولَمَّا ” باليونانية εὐθὺς (معناها في الحال او للوقت) الى تعبير مرقس الإنجيلي الذي تكرر 41 مرة. ويعطيه مرقس الإنجيلي أهمية كبرى. وتدل هنا على قرب المجمع من بيت سمعان. أمَّا عبارة “المَجمَع” باليونانية συναγωγή وفي العبرية ” בֵּית הַכְּנֵסֶת (كنيس) او كنش في السريانيّة (معناها جمع) فتشير الى مؤسّسة دينيّة مركزيّة في العالم اليهودي، وهو مكان إعلان كلمة الله وموضع معدّ للصلاة العلنيّة وسائر النشاطات الدينيّة والجماعيّة وقد تمّ العثور على مجمع كفرناحوم في وسط المدينة، وهو يعود إلى القرن الرابع أو الخامس للميلاد. وعُثر تحت أنقاض هذا المجمع على آثار المجمع الذي بناه قائد المائة الروماني (لوقا 7: 5) والذي كان يسوع يرتاده ويناقش فيه الكتبة والفريسيين، وفيه علم يسوع الجموع عن خبز الحياة (يوحنا 6: 59). وقد تمَّ خراب هذه المدينة كما أنبأ به ربنا (متى 11: 21-23). وقد دلّت التنقيبات على أن المجمع كان بناء مستطيلاً مقسَّماً الى ثلاثة أجنحة يفصل بينها أعمدة. وكان لكل جناح مدخل خاص به، ووُجد على طول الجدران مقاعد للمؤمنين (متى 23 :6). وبما أن اليهود يتوجّهون إلى اورشليم للصلاة (دانيال 6 :10)، نجد مكانًا مرتفعا (بيما)، لرئيس الجماعة والقارئ باتجاه القدس؛ وكانت الأبواب موجهًة نحو أورشليم ايضا. فالمجمع هو صورة مصغّرة عن الهيكل. أمَّا عبارة ” جاؤُوا” باليونانية ἦλθον (معناها اتوا) فتشير الى يسوع وتلاميذه وهناك قراءة مختلفة “جاء” أي يسوع. أمَّا عبارة “بَيتِ سِمعانَ وأَندَراوس” فتشير الى البيت الذي صار منذ ذلك الحين بمثابة مركز ليسوع في أثناء اقامته في الجليل (مرقس 2: 1، 3: 19و9: 33). ويوحنا الانجيلي يشير ان الاخوين سِمعانَ وأَندَراوس اللذين كانا من ” بَيتَ صَيدا مَدينَةِ أَندَراوسَ وبُطرُس” (يوحنا 1: 44) وقد انتقلا الى كفرناحوم للعمل بالصيد. ويسوع يدخل بيت بطرس، ويتعرّف على عائلته وأصدقائه وصعوباته. وكان البيت على مقربة من المجمع كما أشار إليه عُلماء الآثار في موقع خربة كفرناحوم والذي تحوّل الى بيت كنيسة ثم الى كنيسة بيزنطية. وكشفت الحفريات الأثرية للفرنسيسكان عن الموقع الذي تمَّ تحديده على أنه بيت بطرس، وهو المكان الذي فيه أعلن يسوع تعاليمه وصنع المعجزات وأصبح واحد من أكثر المواقع التي يرتادها الحجاج القادمين من كل مكان في العالم. حيث نجد من جهة آثار المنازل التي تعود للقرن الأول، ومن جهة أخرى نجد آثار كنيسة بيزنطية تعود الى القرن الخامس على شكل مثمّن الأضلاع فوق موضع بيت سمعان بطرس. وقد حافظ المهندس البيزنطي على آثار بيت بطرس ليحفظها من الخراب. وفي 29 حزيران 1990 انتهت أعمال بناء الكنيسة الفرنسيسكانية الحالية وهي مبنية على شكل قارب صيد وتحتفظ تحتها بأطلال الأبنية السابقة. وفي 15 تشرين الأول من كل عام يُقام احتفال على ضفاف البحيرة بعد الغروب بقليل، وذلك بقراءة من الإنجيل المقدّس التي تروي حدث دعوة التلاميذ الأوائل. حيث ذكّرت كلمة الله الحضور مرة أخرى بالأحداث التي جرت في هذا المكان، بدءاً بشفاء المقعد وانتهاء بدعوة متى؛ تساعد هذه الاحتفالات في إعادة اكتشاف جذور إيماننا ورفع آيات الشكر والتسبيح ويتم أيضا مباركة عناقيد العنب وتوزيعها على جماعة المؤمنين تذكيراً بالافخارستيا وعلامة فعل شكر لله لأجل هباته. أمَّا عبارة ” سِمعانَ وأَندَراوس ومعَهم يَعقوبُ ويوحَنَّا ” فتشير الى هؤلاء التلاميذ الذين هم اول المدعويّن (مرقس 1: 16-20). وهم التلاميذ الأربعة المفضَّلين. ويعلق القديس ايرونيموس “كان هؤلاء الثلاثة يرافقونه. اختير بطرس، وعليه بُنيت الكنيسة، وكذلك يعقوب، أول رسول تسلّم إكليل الشهادة، ويوحنا، أول رسول بشّر بالبتولية”. بعد ان خرج يسوع وتلاميذه الأربعة من المجمع، مكان عام، جاء الى دار خاصة، بيت بطرس. يسوع يمارس عمله اليوم في كل مكان، في جميع ميادين الحياة الدينية والدنيوية. يسوع يعمل أينما وُجد وتحت كل الظروف، يعمل في المجمع العام كما في البيت الخاص.

