يُحذِّر يسوع من رياء الكَتَبَةَ والفِرِّيسيِّينَ (متى 23: 1-12)
الأب لويس حزبون
يُسلط إنجيل هذا الاحد الأضواء على رياء الكتبة والفرِّيسين في نظر يسوع (متى 23: 1-12) والرياء هو أخطر شر يمكن ان تعرفه الجماعات المسيحية، لان هذا الشر يتعارض مع روح الملكوت ويُغلق بابه. ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص الإنجيلي وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الإنجيلي: (متى 23: 1-12)
1وكَلَّمَ يسوعُ الجُموعَ وتَلاميذَه قال:
تشير عبارة “يسوعُ” الى الصيغة العربية للاسم العبري ” יֵשׁוּעַ “ومعنى الاسم ((الله مخلص)). وقد تسمى يسوع حسب قول الملاك ليوسف (متى 1: 21)، ومريم (لوقا 1: 31). ويسوع هو اسمه الشخصي. أما المسيح فهو لقبه. وقد وردت عبارة “الرب يسوع المسيح” نحو 50 مرة في العهد الجديد. ويسوع المسيح أو المسيح يسوع، نحو مئة مرة. ووردت لفظة يسوع وحدها على الأكثر في الأناجيل، ويسوع المسيح، والرب يسوع المسيح في سفر الأعمال والرسائل. اما عبارة ” تَلاميذَه ” إلى كل من اتبع معلماً (اشعيا 8: 16). وتستعمل لكل المؤمنين الذين قبلوا تعاليم المسيح (متى 10: 42) وبنوع أخص من الرسل الاثني عشر (متى 5: 1).
2 ((إِنَّ الكَتَبَةَ والفِرِّيسيِّينَ على كُرسِيِّ موسى جالِسون،
تشير عبارة ” الكَتَبَةَ ” الى كتَّاب الناموس والاسفار الأخرى من العهد القديم (ارميا 8: 8) الذين دعاهم العهد الجديد γραμματεῖςا أي ناموسين او νομοδιδάσκαλοι معلمي الشريعة، وهم الذين قد خصَّصوا نفوسهم لدراسة الشريعة وتفسيرها، وكانوا يحاولون تطبيقها على تفاصيل الحياة اليومية. وقد أصبحت قرارات عظماء الكتبة شريعة شفوية تدعى تقاليد. وكان يقومون أيضا بدرس اسفار الكتاب المقدس بنوع عام من حيث الوجهة التاريخية والتعليمية، وأخيرا يقومون بمهمة التعليم. وكان يلتف حول كل كاتبٍ مشهورٍ جماعةٌ من الطلاب يتتلمذون على يديه. وقد بلغ أوج نفوذهم في ايام المسيح، وكانوا من أغلبية أعضاء السنهدريم (متى 16: 21). ومع انه وجد بينهم من آمنوا بتعاليم المسيح (متى 8: 19) الاّ ان أكثرهم قاموا ضده وتذمروا عليه وظنوا أنهم وجدوا أخطاء في أكثر ما عمل او قاله هو وتلاميذه (متى 21: 15)، وعليهم يقع جزءٌ كبيرٌ من مسؤولية صلب المسيح. وكان الكتبة في أغلب الأحيان ينتمون الى حزب الفريسيين؛ اما عبارة ” الفِرِّيسيِّينَ ” فتشير الى حزبٍ يهوديٍ دينيٍ يُشددّ أعضاؤه على الناموس وعلى التقوى الشخصية والدين، وأُطلق عليهم هذا الاسم العبري הַפְּרוּשִׁים معناها منفصل أو مفروز او منعزل، لأنهم يُنادون بالفصل بين اليهود والوثنيين وكل من يُشَك في انه يتعامل معهم. والصلاح غي مفهومهم محصورٌ في طاعة الناموس، فجاءت ديانتهم ظاهرية وليست قلبية داخلية. ونادوا بتقليد سماعي تناقله الخلف عن السلف. وزعموا أنه معادل لشريعة موسى المكتوبة سلطة او اهم منها. فجاء تصريح المسيح بان الانسان ليس مُلزما بهذا التقليد (متى15: 2 -6). واشتهر معظمهم بالرياء والعجب. فتعرضوا عن استحقاق للانتقاد اللاذع والتوبيخ القاسي. (متى 5: 20) ومع هذا فكان في صفوفهم دوما افراد مخلصون اخلاقهم سامية، منهم نيقوديمس الذي دافع عن قضية يسوع في محاكمته (يوحنا 7: 50). وبولس الرسول في حياته الأولى (اعمال الرسل 23: 6) ومعلمه جِمْلائيل (اعمال الرسل 5: 34). اما عبارة “كرسي موسى” تشير الى السلطة التعلمية الرسمية في العالم اليهودي التي كانت في يد الفريسيين والكتبة؛ لقد تسلّموا ناموس موسى لكي يسجّلوه ويقرأوه ويفسِّروه، فما ينطقون به هو ثمرة الكرسي الذي يجلسون عليه؛ وذلك بناء على ما ورد في تعليم موسى النبي “اعمَلْ بِحَسَبِ القَرارِ الَّذي يُبَلِّغونَكَ إِيَّاه في المَوضِع الَّذي يَخْتارُه الرّبّ، وتَنبهْ أَن تَعمَلَ بِكُلِّ ما أَوصَوكَ به” (تثنية الاشتراع 17: 10). كان الكتبة والفريسيون يحتلون منصب موسى في السلطة، واعترف يسوع بسلطتهم.
