يقول يسوع في إنجيل اليوم “إَنَّهُ يَكُونُ مِنَ الآنَ…” (لوقا ١٢: ٢٥)
البطريرك بيتسابالا
يقول يسوع في إنجيل اليوم “إَنَّهُ يَكُونُ مِنَ الآنَ…” (لوقا ١٢: ٢٥)
وفي قوله كذلك، فقد كان يعبر عن وعي قوي بأولئك الذين يعرفون أن مجيئه إلى العالم سينتج عنه نقطة تحول فاصل، تبين منها أن هناك وقتا سينتهي وآخر سيبدأ. هناك سيكون ما يعرف ب “قبل وبعد”.
“من الآن فصاعدا ”… سنتوقع من الآن فصاعدا أن تتحسن الأمور. من الآن فصاعدا كل شيء سيكون منظما. من الآن فصاعدا، سيكون هناك الخبز، والمساواه، والعدل، والسلام للجميع. لكن ليس الأمر كذلك. فيسوع لا يطمئننا ولا يخدعنا بوعود كاذبة. إنه لا يعفينا من المسؤولية. ومن شأن هذه الوعود الكاذبة أن تكون برنامجا مغريا لبعض السياسات، أو أنه يمكننا التعرف عليها من خلال شخص خبير بالكذب، مثل الشيطان. ففي موضوع الإغراءات كما ورد في الإنجيل (لوقا (12-1:4، وعد الشيطان يسوع أنه من الآن فصاعدا ستتم الأمور بشكل مختلف: رفاهية، ونجاح، ونفوذ، وأمن في متناول اليد، وبإمكان الجميع الوصول إلى ذلك بسهولة… ولكن ذلك ليس بالأمر “سهل الحدوث” بالنسبة ليسوع.
للمفارقة، يبدو يسوع يقول إنه من الآن فصاعدا ستسير الأمور نحو الأسوأ! فكما كان الحال من قبل، هناك رابط بين الجديد الذي ينفتح أمامنا وبين تجربة الألم، ودراما العنف.
ويبدو أن عناصر الفرقة والتمزق هذه قد لا تكون استثناء، ولكن هي سمات مكوّنة من الزمن التاريخي، من الآن فصاعدا …
ليست هذه هي المرة الوحيدة التي يحدث ذلك في الانجيل. ففي موضع أخرى، ودائما أعود إلى إنجيل لوقا ((١٦:١٦، يقول يسوع: ” دامَ عَهْدُ الشَّريعَةِ والأَنبِياءِ حتَّى يوحَنَّا، ومِن ذلكَ الحِينِ يُبَشَّرُ بِمَلكوتِ الله، وكُلُّ امْرِئٍ مُلزَمٌ بِدُخوِله. “. حتى في هذه الحالة، فمن الواضح أنه يبدأ بزمن جديد، حيث أن مرحلة التحول تكمن في يوحنا البشير. كما في هذا الفقره يتم البدء بالزمن الجديد ببذل الجهد والمعاناه. كما أنه يقول الشيء نفسه في إنجيل يوحنا حيث يتحدث يسوع عن هذا الوقت كولادة (يوحنا ١٦: ٢١)
لكن ماذا يعني يسوع بذلك؟
من الواضح، كانت هناك بالفعل مشاكل، وانقسامات، وسوء فهم قبل مجيئه. ويبدو أن ذلك رافق الإنسان منذ بداية رحلته على الأرض. وكل ذلك كان بالفعل موجودا، ولم يكن ذلك التغيير الذي جلبه يسوع. ما يعنيه يسوع هو أنه بمجيئه لم يلغ الانقسام فحسب، وإنما خلق انقساما جديدا أكثر عمقا، وبات قادرا على الوصول إلى كل فرد حتى في أكثر العائلات متانه وتماسكا. لأنه قد يحدث ضمن العائلة الواحدة أن يعتبر بعض افرادها الإنجيل الشيء الأكثر قيمة، بينما يعتبر غيه الإنجيل العدو رقم واحد ومن الواجب القضاء عليه. وبالنسبة للبعض، فإن وجه الآب الذي أعلن عنه يسوع، سيكون مصدرا للخلاص، بينما للبعض الآخر لن يكون إلا سببا للفضيحة. بالتأكيد انه لن يترك أي شخص بلا اكتراث.
حتى في عصرنا هذا، فإنه ليس من غير المألوف أن نرى كيف أن قبول الكتاب المقدس قد يخلق حالات يكون الفرد عرضة للمعاناة، والشعور بالوحدة، والرفض من الغير. وفي الفترة الممتدة من الشهداء الأوائل، تسبب الانجيل بالانقسام والرفض. لنأخذ، على سبيل المثال، الكثير من إخوتنا المسيحيين الذين لا يزالون يعيشون الاضطهاد لسبب بسيط وهو لأنهم مسيحيون، ولأنهم يتبعون المسيح، وذلك في منطقة الشرق الأوسط، وفي آسيا، وفي أفريقيا وأماكن كثيرة معروفة لكنها أقل شهرة. إنه الكفاح الذي يبدأ بداخلنا، حيث يتصارع القديم والجديد، وليس هناك أمل في إنقاذ أحدهما. فكل من له علاقة بذلك “من الآن فصاعدا” يجب أن يتحمل هذه المخاطرة… ونحن مدعوون للبقاء داخل هذا الانقسام بطريق الرب.
لنلق نظرة على هذا النمط من الآيات الأولى من إنجيل اليوم حيث وصف يسوع مهمته بصورتين جميلتين، الأولى بالنار والأخرى بالمعمودية. فليس من السهل أن نفهم بالضبط ما عناه يسوع عند حديثه، ولكن من الواضح أنه كان بذلك يشير إلى آلامه.
ولنتوقف لفترة وجيزة على الكلمات التي يستخدمها: جاء يسوع ليجلب النار؛ كما جاء للحصول على المعمودية.
هناك إجراءان، وموقفان، وطريقتان ضروريتان لتحقيق الخلاص: الأول فعّال (يسوع يلقي النار) ويشعر نحوه بانجذاب شديد (لوقا ١٢: ٤٩)، والآخر سلبي (يسوع يسمح لنفسه أن يكون مغمورا) وهذا يصيبه بالأسى بشدة لوقا١٢: ٥٠)).
يعيش يسوع الحالتين على حد سواء: أنه اتخاذ نار الروح، والحب، وحضور الله على الأرض. ثم يقدم نفسه للفناء بالموت، من جراء أعمال العنف اللاإنساني الذي يقوم به إخوته وخاصته، دون إنقاذ حياته بأي وسيلة، إنما من خلال إعطائها للجميع.
ثم–وبعد ذلك فقط– يحفظنا الرب، علما أن حياته وموته لم يكونا أمرين منفصلين. في الواقع، إن الحريق الذي يجلبه يسوع يحدث حينما تغمره مياه العنف والموت.
وهذا ينطبق علينا أيضا. إنه فقدان الحياة من أجل المحبة التي تضيء الأرض اشتعالا. لذا عندما ينبعث الشر ويبدو على أنه يسحق كل شيء هناك، وإذا ما اخترقه أحد ما بثقة الأطفال، فإنه يحقق أمرا أكثر غموضا، ويحقق حكم الله على الإنسان، أنه حكم الخلاص والرحمة.
باختصار، على كل من يتبع الرب، وعلى كل من يعيش تعاليم إنجيله، من الآن فصاعدا، أن يمر بمرحلة الموت بثقة، وسوف نرى قيام الحياة، من خلال الانفصال، كما سنشهد حدوث الوحدة.