30 “وكانَت حَماةُ سِمعانَ في الفِراشِ مَحمومة، فأَخَبَروه بأمرِها”:

تشير عبارة “حَماةُ سِمعانَ” الى ان بطرس كان متزوجا كما جاء في رسالة بولس الرسول (1 قورنتس 9: 5)، وان زوجته ربما كانت ترافقه في خدمته في وقت لاحق. أمَّا عبارة ” في الفِراشِ ” باليونانية κατέκειτο (معناها ملقاة) فتشير الى ان حماة سمعان كانت طريحة الفراش كما جاء واضحا في إنجيل متى ” فرأَى حَماتَهُ مُلقاةً على الفِراشِ ” (متى 8: 14)، ويُعلق القديس أمبروسيوس “أن حماة سمعان تمثل جسدنا الذي أصابته حُمَّى الخطايا المختلفة فصار أسير الألم، مطروحًا بلا عمل، يحتاج إلى طبيب قادر أن يحلَّه من رباط المرض”. أمَّا عبارة ” فأَخَبَروه ” εὐθὺς λέγουσιν باليونانية εὐθὺς (معناها في الحال او للوقت) فتشير الى تعبير مرقس الإنجيلي الذي تكرر 41 مرة. ويعطيه مرقس الإنجيلي أهمية كبرى. ويدل فعل ” أَخَبَروه” على ان بطرس لم يسأل شيئًا لنفسه أو عائلته لكن المحيطين بالسيِّد المسيح “سألوه من أجلها”؛ وهذ هي صورة حيَّة لشفاعة الأعضاء لبعضها عن البعض أمام الرأس الواحد ربَّنا يسوع! ويُعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “إن سمعان لم يستدعِ السيد المسيح ليشفي مريضته بل انتظره حتى يتمم عمله التعليمي في هذا المجمع؛ هكذا منذ البداية تدرب أن يفضل ما هو للآخرين عما هو لنفسه”. أمَّا عبارة ” مَحمومة ” فتشير الى مرض الحمّى، كما جاء في إنجيل لوقا ” وكانَت حَماةُ سِمْعانَ مُصابَةً بِحُمَّى شديدةٍ ” (لوقا 4: 38) او نار العظام بحسب الربّانيين، بناء على ما جاء في سفر التثنية ” يَضرِبُكَ الرَّبُّ بِالضَّنى والحُمَّى والبُرَداءِ والالتِهابِ مع الجَفافِ والصَّدَء والذُّبول، فتُطارِدُكَ حتَّى تَهلِك” (سفر تثنية الاشتراع 28: 22)، وتنسب عادة الى سبب غير طبيعي كما جاء في سفر الاحبار ” أُسَلِّطُ علَيكم رُعْباً وضَنًى وحُمَّى تُفْني العَينَينِ وتُرهِقُ النَّفَس” (الاحبار 26: 16). وفي الواقع، كانت هناك ثلاثة أنواع معروفة من الحُمَّى، أولها ما كانوا يسمّونها «الحمى المالطية». وهي التي تسبب الضعف والأنيميا التي تستمر شهوراً، تنتهي بالموت. وهناك ما يشبه حُمّى التّيفوئيد كما نعرفها اليوم، وهناك حُمَّى الملاريا التي ينقلها البعوض الذي يتوالد في المنطقة التي يلتقي فيها الأردن ببحيرة طبرية. كانت الحُمَّى بأنواعها متفشية في كفرناحوم وطبرية. ويمكن إزالة الحمَّى بالصلاة للمسيح كما حدث في شفاء ابن عامل الملك “فاستَخبَرَهم يسوع عنِ السَّاعةِ الَّتي فيها تَعافى. فقالوا له: أَمْسِ في السَّاعَةِ الواحِدَةِ بَعدَ الظُّهْر فارَقَته الحُمَّى” (يوحنا 4: 52).

31 “فدنا مِنها فأَخَذَ بِيَدِها وأَنَهَضَها، ففارَقَتْها الحُمَّى، وأَخَذَت تَخدمُهُم”:

تشير عبارة “فدنا مِنها” الى اقتراب يسوع من حماة بطرس دون ان يتفوه بشيء. أنه ” عِمَّانوئيل أَيِ اللهُ معَنا” (متى 1: 23)، إنه يتضامن معنا في طبيعتنا الضعيفة كما جاء في تعليم بولس الرسول “هو الَّذي في صُورةِ الله لم يَعُدَّ مُساواتَه للهِ غَنيمَة ” (فيلبي 2: 6). أمَّا عبارة ” فأَخَذَ بِيَدِها وأَنَهَضَها ” فتشير الى حركات مألوفة، ودية وإنسانية. يا لها من علامة عطف وصداقة تجاه تلك المرأة المريضة! ويُعلق القديس كيرلس الكبير “أرجو أيضًا أن تلاحظوا قوة جسده المقدس إذا ما مسّ أحدًا، فان هذه القوة تقضي على مختلف الأسقام والأمراض، وتهزم الشيطان وأعوانه، وتشفى جماهير الناس في لحظة من الزمن. ومع أن المسيح كان في قدرته أن يُجري معجزات بكلمة منه، بمجرد إشارة تصدر عنه، إلاَّ أنه وضع يديه على المرضى ليعلمنا أن الجسد المقدس الذي اتخذه هيكلًا له كان به قوة الكلمة الإلهي”. إن يسوع هو صاحب سلطان حقيقي، يعمل بكلمته كما بلمسة يديه. أمَّا عبارة ” أَنَهَضَها ” باليونانية ἤγειρεν (معناها اقام) فتشير غالبًا الى ما يُستخدم في قيامة السيد المسيح نفسه (مرقس 14: 28؛ 16: 6). وفي هذا الصدد يقول صاحب المزامير ” يُرسِلُ مِن عَلْيائِه فيأخُذُني ومِنَ البِحارِ يَنتَشِلُني “(مزمور 18: 17)؛ وتدل هذه الآية على ان يسوع لم يأمر ويلمس يد حماة بطرس فقط، انما عاونها على الوقوف والقيام والنهوض. ويعلق القديس ايرونيموس “في الواقع لم يكن بإمكان هذه المرأة المريضة أن تنهض من فراشها بمفردها وتأتي للقاء الرّب يسوع. غير أنّ هذا الطبيب العظيم اقترب بنفسه من السرير. ما زال حتّى اليوم يقترب نحو هذا السرير ويشفي أيضًا “. فكل شفاء صورة لنهوضنا من حُمّى الموت وقيامتنا. وكل شفاء عند المسيح هو قيامة ونهوض، والنهوض علامة القيامة. وصورة لقيامتنا، ونهوضنا من حمّى الموت والقبور. ويعلق القديس كيرلس “وكأن حماة بطرس لم تكن في حاجة إلى من يشفيها من مرض جسدي، بل من يُقيمها من الموت. احتاجت إلى واهب القيامة نفسه يُقيمها معه!” ان يسوع يُنهض الانسان لا لمجده الخاص بل جوابا على نداء الله الآب لكي يستطيع الانسان ان يكتشف الله. ويعلق القديس اوغسطينوس “لقد أرادهم أن يفهموا أعماله أنها ليست بقصد الإعجاب وإنما قدَّمها عن حب لأجل الشفاء”؛ لا أحد يُخلص نفسَه، الله الذي يُخلص الانسان. لكل علة وداء، عند المسيح الشفاء، فلنطلب من الله ان يمسك يدنا في كل سر من اسرار الكنيسة: في سر الاعتراف والمناولة لكي تشفينا من “حُمّى” امراضنا وخطايانا وأنانيِّتنا. أمَّا عبارة “أَخَذَت تَخدمُهُم” فتشير إلى تحضير عشاء السبت بعد الصلاة في المجمع دون ان يبدو عليها الاعياء والتعب اللذان عادة ما يعقبان حُمَّى كهذه دلالة على ان الشفاء كان فوريا وكاملا. بعد ان شُفيت المرأة، استطاعت من جديد ان تقوم بعمل الخدمة. حين يقوم الانسان بيد يسوع التي تنهضه، يصبح حراً وخادماً على خطى المسيح الذي قال قبل آلامه “لأَنَّ ابنَ الإِنسانِ لم يَأتِ لِيُخدَم، بل لِيَخدُمَ ويَفدِيَ بِنَفْسِه جَماعةَ النَّاس” (مرقس 10: 45). والمسيح لا يشفي الاّ ليعيد الانسان في خدمة الانجيل والملكوت. إن الرب سجَّل في الإنجيل خدمة حماة بطرس في تحضير الطعام تقديرا لخدمتها لان الدافع عليها هو المحبة للمسيح والإخلاص له. والحماة التي تخدم يسوع وتلاميذه تمثل الكنيسة. فكلما خدمنا ربنا يسوع المسيح إنما في الحقيقة ننال خدمته وننعم بعمله الفائق فينا. وسرعان ما ذاع شفاء حماة بطرس مما جذب المدينة كلها حيث تمتع الكثيرون بالشفاء أيضًا.