3فَافعَلوا ما يَقولونَ لَكم واحفَظوه. ولكِن أَفعالَهم لا تَفعَلوا، لأَنَّهم يَقولونَ ولا يَفعَلون:
تشير عبارة “فَافعَلوا ما يَقولونَ لَكم واحفَظوه” الى حث يسوع الشعب على الخضوع للكتبة والفرِّيسيين، لا من أجل سلوكهم، ولكن من أجل كرسي موسى الذي يجلسون عليه. ويعلق القديس أوغسطينوس “الخادم المتكبّر يُحسب مع الشيطان، أمّا عطيّة المسيح (كلمة الوعظ)، فلا تَفسد بل تفَيض نقيّة خلاله وتعبُر كالماء إلى أرض مخصبة”؛ اما عبارة ” لأَنَّهم يَقولونَ ولا يَفعَلون ” فتشير الى تأنيب المسيح لرياء الفريسيين والكتبة حيث أن ذلك يذكِّرنا بقول بولس الرسول ” أَفَتُعلِّمُ غَيرَكَ ولا تُعلِّمُ نَفْسَكَ؟ أَتَعِظُ بِالامتِناعِ عَنِ السَّرِقَةِ وتَسرِق؟ أَتَنْهى عنِ الزِّنى وتَزْني؟ أتَستَقبِحُ الأَصْنامَ وتَنهَبُ مَعابِدَها؟ أَتَفتَخِرُ بِالشَّريعةِ وتُهينُ اللهَ بِمُخالَفَتِكَ لِلشَّريعة؟ فقَد وَرَدَ في الكِتاب: ((يُجَدَّفُ بِاسمِ اللهِ بَينَ الوَثَنِيِّينَ وأَنتُمُ السَّبَب “(رومة 2: 21-24). ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم “ما أسوأ أن نكون فلاسفة في الكلمات لا في الأعمال”. والمسيح أعطانا أن نتمثل ونقتدي بالله لا بإنسان “كونوا كاملين كما أن أباكم الذي في السماوات هو كامل”. فلا يصح أن نعمل الخطأ مبررين ذلك أنَّ هذا أو ذاك مهما كان منصبه يفعل هذا الخطأ.
4يَحزِمونَ أَحمالاً ثَقيلَة ويُلقونَها على أَكتافِ النَّاس، ولكِنَّهم يَأبَونَ تَحريكَها بِطَرَفِ الإصبَع.
عبارة ” أَحمالاً ” باليونانية φορτία وبالعبرية מַשְׂאת تشير الى مجمل الاحكام الشرعية التي اعتبر الكتبة نفوسهم حماتها؛ اما عبارة ” ثَقيلَة ” فتشير الى احكام يصعب تحملها أو تطبيقها، بعكس احكام يسوع، فإنها خفيفة كما صرّح لتلاميذه ” لأَنَّ نِيري لَطيفٌ وحِملي خَفيف ” (متى 11: 30). وقد توعّد يسوع الكتبة والفريسيين في موضع آخر مباشرة قائلا ” الوَيلُ لَكُم أَنتُم أَيضاً يا عُلَماءَ الشَّريعَة، فإِنَّكم تُحَمِّلونَ النَّاسَ أَحمالاً ثَقيلة، وأَنتُم لا تَمَسُّونَ هذِه الأَحمالَ بإِحْدى أَصابِعِكم” (لوقا 11: 46).
5وجَميعُ أَعمالِهم يَعمَلونَها لِيَنظُرَ النَّاسُ إِلَيهم: يُعَرِّضونَ عَصائبَهم ويُطِّولونَ أَهدابَهم
تشير عبارة “جَميعُ أَعمالِهم ” الى الممارسات اليهودية الأساسية الثلاثة: الصدقة (متى 6: 2-4) والصلاة (متى 6: 5-6) والصوم (متى 6: 16-18). اما عبارة ” لِيَنظُرَ النَّاسُ إِلَيهم ” فتشير الى المرائيين للدلالة على نفاقهم الذي لا تطابق بين اعمالهم وأفكارهم كما جاء في تعليم يسوع ” فإِذا تَصدَّقْتَ فلا يُنْفَخْ أَمامَكَ في البوق، كما يَفعَلُ المُراؤونَ في المجَامِعِ والشَّوارِع لِيُعَظِّمَ النَّاسُ شَأنَهم. الحَقَّ أَقولُ لكُم إِنَّهم أَخذوا أَجرَهم ” (متى 6: 2). وقد تنبأ عاموس النبي عن نفاق اليهود مراءتهم ” هَلُمّوا الى بَيتَ إِيلَ وآعْصُوا وفي الجِلْجالِ أَكثِروا مِنَ المَعاصي وأْتوا في الصَّباحِ بِذَبائِحِكم وفي كُلِّ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ بِعُشورِكم أَحرِقوا مِنَ الخَمْيرِ ذَبيحَةَ شُكْرٍ ونادوا بتَقادِمَ طَوعِيَّةٍ وأَعلِنوها لِأَنَّكمَ هذا ما أَحبَبتُم يا بَني إِسْرائيل يَقولُ السَّيِّدُ الرَّبّ ” (عاموس 4: 4-5). ويعلق القديس ايرونيموس “كل إنسان يسلك لكي ينظره الناس هو فرِّيسي وكاتب “؛ اما عبارة ” عصائبَهم ” باليونانية φυλακτήρια ومعناها الحرفي “حماية” فتشير الى عُلب صغيرة تحتوي على عصائب، والعصابة عبارة عن حرزٍ يتكون من شريط من جلد رقيق مكتوب عليه بعض آيات التوراة (الاسفار الخمسة الأولى) ” اِسمَعْ يا إِسْرائيل: إِنَّ الرَّبَّ إِلهَنا هو رَبٌّ واحِد. فأَحبِبِ الرَّبَّ إِلهَكَ بكُلِّ قَلبكَ كلِّ نَفسِكَ كلِّ قُوَّتكَ. ولتكُنْ هَذه الكَلِماتُ الَّتي أَنا آمُرُكَ بِها اليَومَ في قَلبِكَ. ورَدِّدْها على بَنيكَ كلِّمْهم بِها، إِذا جَلَستَ في بَيتِكَ وإِذا مَشَيتَ في الطَّريق وإِذا نِمْتَ وقُمْتَ. وأعقِدْها عَلامةً على يَدِكَ، ولتكُنْ عَصائِبَ بَيْنَ عَينَيكَ. واَكتُبْها على دَعائِم أَبْوابِ بَيتِكَ” (تثنية الاشتراع 6: 4-7). ثم يضيف “فاجعَلوا كَلِماتي هذه في قُلوبكم وفي نُفوسِكم، واعقِدوها عَلامةً على أًيديكم، ولتكُنْ عَصائِبَ بَينَ عُيونكم” (تثنية الاشتراع 11: 18). “يَكون عَلامةً لَكَ على يَدِكَ، وذِكْراً بَينَ عَينَيكَ، لِكَي تَكونَ شَريعةُ الرَّبِّ في فَمِكَ ” (خروج 13: 9). ويربط اليهود العلب بسير من الجلد على جباههم وعلى ظهور أيديهم اليمنى متتبعين في ذلك حرفية تفسير تثنية الاشتراع “. وأعقِدْها عَلامةً على يَدِكَ، ولتكُنْ عَصائِبَ بَيْنَ عَينَيكَ. واَكتُبْها على دَعائِم أَبْوابِ بَيتِكَ” (تثنية الاشتراع 6: 8-9). وعادة كانت تُلبس فقط أثناء الصلاة ولكن يظهر ان الفريسيين كانوا يلبسونها دائما وقد جعلوها ظاهرة بشكل واضح. ويعلق القديس ايرونيموس “لم يفهم الفرّيسيّون أنه يجب حمل الوصايا في القلب وليس على الجسد” اما عبارة ” أَهدابَهم” فتشير الى أطراف الرداء الأربعة التي تربط بخيوط بنفسجية رمزا الى السماء وتذكر المؤمن بوصايا الرب وذلك تنفيذا لما ورد في التوراة “كَلِّمْ بَني إِسْرائيلَ ومُرْهم أَن يَصنَعوا لَهم أَهْدابًا على أَذْيالِ ثِيابِهِم مدى أَجْيالِهم ويَجعَلوا على هُدْبِ الذَّيْلِ سِلْكًا مِنَ البِرْفيرِ البَنَفْسَجِيّ. فيَكونَ ذلك لَكما هُدْبًا فتَرَونَه وتَذكُرونَ جَميعَ وَصايا الرَّبِّ وتَعمَلونَ بِها، ولا تَتيهونَ وراءَ قُلوبِكم وعُيونكمُ الَّتي أَنتُما تَزْنونَ وَراءَها” (عدد 15: 38-39). وكان يسوع يلبس مثل هذا الرداء ” إِذا امْرَأَةٌ مَنزوفةٌ مُنْذُ اثنَتَيْ عَشْرَةَ سَنةً تَدْنو مِن خَلْف، وَتَلَمِسُ هُدْبَ رِدائِه” (متى 9: 20)، وكان الاهداب تحاط بالإكرام “أَخذوا يسأَلونَه أَن يَدَعَهم يَلمِسونَ هُدْبَ رِدائِه فَحَسْبُ، وجَميعُ الَّذينَ لَمَسوه نالوا الشِّفاء”(متى 14: 36).