32 “وعِندَ المَساء بَعدَ غُروبِ الشَّمْس، أَخَذَ النَّاسُ يَحمِلونَ إِلَيه جَميعَ المَرْضى والمَمَسوسين”:

تشير عبارة “بعد غروب الشمس” الى طلوع الكواكب الأولى مما يدل على انتهاء السبت. وفي هذا الوقت يُسمح للناس ان يحملوا مرضاهم دون مخالفة يوم السبت (مرقس 1: 21)، ويوم السبت كان يبدأ من غروب الشمس الجمعة الى غروب الشمس في يوم السبت. وقد أعلن قادة اليهود الدينية ان الشفاء يوم السبت مخالف للشريعة (متى 12: 10). وحيث ان المرضى لم يريدوا مخالفة الشريعة، انتظروا غروب الشمس ليأتوا الى يسوع حتى يشفيهم. أمَّا عبارة ” جَميعَ المَرْضى والمَمَسوسين” فتشير الى وضع المرضى والممسوسين في فئة واحدة امام يسوع كما ورد مرارا في انجيل مرقس (1: 34 و3: 19 و6: 13)، وتدل العبارة أيضا على جمع بين المرض وتأثير الروح الشريرة، كما تدل على التصنيف بين المرضى جسديا واولئك المصابين بتسلط الأرواح النجسة. في حين وضع لوقا الإنجيلي المَمَسوسين في عداد المرضى (لوقا 4: 40-41)؛ أمَّا عبارة ” المَمَسوسين” فتشير في الإنجيل الى أربع عبارات مشابهة: الممسوسين والشياطين والأرواح والارواح النجسة. ولم يرد ذكر الشياطين في العهد الجديد إلا من ناحية تأثيرهم في هذا العالم. وأمَّا رسالة يسوع فتقوم بالقضاء على هذا التأثير الشيطاني ووضع حدٍ له. إن حضور يسوع ينجّينا من الخطيئة والمرض وروح الشر الذي يُحدق بنا من جميع الجهات.

33 “وَاحتَشَدَتِ المَدينةُ بِأَجمَعِها على الباب”:

تشير عبارة ” الباب ” θύραν. الى مدخل بيت سمعان حيث هناك ساحة عامة، يجتمع فيها الناس، لان شوارع المدن كانت ضيقة. ودعا سمعان بطرس السيِّد المسيح إلى بيته حيث شفى حماته فصار بيته مركزًا حيًا يأتي إليه المرضى والمتعبين من الأرواح النجسة، لنيل نعمة الشفاء. إنه يعمل أينما وجد ليجتذب الكل بحبه العملي إلى ابيه السماوي.

34 “فَشَفى كثيراً مِنَ المَرْضى المُصابينَ بِمُخَتَلِفِ العِلَل، وطرَدَ كثيراً مِنَ الشَّياطين، ولَم يَدَعِ الشَّياطينَ تَتَكَلَّم لأَنَّها عَرَفَتهُ”:

تشير عبارة ” فَشَفى كثيراً مِنَ المَرْضى المُصابينَ بِمُخَتَلِفِ العِلَل ” الى “شفاء كثيرين وليس “الجميع”، فربما لأن عدم إيمان القلة منهم حرمهم من الشفاء. إن شفاء المرضى وتخفيف الألم هي علامات عن ملكوت الله قريب. ويسوع يُتمم مخطط الله من أجل شفاء البشر وخلاصهم كما جاء في انجيل متى “لِيَتِمَّ ما قيلَ على لِسانِ النَّبِيِّ أَشَعْيا: “هوَ الَّذي أَخذَ أَسقامَنا وحَمَلَ أَمراضَنا ” (متى 8: 17). لم يخيّب يسوع آمال المرضى بل بشفقته وقوته الإلهية أجاب لدعاء حاجة البشرية حيث جاء إلى العالم كله ليخلص الجميع. والمرض هو صورة ملموسة ومرئية لشر آخر داخلي، تصعب مراقبته الا وهو الخطيئة. أمَّا عبارة ” طرَدَ كثيراً مِنَ الشَّياطين ” فتشير الى تحرير الانسان من تأثير الشياطين، وهو من علامات ملكوت الله القريب وتتميم مخطط خلاص الله. ورسالة يسوع تقوم بوضع حدٍّ لهذا التأثير، وفي عملية طرد الشياطين التي قام بها يسوع، لا بد من الاشارة الى دور كلمته الفعالة، خلافا للتعاويذ المعقدة التي كان معزّمو زمانه (وهم الذين يطردون الشياطين) يقومون بها. فيسوع يطرد الشياطين بكلمته التي تفعل ما يقول بعكس الناس الذي يقومون بطرد الشياطين بأعمال من السحر. يسوع يطرد الشاطبين كي يكفّوا عن إغواء الناس والسيطرة عليهم والإقامة فيهم وسلبهم حرّيّة الاختيار، وحثّهم على فعل الشرّ. أمَّا عبارة “لَم يَدَعِ الشَّياطينَ تَتَكَلَّم” فتشير الى إرادة يسوع ان يتعرف الناس على هويته بأقواله وأعماله عن طريق الايمان بصورة تدريجية وليس بشهادة الشياطين. فكان الشيطان يريد أن يسير الناس وراء يسوع لشهرته وحب الظهور. ومن هنا جاء المثل الشعبي “لا يُحدث الخير ضجّة، كما لا تصنع الضجة خيراً”. لهذا اسكت الشياطين الذين ارادوا ان يكشفوا شخصه، لأنه لم يحن وقتُ كشف هويته بوجه نهائي (مرقس 1: 44). ويُعلق القديس كيرلس الكبير “لم يدع المسيح الشيَّاطين أن يعترفوا به لأنه لا يليق أن يغتصبوا حق الوظيفة الرسوليَّة. كذلك لا يجوز أن يتكلَّموا بألسِنة نجسة عن سرّ المسيح الفدائي. نعم يجب ألا تصدِّق هذه الأرواح الشرِّيرة حتى لو تكلَّمَت صدْقًا. لأن النور لا يُكشف بمساعدة الظلام الدامس، كما أشار إلى ذلك رسول المسيح بالقول: ” أَيُّ اتِّحادٍ بَينَ النُّورِ والظُّلْمَة؟ وأَيُّ ائتِلافٍ بَينَ المسيحِ وبَليعار؟ (2 قورنتس 6: 14-15)، ويقول القديس أمبروسيوس: طبيعة الشيطان يعترف بالمسيح، لكنه يُنكره بأعماله”. أراد يسوع ان يعلن حقيقة كونه المسيح في التوقيت الذي يختاره هو، اذ أراد ان يعلن ذاته كالعبد المتألم قبل ان يصبح الملك العظيم. في حين الوقت الذي أختاره الشيطان في اعلان عن هوية المسيح كملك في وقت مبكر، سيثير الجموع بالتوقعات الخاطئة حول ما جاء يسوع ليفعله. أمَّا عبارة “عَرَفَتهُ” باليونانية δεισαν αὐτόν (معناها لأنهم عرفوه) فتشير الى معرفة الشياطين ان يسوع هو المسيح. لكن يسوع اسكت الشياطين الذين أرادوا ان يكشفوا شخصه لأنه لا يريد ان يستبق الوقت للكشف عن هويته.

35 “وقامَ قَبلَ الفَجْرِ مُبَكِّراً، فخَرجَ وذهَبَ إِلى مَكانٍ قَفْر، وأَخذَ يُصَلِّي هُناك”:

تشير عبارة “قَبلَ الفَجْرِ مُبَكِّراً” باليونانية πρωῒ ἔννυχα λίαν (معناها حرفيا الليل لا يزال حالكا) الى الظلام الذي لا يزال مخيّماً والناس الذين في البيوت لم يستيقظوا بعد. أمَّا عبارة ” مَكانٍ قَفْر ” فتشير الى مكان خارج كفرناحوم وبعيد عن الجموع في عزلة وصمت ليختلي؛ أمَّا سبب عزلته فهو رغبة يسوع في الشركة مع ابيه والتبشير في اماكن اخرى. حيث مرّ يسوع في المجمع، موضع الصلاة لليهود الى بيت بطرس، مكان خاص، ومن هناك الى الساحة العامة حيث يجتمع الناس، والآن ها هو في مكان قفر من اجل صلاة مع الله الآب. لا ينحصر حضور يسوع في مكان واحد بل يتوجّه الى كل مكان. اما عبارة ” أَخذَ يُصَلِّي هُناك ” فتشير الى مهمة يسوع الثالثة بعد التعليم وطرد الشياطين، وهي الدخول في لقاء حميم مع أبيه السماوي والاختلاء به وجهاً لوجه ومحاورته وحده. وسيكون وحده في بستان الزيتون بعد ان نام التلاميذ، كما سيكون وحده على الجلجلة. وهنا يلفت مرقس الإنجيلي انتباهنا الى صلاة يسوع الصباحية. والصلاة هي رباط حيوي مع الله. وكما يسوع خصَّص وقتا للصلاة العلنية في المجمع، كذلك خصَّص ووقتا آخر للصلاة الفردية التي تخرج من القلب الى القلب. المعلم يصلي كي يعلمنا أن نلجأ إلى الصلاة دائمًا، وأننا كلما نختلي مع الله اِلتهب قلبنا بالأكثر نحو خلاص العالم، فالحياة التأمُّليَّة الصادقة هي التي تفتح القلب بالأكثر وتُلهبه نحو الشوق لخلاص الكل. إن كان المسيح صلي فكم نحن بحاجة للصلاة. فبدون الصلاة فلا حماية من الله لنا.

36 “فَانَطَلَقَ سِمْعانُ وأَصْحابُه يَبحَثونَ عَنه” 37 “فوَجَدوه. وقالوا له: “جَميعُ النَّاسِ يَطلُبونَكَ”:

تشير عبارة ” سِمْعانُ وأَصْحابُه ” فتشير الى تزعم سمعان بطرس واصدقاؤه وهم أندراوس ويعقوب ويوحنا وربما فيلبس ونثنائيل. أمَّا عبارة “يَبحَثونَ عَنه” باليونانية κατεδίωξεν αὐτὸν (معناها حرفيا السير وراءه) فتشير الى اقتفاء أثره وهي عبارة لا نجدها في العهد الجديد الا هنا فقط. ومن هنا يأتي موضوع هام، وهو البحث عن الله. اما عبارة “يطلبونك” فتشير الى محاولة سكان كفرناحوم أن يمسكوا يسوع ويحتفظوا به لكنه في محبة شرح لهم أنه جاء للجميع.