6ويُحِبُّونَ المَقعَدَ الأَوَّلَ في المآدِب، وصُدورَ المَجالِسِ في المَجامع،
تشير عبارة ” المَقعَدَ الأَوَّلَ ” باليونانية πρωτοκλισίαν تشير الى المتكئات الأولى. اما عبارة ” المَقعَدَ الأَوَّلَ في المآدِب” فتشير الى تسابق على المتكأ الأول بدلًا من مشاركته الآخرين أفراحهم أو آلامهم بالحب الداخلي العملي. اما عبارة “صُدورَ المَجالِسِ في المَجامع ” فتشير الى احدى علامات درجات السلطة (لوقا 14: 7). لا يهتمّ الفريسيون بتقديم ما هو للبنيان، إنّما يطلب المجلس الأول. ويحذّر يسوع هنا من احدى علامات ظهور السلطة “إِيَّاكُم والكَتَبَة، فإِنَّهم يُحِبُّون…وصُدورَ المجَالِسِ في المَجامِع، والمَقاعِدَ الأُولى في المَآدِب “(مرقس 12: 39).
7وتَلَقِّيَ التَّحِيَّاتِ في السَّاحات، وأَن يَدعُوَهُمُ النَّاسُ ((رابي)).
تشير عبارة “تلَقِّيَ التَّحِيَّاتِ في السَّاحات” الى طلب التحيَّات حيث لا يلتقون مع الشعب كأعضاء منهم؛ اما عبارة ” السَّاحات ” باليونانية ἀγοραῖς فتدل على الأسواق. انه تحذير يسوع من احدى علامات الكتبة أيضا بقوله “إِيَّاكُم والكَتَبَة، فإِنَّهم يُحِبُّونَ …تلَقِّيَ التَّحِيَّاتِ في السَّاحات”(مرقس 12: 38). ليس المقصود الاحتراس منهم بقدر ما هو الامتناع عن التشبه بهم. لا يمس الرياء مظهر ثيابهم فحسب، وإنما يسري على كل حياتهم، فيطلبون الكرامة البشريّة أينما وُجدوا، إن دُعوا كضيوف في الولائم أو كقادةٍ في المجامع أو حتى إن ساروا في الأسواق.
8 ((أَمَّا أَنتُم فَلا تَدَعوا أَحَداً يَدْعُوكم ((رابي))، لأَنَّ لَكم مُعَلِّماً واحداً وأَنتُم جَميعاً إِخوة.
تشير عبارة “رابي” باليونانية Ῥαββί، وهي كلمة آرامية الأصل معناها “רַבִּי” رابي او سيدي ومعناها الحرفي “معلمي”. وكان هذا اللقب يحمل لأسمى عبارات التقدير والاحترام بين اليهود في مخاطبتهم معلما دينياً. وقد ظهر اللقب في العهد الجديد تحت ثلاثة أشكال: רַבּ راب أو سيد وهو أدنى درجة من الشرف؛ والشكل الثاني רַבִּי رابي اي الحاخام، سيدي -عنوان كرامة أعلى يستخدمها اليهود للأطباء والمعلمين؛ واخيرا רַבּוּנִי رابوني، يا سيد المعظم أشرف من الكل. اما عبارة ” لَكم مُعَلِّماً واحداً ” باليونانية διδάσκαλος فتشير الى ادعاء سلطة التعليم التي تعود الى المسيح وإلى الله. اما عبارة “َلا تَدَعوا أَحَداً يَدْعُوكم رابي ” فتشير الى عدم مطالبة الناس أن يدعونكم رابي أي “سيدنا”، فالاحترام ينبع من الآخر ولا يُفرض عليه. لأنه يقول إن الكتبة والفرّيسيين يحبون تلقي التحيات في الأسواق وأن يدعوهم الناس سيدي “. في فلسطين يقولون للجد يا سيدي لأنه أب آباء، والجد فعلًا له مقام محترم في الأسرة لكن يتعامل مع الآخرين مثل إخوته. قال السيد المسيح لا تُدعَوا سيدي ولا تُدعَوا معلمين أي لا تفتخروا بالتعليم. لكن لا يحرم قول يسوع هذا القيام بدور معلم مبادئ التعليم المسيحية. لا يُحسب كسرًا للوصيّة أن يؤكّد الرسل وجود معلّمين في الكنيسة ما داموا يشتركون مع يسوع المسيح. يقول الرسول: “ومَن لَه التَّعْليم فلْيُعَلِّمْ” (رومة 12: 7)، ويلقب نفسه معلّمًا: “وإِنِّي أُقِمتُ لَها داعِيًا ورَسولاً ومُعَلِّمًا ” (2 طيموتاوس 1: 11). يقول القديس ايرونيموس ” ندعو إنسانًا معلّما بكونه يشترك مع المعلّم الحقيقي”.
9ولا تَدْعوا أَحداً أَباً لَكم في الأَرض، لأَنَّ لَكم أَباً واحداً هو الآبُ السَّماويّ. 10ولا تَدَعوا أَحَداً يَدْعُوكم مُرشِداً، لأَن لَكم مُرشِداً واحِداً وهو المسيح.
تشير عبارة “لا تَدْعوا أَحداً أَباً لَكم في الأَرض” الى الاب وهو رمز السلطة كما جاء في تعليم يسوع الى تلاميذه “مَن أَرادَ أَن يكونَ كبيراً فيكُم، فَلْيَكُنْ لَكم خادِماً ” (متى 20: 26). اما عبارة “مُرشِداً” باليونانية καθηγηταί تعني حرفيا قائد او مرشد. يُعلّق القدّيس ايرونيموس على هذا المقطع الإنجيلي: “لا ينبغي أن يُسمّى أيّ أحد معلّم أو أب ما عدا الربّ الآب والرب يسوع المسيح. هو وحده الأب، لأنّ كلّ الأشياء أتت منه. هو وحده المعلّم، لأنّ به صُنعت كلّ الأشياء، وبه تمّت مصالحة كلّ الأشياء مع الربّ الإله. ولكن، قد يسال أحدهم: “هل هو ضد هذه القاعدة أن يسمّي الرسول نفسه معلّم الأمميين؟ أو عندما، كما هو الحال في الحديث الشعبي الموجود بشكل واسع في أديار مصر وفلسطين، يُسمّي أحدهم الآخر أبو المؤمنون يدعون كل كاهن أبونا؟ تذكّر هذا الفرق. إنّه شيء أن يكون الشخص أباً بحسب الطبيعة، وشيء آخر أن يكون أباً عن طريق السخاء. يُسمّى الشخص معلّماً عن حقّ فقط بالنظر إلى اتّحاده بالمعلّم الحقيقي. أكرّر حقيقة أن يكون لدينا ربٌّ واحد وابن واحد للربّ بالطبيعة لا يمنع وجود آخرين يعرفون كأبناء للربّ بالتبنّي. بنفس الطريقة، لا يجعل من عبارتي أب ومعلّم عديمتيّ الجدوى أو تمنع من تسمية آخرين أباً”. وأبوة الكهنة هي أبوة مستمدة من أبوة السيد المسيح. وقد دعا بولس الرسول طيموتاوس ابنا بقوله ” أَستَودِعُكَ هذِه الوَصِيَّة، يا ابني طيموتاوُس” (1طيموتاوس 1: 18)، وكذلك دعا طيطس ابنا له ” إِلى طيطُسَ ابنِيَ المُخلِصِ في إِيمانِنا المُشتَرَك “(طيطس 1: 4). فإن كان الابن يقول لأبيه الجسدي يا أبى، فهل كثيرًا أن يدعو الأب الروحي يا أبى؟
11وَلْيَكُنْ أَكبرُكُم خادِماً لَكم.
تشير عبارة ” خادِماً لَكم” باليونانية διάκονος وبالعبرية מְשָׁרְת تشير الى وظيفة دينية تقوم بنشر كلمة المسيح ونعمته. علّم يسوع رسله ان يروا في وظيفتهم خدمة، فرؤساء الأمم يطمعون في السيطرة والسيادة، اما هم فينبغي على غراره ان يجعلوا من أنفسهم خدّاماً للجميع ” تَعلَمونَ أَنَّ الَّذينَ يُعَدُّونَ رُؤَساءَ الأُمَمِ يَسودونَها، وأَنَّ أَكابِرَها يَتَسَلَّطونَ علَيها. 43 فلَيسَ الأَمرُ فيكم كذلِك. بل مَن أَرادَ أَن يَكونَ كَبيراً فيكم، فَلْيَكُنْ لَكُم خادِماً. ومَن أَرادَ أَن يكونَ الأَوَّلَ فيكم، فَلْيَكُنْ لأَجمَعِكم عَبْداً δοῦλος”(مرقس 10: 42-44) وتطلق الكلمة خاصة على خادم الانجيل مثل بولس في خدمة الانجيل (رومة 15: 16) وطيموتاوس (1 تسالونيقي 3: 2) الولس (1 قورنتس 3: 5) وابفراس (قولسي 1: 7). يعلق القديس اوغسطينوس على هذه الآية بقوله “كل واحد هو خادم للمسيح على نفس الطريقة التي بها المسيح أيضًا خادم”.