38 “فقالَ لَهم: لِنَذهَبْ إِلى مَكانٍ آخَر، إِلى القُرى المُجاوِرَة، لِأُبشِّرَ فيها أَيضاً، فَإِنِّي لِهذا خَرَجْت”:

تشير عبارة “إِلى القُرى المُجاوِرَة” الى عدم حصر عمل يسوع في مدينة واحدة معينة، بل أراد ان يذهب للجميع ويشرق بأشعة محبته على كل مكان لكي يُحرِّر الكل من تأثير قوى الشر وسلطان إبليس. أمَّا عبارة “لِأُبشِّرَ” باليونانية κηρύσσω (معناها أعلن، نادى، كرز) واللغة السريانيّة “ك ر ز” مما يشكّل مفهوم الوعظ) فتشير الى إعلان بشارة الخلاص وبشارة الملكوت. أمّا في التفسير الحديث، فإنّ “كرازة” κήρυγμα قد اتّخذت مدلولاً محصورًا، فدلّت على إعلان الإنجيل بواسطة الرسل والكنيسة الأولى. ومن هذا المنطلق نفهم كيف أعلِن الإنجيلُ قبل أن يدوَّن. وأمَّا عبارة “لِهذا خَرَجْت” فهي لا تشير فقط الى خروجه من المدينة بل الى خروجه برسالته من عند الآب كما أعلن يسوع للجموع التي تطلبه ” يَجِبُ عَلَّي أَنَّ أُبَشِّرَ سائرَ الـمُدُنِ أَيضاً بِمَلَكوتِ الله، فإِنِّي لِهذا أُرسِلْت” (لوقا 4: 43). فهو لم يأتي لراحته بل ليريح الناس ويخلصهم. الحياة لها هدف. وبموجب هذا الهدف علينا أن نتّخذ قراراتنا ونستعمل الوسائل النافعة لبلوغه. يسوع يعرف الهدف الّذي يسعى إليه، واكتشف أنّ التمسّك بنجاح كفرناحوم سيجعله يحيد عن هدفه. ما هو هدف حياتي الروحيّة؟ كيف يمكنني أن أسير في حياتي الروحيّة؟ إنّ الإنجيل يدعو اليوم كلّ واحدٍ منّا كي يجيب عن هذا السؤال. أن يحدّد الهدف.

39 “وسارَ في الجَليلِ كُلِّه، يُبَشِّرُ في مَجامِعِهم ويَطرُدُ الشَّياطين”:

تشير عبارة ” سارَ في الجَليلِ كُلِّه ” الى انتقال يسوع من إطار المجمع الى إطار خاص وهو بيت سمعان وأندراوس؛ ومن إطار خاص (حماة بطرس) الى إطار عام (كل المرضى والممسوسين في المدنية). كذلك انتقل يسوع من إطار مُحدَّد (مدينة كفرناحوم) الى إطار عام (كل المدن في الجليل والقرى المجاورة المقفرة). وهذا الانتقال يعني أن يسوع جاء للجميع ولكل مكان وما عمله مرة واحدة في مكان محدد وفي وقت محدد يعمله في مكان آخر ويعلمه دائما. أمَّا عبارة “الجَليلِ” فتشير الى منطقة الشمال في الارض المقدسة الذي يبلغ طولها نحو (90) كم وعرضها (45) كم حيث ان الرومان قاموا بتقسيم البلاد الى ثلاث مناطق: الجليل والسامرة واليهودية. وقد أمضي يسوع معظم تبشيره في منطقة الجليل التي تضم نحو 250 بلدة وكثير من المجامع. وكانت هذه الجولة الاولى الذي يتكلم بها مرقس عن نموذج ما يعلمه يسوع في انحاء الجليل. انه يُبشّر بالملكوت ويُحارب الشر. ويتحدث لوقا عن جولة ثانية (لوقا 8: 1) ومتى ومرقس يتحدثان عن جولة ثالثة (متى 11: 1 ومرقس 6: 6). هذا هو الرسول المثال. يسافر من مكان الى مكان ويقطع المسافات الشاسعة لملاقاة الناس لتعلميهم وشفائهم وخلاصهم. أمَّا عبارة ” يُبَشِّرُ في مَجامِعِهم” فتشير الى تقديم ملكوت الله حيثُ أنّ الكرازة بملكوت الله هي ملخّص لكرازة يسوع. أمَّا عبارة ” يَطرُدُ الشَّياطين” باليونانية ” ἐκβάλλων الى إخراج عددًا كبيرًا من الشياطين (مرقس 1 :34). كي يُحطم مملكة الظلمة. وإذ فعل يسوع ما فعل، لم يلجأ إلى عبارات قسم، بل اكتفى بكلمة أو بأمر (مر1 :25). ولا يُسمّى يسوع أبدًا “المقسِّم” ἐκβάλλω الذي يعني عزّم، قسّم. فالمقسّم أو المعزّم هو الذي يطرد الشياطين بفرض قسم أو باستحلاف أو بعبارات سحريّة (أعمال 19 :13). وفي زمن يسوع، لجأ بعض المقسِّمين في فلسطين إلى اسم يسوع ليطردوا الشياطين (مرقس 9 :38). في حياة يسوع، كان طرد الشياطين علامة على أن ملكوت الله وقهر إبليس واستباقًا للانتصار الاسكاتولوجيّ (متى 12 :34؛ لوقا 10 :18). وهي أيضا علامة مميَّزة لصراع يسوع المفتوح ضد الشرّ في جميع أشكاله. وقد سلّم يسوع تلاميذه سلطان طرد الشياطين، ومنحهم القدرة على ذلك (متى 10 :1، 8؛ مرقس 16 :17). ولكنهم لم يستطيعوا دائمًا طرد الشياطين لقلة ايمان، او لنقص في الصوم والصلاة (مرقس 9 :14-29). وقد واصلوا هذه المهمّة بعد العنصرة (أعمال 5 :16؛ 8 :7). وتقسيمات يسوع وتلاميذه تدلّ على أن الله يهتمّ بالبشر حين يواجهون سلطان الشرّ، حتى في أشكاله التي تُظهره وكأنه شخص حيّ. فالممسوس هو ساحة صراع بين خصمين: مُجري المعجزة والشيطان الذي يجب أن يتحرّر الانسان منه. وتحفظ لفظةُ التقسيم لحالات امتلاك الشيطان للإنسان.

ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (مرقس 1: 29-39)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (مرقس 1: 29-39)، نستنتج انه يتمحور حول ثلاث نقاط هامة: المرض والشفاء وموقف يسوع المسيح منهما.

أولاً: المرض

المرض مشكلة تعاني منها البشرية في كل زمان ومكان. ويهتم الكتاب المقدس بالمعنى الديني للمرض في علاقته في مخطط الخلاص. فالله خلق الإنسان للسعادة (التكوين 2: 4-25). أمَّا المرض فهو مناقض للسعادة. ولم يدخل المرض العالم إلا كنتيجة للخطيئة أو كامتحان من الله أو كقيمة تكفيرية.

1) المرض كنتيجة للخطيئة: وهذا ما توضحه خطيئة ابوينا الأولين (تكوين 3: 16-19). يرجع المرض نفسه إلى الله الذي يضرب الإنسان بسبب خطاياه (خروج 4: 6). فالمرض إحدى علامات “غضب” الله على العالم الخاطئ كما تدل ضربات الله العشر (خروج 9: 1-12). ويهدف اختبار المرض، إلى إرهاف الشعور بالخطيئة عند الإنسان. ومن هنا نجد صاحب المزامير يطلب الشفاء من الله معترفاً بالمعاصي “حينَ سَكَتّ بَلِيَت عِظامي ْأَبَحتُكَ خَطيئَتي وما كَتَمت إِثْمي قُلتُ: أَعْتَرِفُ لِلرَّبِّ بِمَعاصِيَّ” (مزمور 38: 2-6، 17).

2) المرض كامتحان الأبرار: عندما يصيب المرض الابرار على مثال أيوب وطوبيا، فيمكن أن يعتبر محنة من قبل العناية الإلهية؛ ويهدف المرض عند ذلك إلى إظهار أمانتهم كما قال الرب لطوبيا “حينَما لم تَتَوانَ في القِيامِ وتَرْكِ المائِدةِ والذَّهابِ لِدَفْنِ المَيْت، أُرسِلْتُ حينَئِذٍ اليكَ لِأَمتَحِنَكَ” (طوبيا 12: 13).

3) المرض كقيمة تكفيرية: المسيح ليس بحاجة الى امتحان في الايمان ومع ذلك كان “رَجُلُ أَوجاعٍ وعارِفٌ بِالأَلَم”. ومن هذا المنطلق حالة “يسوع المسيح”، وهو البار المتألم، فانه أخذ المرض كقيمة تكفيرية عن معاصي الخطأة. كما جاء في وصف اشعيا النبي للسيد المسيح “احتَمَلَ أَوجاعَنا… طُعِنَ بِسَبَبِ مَعاصينا وسُحِقَ بِسَبَبِ آثامِنا نَزَلَ بِه العِقابُ مِن أَجلِ سَلامِنا وبجُرحِه شُفينا” (اشعيا 53: 4-5). أخذ يسوع على عاتقه أمراضنا وقت آلامه، ومنحها معنى جديداً، وهي قيمة خلاصيه تكفيرية. والقديس بولس الرسول يتكلم عن هذه الخبرة في الضيقات التي تجعلنا ان نتحد مع المسيح المتألم بقوله “نَحمِلُ في أَجسادِنا كُلَّ حِينٍ مَوتَ المسيح لِتَظهَرَ في أَجسادِنا حَياةُ المسيحِ أَيضاً” (2 قورنتس 4: 10) وهكذا المسيحي “يتِمُّ في جَسَدِه ما نَقَصَ مِن شَدائِدِ المسيح في سَبيلِ جَسَدِه الَّذي هو الكَنيسة” (قولسي 1: 24).

ثانياً: الشفاء من المرض

أما الشفاء من الامراض فيعود بحسب الكتاب المقدس الى الصلاة والعلاج الطبي

1) الصلاة للشفاء: للشفاء يجب الالتجاء أولاً إلى الله، لأنه هو ربّ الحياة كما جاء في تعليم الحكيم يشوع بن سيراخ “إِذا مَرِضتَ فلا تَتَهاوَنْ بل صَلِّ إِلى الرَّبِّ فهو يَشْفيكَ”(سيراخ 38: 9). هو الذي يبتلي وهو الذي يشفي (تثنية 32: 39). إنه الطبيب الأسمى للإنسان (خروج 15: 26)، هذا ما يشهد له الملاك رافائيل רָפָאֵל ومعنى اسمه “الله يشفي” الذي ارسله الله لكي يشفي سارة (طوبيا 3: 17). ولهذا يتوجه المرضى إلى ممثّليه ألا وهم الكهنة (متى 8: 4)، والأنبياء (1 ملوك 14: 13). فصلاة المؤمن تشفي المريض وخير مثال على ذلك، صلاة بولس الرسول ” كانَ أَبو بُبْلِيوس يَلزَمُ الفِراشَ مُصابًا بِالحُمَّى والزُّحار، فدَخَلَ إِلَيهِ بوُلس وصَلَّى واضِعًا يَدَيهِ علَيه فعافاه وما إِن حَدَثَ ذلك حتَّى أَخَذَ سائِرُ المَرْضى في الجَزيرَةِ يَأتونَه فيَنالونَ الشِّفاء” (سفر اعمال الرسل 28: 8-9).

عندما يعترف المرضى بخطاياهم بقلب منكسر منسحقٍ، إنما يطلبون الشفاء كنعمة. ويُظهر صاحب المزامير المرضى وهم يطلبون الشفاء من الله (مزامير 6، 38، 1). وبإظهار ثقتهم في قدرته ورحمته يستعدون لنيل الهبة المطلوبة التي يحصلون عليها أحياناً على سبيل المعجزة (1 ملوك 17: 17-24). على أي حال، حيث أن المرض يعتبر بمثابة علامة، قد يتعطّف الله بقدرته ورحمته على الإنسانية المتألمة لكي يُخفِّف من آلامها. ونحن بدورنا علينا من باب المحبة ان نساعد المرضى على تخفيف آلامهم كما ينصح اغناطيوس الانطاكي “أحملوا أمراض الجميع”. فإن خدمة المرضى هي خدمة يسوع نفسه في اعضائه المتألمة. ويحاسبنا يسوع يوم الدينونة بقوله “كُنتُ مَريضاً فعُدتُموني” (متى 25: 36). فأصبح المريض صورة يسوع المسيح وعلامته المنظورة.

2) العلاج الطبي للشفاء: لا يعارض الكتاب المقدس اللجوء إلى العلاج الطبي للشفاء من الامراض. ويستخدم اشعيا النبي العلاج لكي يشفي حزقيّا (2 ملوك 20: 7)، ورافائيل لكي يعالج طوبيا (طوبيا 11: 8). ويمتدح سفر ابن سيراخ مهنة الطب “أدِّ لِلطَّبيبِ كَرامَتَه لأَجلِ خَدَماتِه” (سيراخ 38: 1-8). أمَّا استعمال الممارسات السحرية للشفاء فهو مرفوض كما جاء في سفر الملوك “فخاطَبَ مَلاكُ الرَّبِّ إِيليَّا التشبِيَّ قائلاً: ((قُمْ فأصعَدْ لِمُلاقاةِ رُسُلِ مَلِكِ السَّامِرَةِ وقُلْ لَهِم: ألَعَلَّه لَيسَ إله ٌ في إِسْرائيلَ حتَّى تَذهَبوا وتَستشيروا بَعلَ زَبوب، إِلهَ عَقرون؟ فلِذلك هكذا يَقولُ الرَّبّ: إِنَّ السَّريرَ الَّذي عَلوته لا تَنزِلُ عَنه، بل تَموتُ موتًا “(2 ملوك 1: 1-4).