12فمَن رَفَعَ نَفَسَه وُضِع، ومن وَضَع نَفسَه رُفِع.
عبارة “فمَن رَفَعَ نَفَسَه وُضِع، ومن وَضَع نَفسَه رُفِع” هي حكمة مستوحاة من النبي حزقيال “يُرفَعُ الوضيعُ ويُوضَعُ الرَّفيع “(حزقيال 21: 31)، ويُدين بها يسوع الفريسيين لثقتهم بالنفس متشامخة، وتبرز أهمية التواضع. يحذّر يسوع من خطورة أن يسعى القادة إلى العظمة عِوض الخدمة، فيرتفعون بأنفسهم ليسقطوا، أمّا القائد المتّواضع فإن الألقاب لا تزيده إلا شعورًا بالانسحاق وإحساسًا بالمسئوليّة واتّساعًا لقلبه لخدمة الجميع من أجل الرب لا الناس. ويعلق كتاب الاقتداء بالمسيح “إذا اتّضَعَ الإنسانُ بِسَبَب نَقائصِه، هانَ عَلَيهِ تَهدِئَهُ الآخَرين، واستِرضاءُ الساخِطينَ عليه”.
ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي: (متى 23: 1-12)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (متى 23: 1-12)، نستنتج انه يتمحور حول رياء الكتبة والفريسيين. وقد كشف يسوع عن ريائهم بين اقوالهم وأفعالهم (متى 23: 3-4) وريائهم بين شخصهم في حقيقتهم وشخصهم في مظاهرهم وأوصى تلاميذه والجموع ان يتجنّبوا الرياء ويتمسَّكوا بالتواضع والخدمة. ومن هنا نتساءل ما هو النقد الذي وجّهه المسيح الى الكتبة ولفريسيين، علماء الشريعة؟ وما هي توصياته لتلاميذه في هذا الموضوع؟
1) ما هو النقد الذي وجّهه المسيح الى الكتبة ولفريسيين، علماء الشريعة؟
النقد الأول: الرياء بين القول والفعل (متى 23: 3-4)
إن الكلمة اليونانية ὑποκριτά المنقولة الى «مُراءٍ» تعني «مجيبا» وتشير ايضا الى ممثل مسرحي. ومع الوقت، اصبحت الكلمة تشير الى كل شخص يمثِّل دورا ليخدع الآخرين. كان يهوذا مرائيا، شخصا يتظاهر بغير ما هو عليه، شخصا يخفي دوافعه الرديئة وراء مظهر من الاخلاص (متى 26: 47-50). فكان يسوع هنا يستخدم ولا شك الكلمة الآرامية חָנֵף، التي تعني عادة في العهد القديم ” فاسق، كافر “: فالمرائي يصبح في مصاف الكافرين. ويستبدل الإنجيل الرابع بلقب مراءٍ لقب أعمى: إن خطيئة الكتبة والفريسيين، تقوم على قولهم “إننا نرى” في حين أنهم عميان (يوحنا 9: 40).
يصيب الرياء الإنسان ويجعله يظهر للناس بصورة غير حقيقية ليخدع الغير في نفاق وكذب ربما ليكسب ود الغير أو ليظهر بصورة التقوى والمحافظة على القيم لينال المديح والتبجيل والمجد الباطل. والرياء من أخطر أنواع الكذب لان المرائي يكذب ليخدع الغير ويتقمص شخصية غير شخصيته ويخدع البسطاء وقد يصدق نفسه ويحيا في ازدواجية لا تعطي فرصة للتوبة والرجوع الى الله. والرياء في مدلولها الأكبر هو عدم مطابقة الفكر واللسان وعندئذ فهو كذب وغش وخداع (هوشع 4: 7). وكل هذه رجس عند الله (أمثال 12: 22).
أدان السيد المسيح المرائيين، وأعلن ان الرياء لابد أن ينكشف والخفي لا بد إن يظهر. لأنه لن يستطيع ان يخدع كل الناس أو كل الوقت، ولن يستطيع ان يهرب من حكم الله الديان العادل والذي كل شيء مكشوف أمامه. وفي النهاية سيُفضَح الرياء كما أعلن يسوع ” فَما مِن مَستُورٍ إِلاَّ سَيُكشَف، ولا مِن مَكتومٍ إِلاَّ سَيُعلَم” (متى 10: 26)، وقد سبق وأعلن الملك الحكيم سليمان ” لأًنَّ اللهَ سيُحضِر كُلَّ عَمَلٍ فيَدينُ كُلَّ خَفِي، خَيرًا كانَ أَم شَرًّا”(الجامعة 12: 14). ب>ا يسوع السميح بكشف يسوع عن رياء الكتبة والفريسيين.
اعترف يسوع بدور الكتبة والفريسيين الجالسون على كرسي موسى، ويقومون بتعليم الناس الدين والناموس، وأوصى الناس بالاستماع إليهم فيما يقولون في الشريعة، فالشريعة هي التعبير عن مشيئة الله كما جاء واضحا في تصريحاته “َافعَلوا ما يَقولونَ لَكم واحفَظوه” (متى 23: 3أ).
لكن يسوع كشف عما في سرّهم من الرياء وحذّر من سلوكهم ومن روح الفريسية المنافقة، فأعلن لتلاميذه قائلا “لكِن أَفعالَهم لا تَفعَلوا، لأَنَّهم يَقولونَ ولا يَفعَلون” (متى 23: 3ب). يقوم هذا النقد لغياب المنطق في تعليمهم، فقد كانوا يعرفون الكتب المقدسة، ولكنهم لم يعيشوا بمقتضاها “يَقولونَ ولا يَفعَلون” (متى 23: 3)، والمرائي، أشبه بممثل على مسرح ὑποκριτά، يواصل تمثيل دوره بقدر ما تكون مكانته ذات شأن وكلمتُه مُطاعة (متى 23: 2 -3).
ولم يدنْ يسوع المسيح دائما ما كانوا يعلّمون به، ولكنه ادان ما كانوا عليه من الرياء. حيث أن خطيئة الفريسيين تكمن في ممارساتهم الشريرة أكثر من تعليمهم، لأنهم، هم أنفسهم، لم يمارسوا ما وعظوا به. لذا قال يسوع المسيح عنهم “أَيُّها المُراؤُون، أَحسَنَ أَشَعْيا في نبوءته عَنكم إِذ قال: ((هذا الشَّعْبُ يُكرِمُني بِشَفَتَيْه وأَمَّا قَلبُه فبَعيدٌ مِنِّي”(متى 15: 7-8). يقولون انهم يُحبّون الله، لكنّهم لا يراعون وصاياه، أمروا الناس بإطاعة التقاليد التي يتناقلونها لكنهم لا يعملون هم بها، يقولون انهم يُحبُّون القريب، لكنهم يظلمونه، يُلقنون الآخرين دروسا في الوداعة، وهم يستعلون على الآخرين كما جاء في مثل الفريسي والعشار “فانتَصَبَ الفِرِّيسيُّ قائِماً يُصَلَّي فيَقولُ في نَفْسِه: ((الَّلهُمَّ، شُكراً لَكَ لِأَنِّي لَستُ كَسائِرِ النَّاسِ السَّرَّاقينَ الظَّالمِينَ الفاسقِين، ولا مِثْلَ هذا الجابي”(لوقا 18: 11)، ويطالبون الناس بدقائق الناموس وحرفيته، وهم بعيدون عن تطبيقه. “أَيُّها القادَةُ العُميان، يا أَيُّها الَّذينَ يُصَفُّونَ الماءَ مِنَ البَعوضَةِ ويَبتَلِعونَ الجَمَل” (متى 23: 24) ويحمّلون الناس أحمالا ثقيلة من الناموس، ولا يحملون من الناموس شيئا. يبطلون وصيّة الله تحت وطأة تقاليدهم الإنسانية (متى 15: 1-20(.