ثالثاً: موقف يسوع تجاه المرض والشفاء

يرى يسوع في المرض شراً نتيجة للخطيئة، ودليلاً على تسلّط الشيطان عليهم (لوقا 13: 16). لذا يشعر بالشفقة على المريض (متى 20: 34)، وهذه الشفقة تُملي عليه عمله بالشفاء. وبدون إبطاء في التمييز بين ما هو مرض طبيعي أو ما هو مسّ شيطاني، فهو “شَفى كثيراً مِنَ المَرْضى المُصابينَ بِمُخَتَلِفِ العِلَل، وطرَدَ كثيراً مِنَ الشَّياطين” (مرقس 1: 34) حيث ان من خلال المرض يظهر تأثير الشياطين على العالم الذي نعيش فيه.

الشفاء الذي يُجريه يسوع هو شفاء حقيقي يُعيد الانسان الى عالم الصحَّة الذي نصبو اليه كلّنا. ولكن له ايضا بُعدٌ رمزي روحي، وهو التحرير الروحي وإعادة كرامة الإنسان الذي كان نجسا ومبعداً عن الجماعة. ومن هنا يسير الأمران شفاء المرضى وطرد الشياطين جنبا إلى جنب كما نجده في انجيل مرقس ” أَخَذَ النَّاسُ يَحمِلونَ إِلَيه جَميعَ المَرْضى والمَمَسوسين” (مرقس 1: 32)، وفي النهاية يبقى لهما المعنى نفسه: إنهما يشيران الى انتصار يسوع على الشيطان وإقامة ملكوت الله في الحياة الدنيا، تتميما لما ورد في الكتب المقدسة “العُميانُ يُبصِرون والعُرْجُ يَمشونَ مَشْياً سَوِيّاً، البُرصُ يَبرَأُون والصُّمُّ يَسمَعون، المَوتى يَقومون والفُقراءُ يُبَشَّرون” (متى 11: 5).

وتجاه كل المرضى الذين يولونه ثقتهم (مرقس 1: 40)، لا يطلب يسوع إلا شرطاً واحداً: أن يؤمنوا، لأن كل شيء ممكن بالإيمان كما قالَ يسوع لِرئيسِ المَجمَع يائِيرس لما طلب منه شفاء ابنته” لا تَخَفْ، آمِنْ فقط” (مرقس 5: 36)، لأن إيمانهم يقتضي الإيمان بملكوت الله. وهذا هو الإيمان الذي يُخلصهم كما صرّح يسوع لأعمى اريحا “اِذهَبْ! إِيمانُكَ خلَّصَكَ” (مرقس 52:10).

أمَّا معجزات الشفاء الذي قام بها يسوع فهي تعبِّر مسبقاً عن حالة الكمال التي ستعود إليها الإنسانيّة أخيراً في ملكوت الله، تبعاً للنبوءات. ولكنها تحمل أيضاً معنى رمزياً خاصاً بالزمن الحاضر. فالمرض هو رمز للحالة التي يوجد فيها الإنسان الخاطئ: فهو روحياً أعمى وأصمّ ومشلول ومقعد… وشفاء المريض هو رمز أيضاً للشفاء الروحي الذي جاء يسوع ليتمّمه في البشر، فيغفر خطايا مقعد كفرناحوم، ولكي يظهر أنه يملك سلطان مغفرتها بشفاء جسده “فلَمَّا رأَى يسوعُ إِيمانَهم، قالَ لِلمُقعَد: يا بُنَيَّ، غُفِرَت لكَ خَطاياك “(مرقس 2: 1-11).

لقد أوحى الروح القدس في موضوع معجزات الشفاء لكل من البشيرين الأربعة بكتابة الانجيل في القاء كل منهم ضوء على جانب مختلف من حياة المسيح، ففي شفاء حماة بطرس في انجيل مرقس عاون يسوع هذه المرأة على النهوض، “فدنا مِنها فأَخَذَ بِيَدِها وأَنَهَضَها، ففارَقَتْها الحُمَّى” (متى 1: 31) وقد استعمل مرقس الإنجيلي مفردات كانت توحي الى المسيحيين الاولين الإيمان بالقيامة: ان يسوع، بإنهاضه حماة بطرس المريضة، أقامها من الموت (متى 9: 25) وأمَّا في أنجيل متى لمس يسوع يد المرأة فَلَمَسَ يَدَها فَفارَقَتْها الحُمَّى، فنَهضَت وأَخذَت تَخدُمُه ” ( متى 8: 15) فبلمسة واحدة يشفي يسوع ( متى 8: 3)؛ وكان رد فعل حماة بطرس للمسة يسوع، هو ان تنهض لوحدها وتخدمه حالا. أمَّا في انجيل لوقا يخاطب يسوع “الحُمَّى” مخاطبة لقدرة شيطانية حيث ” زَجَرَ الـحُمَّى ففارَقَتْها” (لوقا 4: 39)، فبدت الحُمّى كشخص حي وقوة شيطانية فأطاعته (لوقا 4: 35). وليس في هذه التفاصيل أي تعارض، بل كل كاتب أنجيل أراد ان يؤكد تفاصيل مختلفة في المعجزة الشفاء لإلقاء الضوء على خصائص معينة في حياة يسوع المسيح.

وإن أعمال يسوع إزاء المرضى تمهِّد للأسرار المسيحية. قد جاء يسوع إلى العالم طبيب للخطأة “كما جاء في قول يسوع للكَتَبَةُ مِنَ الفِرِّيسِيِّينَ “ليسَ الأَصِحَّاءُ بِمُحْتاجينَ إِلى طَبيب، بلِ المَرْضى. ما جِئتُ لأَدعُوَ الأَبرار، بلِ الخاطِئين” (مرقس 2: 17)، فهو الطبيب الذي ” أَخذَ أَسقامَنا وحَمَلَ أَمراضَنا ” (متى 8: 17). وهذا هو بالفعل معنى آلامه: يتضامن يسوع مع البشرية المتألمة، لكي يتمكن في النهاية من الانتصار على جميع آلامها.

وقد أشرك يسوع رسله في سلطان شفاء الأمراض “دَعا تَلاميذَه الاثَني عَشَر، فأَولاهُم سُلطاناً يَطرُدُونَ بِه الأَرواحَ النَّجِسَة ويَشْفونَ النَّاسَ مِن كُلِّ مَرَضٍ وعِلَّة “(متى 10: 1) لتأييد بشارتهم بالإنجيل “والَّذينَ يُؤمِنونَ تَصحَبُهم هذهِ الآيات: فبِاسْمي يَطرُدونَ الشَّياطين، ويَتَكَلَّمون بِلُغاتٍ لا يَعرِفونَها، ويُمسِكونَ الحَيَّاتِ بِأَيديهِم، وإِن شَرِبوا شَراباً قاتِلاً لا يُؤذيهِم، ويضَعونَ أَيديَهُم على المَرْضى فَيَتَعافَون”(مرقس 16: 17-18). ولذا يذكر سفر أعمال الرسل معجزات الشفاء خاصة شفاء بطرس للمقعد (أعمال 3: 1-3) وشفاء فيلبس الشماس ” كَثيرٌ مِنَ المُقعَدينَ والكُسْحان” في السامرة (اعمال الرسل 8: 7) التي تظهر قوة اسم يسوع وحقيقة قيامته. وإن الشفاء علامة دائمة تستمر في مساندة كنيسة يسوع المسيح، وتُظهر أن الروح القدس يعمل فيها.

وعلى خطى الرسل، يمسح كهنة الكنيسة المرضى بالزيت باسم الرب، بينما هم يصلون بإيمان ويعترفون بخطاياهم، وهذه الصلاة تُخلصهم، لأن خطاياهم تغفر لهم ويستطيعون أن يأملوا الشفاء بإذن الله كما جاء في تعليم يعقوب الرسول “هل فيكُم مَريض؟ فلْيَدْعُ شُيوخَ الكَنيسة، ولِيُصَلُّوا عليه بَعدَ أَن يَمسَحوه بِالزَّيتِ بِاسمِ الرَّبّ. إِنَّ صَلاةَ الإِيمانِ تُخلِّصُ المَريض، والرَّبَّ يُعافيه” (يعقوب 5: 14-15). فنحن الذين نلنا الكثير لا نستطيع الا ان نعطي. ونحن الذين سمعنا لا نستطيع الا ان نتكلم، ونحن الذين غمرنا الله بنعمه لا نستطيع الا ان نخدم في كنيسة الله وحقله في العالم.

الخلاصة
بدأ يسوع خدمته العلنية في نشر الملكوت في كفرناحوم وذلك في الظروف الحياتية العادية واللقاءات في البيت والمجمع والعلاقات، وفي الحياة العادية. وهو اليوم يترك المجمع ويتوجه الى بيت بطرس. وفيه شفى حماة بطرس، وسرعان ما شفة مرضى كثيرين وطرد الشياطين، وهذه الاعمال هي علامة من علامات الخلاص والملكوت.
إذا كان المسيح يطرد الأروح الشريرة ويشفي المرضى، فهو لم يزيل المرض ولا يزال المرضى بيننا، ولم يلغي وجود الأروح الشريرة. ولم يختفِ الممسوسون في أيّامنا. إنّهم هنا، حاضرون حولنا ومنتشرون في كلّ مكان. إنّهم في كلّ مَن يتحجّج بالله ليبرّر العنف والقتل. إنّهم في كلّ مَن يستعمل كلام كتابه المقدّس ليطلق العنان لنزواته المنحرفة. إنّهم كلّ مَن يؤمن بأنّ القتل مشيئة إلهيّة، وتعذيب الآخرين طريقة لهدايتهم. فالشياطين تجرّنا إلى طريق الكراهية والنبذ والاحتقار، وتحثّنا على التعالي والكبرياء، وتثيرنا للثأر والانتقام.
لكن عندما نستقبل يسوع في حياتنا وندعه يقودها فهو يحررنا منها وخاصة من عملها فينا، وحده قادر على أن يحوِّلها إلى حياة حقيقية مبنية على الصخر الذي هو المسيح فلنصلِّ بحرارةٍ ونقول “نجّنا يا ربّ من الشرّير”.

دعاء
اللهم يا طبيب النفوس والأجساد، يا من أراد ابنه الوحيد أن يحملَ أوجاعنا، المس ايدينا حتى تشفينا من كل عاهاتنا وامراضنا ونسير في الحال على خطاك، واستمع الدعاء الذي نرفعه إليك، من أجل إخوتنا المرضى. إنهم يا رب خلائقك وصنعُ يديك وموضع محبتك، أعطهم الصحة والعافية، ليعودوا إلى بيتك مُعافين، فيرفعوا لك الشكر والحمد معنا، ويُمجدوك ويسبحوكَ مع جماعة المؤمنين لأن كل شفاءٍ وصلاحٍ وخيرٍ هو منك، أيها ألآب والابن والروح القدس، الإله الواحد. آمين.

قصة:
كتب الشاعر الأيرلندي “اوسكار وايلد” قصة قصيرة وصفها هو بأنها أجمل قصة قصيرة في العالم. قال فيها: “ذهب المسيح من الوادي الأبيض إلى المدينة الرمادية اللون، ورأى سكيراً مُضطجعاً في أول شارع. سأله: “لماذا تُهلك حياتك في السُّكر؟” فأجابه: “كنتُ أبرص فشفيتَني، ولما أرجعتَ إليَّ الصحة لم أجد ما أفعله!”
ثم قال “وسكار وايلد”: ” إن المسيح ذهب إلى شارع آخر في ذات المدينة، ورأى شاباً يسير وراء زانية، فسأله: “لماذا تُهلك حياتك في الدَّنس؟” أجابه: “كنت أعمى ففتحت عينيَّ، فماذا عساي أن أستعمل عينيَّ في غير ما أفعله الآن؟”.
ثم رأى المسيح رجلاً عجوزاً جالساً على الأرض يبكي، فسأله: “ماذا تفعل ولماذا تبكي؟” أجابه: “لقد أقمتني من الموت، فماذا عساي أفعل غير البكاء؟”
أعتقد أن هذه القصة المؤلمة تذكِّرنا بكثيرين ممن يأخذون بركات الربّ ويسيئون استخدامها. وكم نشكر الربّ لأن حماة بطرس لم تكن من هؤلاء! سر حياة جميلة بسيط نجده في شفاء حماة بطرس وهي لما نالت الشفاء من يسوع “أَخَذَت تَخدمُهُ” (مرقس 1: 31).