لقد تظاهر الكتبة والفريسيون أنهم معلمون اولياء لشريعة الله، لكنهم في الواقع ملأوا عقول الناس بتعاليم بشرية تحوِّل انتباههم عن الله. كما أصرّ الكتبة والفريسيون بتزمُّت على حرفية الشريعة، إلا انهم تجاهلوا المبادئ الاساسية التي تعكس المحبة والرأفة. وكانوا يتظاهرون علنا بأنهم متعبدون لله، لكنهم كانوا سرا مملوئين سوءا. ولم تنسجم افعالهم مع اقوالهم قط “فجَميعُ أَعمالِهم يَعمَلونَها لِيَنظُرَ النَّاسُ إِلَيهم” (متى 23: 5)
النقد الثاني: الرياء بين الشخص في حقيقته والشخص في مظاهره (متى 23: 5-7)
لم يكشف يسوع المسيح رياء الكتبة والفريسيين بين القول والفعل، بل أيضا رياءهم في شخصهم بين حقيقته ومظهره. فموضوع نقد يسوع الثاني هو التظاهر بالفضيلة لكي يراهم الناس (متى 6: 1-6). لم يكن يهمهم أن يكونوا أتقياء، بل كان يكفيهم مجرد ظهورهم بمظهر التقوى ليحوزوا إعجاب الناس ومديحهم. يهتمون بالمظهر دون الاهتمام بالجوهر، يهتمون بأن تكون أياديهم نظيفة قبل الأكل مع أن قلوبهم مملوءة بالنجاسة وقال لهم يسوع تكرارا، مشهِّرا رياءهم بجرأة “الوَيلُ لَكم أَيُّها الكَتَبَةُ والفِرِّيسيُّونَ المُراؤون، فإِنَّكم أَشبَهُ بِالقُبورِ المُكَلَّسَة، يَبدو ظاهِرُها جَميلاً، وأَمَّا داخِلُها فمُمتَلِئٌ من عِظامِ المَوتى وكُلِّ نَجاسَة (متى 23: 27) .
ولكل وظيفة مزاياها وامتيازاتها، فأحب الكتبة والفريسين المزايا المرتبطة بوظائفهم، ولكن هذه المزايا والامتيازات أصبحت للكتبة والفريسيين أهم من إداء العمل بأمانة. لان الدين أصبح عندهم في عصائبهم التي يُعرِّضونها، وفي ارديتهم التي يُطولونها، وفي ابتغاء المقاعد الأولى، وصدور المجالس وتلقي التحيات في الساحات. فقد جاء وصفهم واضحا “يُعَرِّضونَ عَصائبَهم ويُطِّولونَ أَهدابَهم ويُحِبُّونَ المَقعَدَ الأَوَّلَ في المآدِب، وصُدورَ المَجالِسِ في المَجامع، وتَلَقِّيَ التَّحِيَّاتِ في السَّاحات، وأَن يَدعُوَهُمُ النَّاسُ رابي” (متى 23: 5-7). وصفهم يسوع انهم مراؤون لأنهم عنوا بالأشياء المادية العرضية دون الروحية الجوهرية فصّرح قائلا “جَميعُ أَعمالِهم يَعمَلونَها لِيَنظُرَ النَّاسُ إِلَيهم” (متى 23: 5).
حذَّر يسوع من رياء الكتبة والفريسيين الذين يحبون أن يظهروا بأنهم أتقياء ليحظوا بإكرام الناس لهم، بينما هم في الحقيقة زائفون متظاهرون. واطاعوا الشريعة ليس إكراما لله بل ليظهروا أنفسهم صالحين، ليس الرياء الديني مجرد كذب. إنه غش للغير بقصد كسب تقديره عن طريق ممارسات دينية لا تكون النيّة فيها بسيطة. فيبدو المرائي كأنه يعمل من أجل الله، في حين أنه يعمل في الواقع من أجل ذاته. على أن أكثر الأعمال صلاحاً، كالصدقة، والصلاة، والصوم، تفسد وتنحرف عن صلاحها، عند الاهتمام “بالظهور أمام الناس” (متى 6: 2 و5 و16، 23: 5).
فأنهم مراؤون لان سلوكهم لا يعبّر عن أفكار قلوبهم وقد وصفهم يسوع بالعُميان. “أَيُّها القادَةُ العُميان، يا أَيُّها الَّذينَ يُصَفُّونَ الماءَ مِنَ البَعوضَةِ ويَبتَلِعونَ الجَمَل” (متى 23: 24). فالمرائي من فرط رغبته في خداع الآخرين، ينتهي به الآمر الى ان يخدع نفسه ذاتها، فيصبح في حكم الاعمى عن حالته، عاجزا عن ان يرى النور. إن للقادة الروحيين دوراً لا بدّ منه على الأرض، ولكن ألا يأخذون مكان الله نفسه، عندما يستبدلون بالشريعة الإلهية سنناً بشرية. إنهم عميان يريدون أن يقودوا غيرهم، “إِنَّهُم عُميانٌ يَقودونَ عُمياناً. وإِذا كانَ الأَعمى يَقودُ الأَعمى، سَقَطَ كِلاهُما في حُفْرَة ” (متى 15: 14)، وتعليمهم ما هو إلا خميرة خبيثة حذّر يسوع تلاميذه منهم قائلا ” إِيَّاكُم وَخَميرَ الفِرِّيسيِّين، أَي الرِّياء ” (لوقا 12: 1). “أيُّها الفِرِّيسيُّ الأَعمى، طَهِّر أَوَّلاً داخِلَ الكَأس، لِيَصيرَ الظَّاهِرُ أَيضاً طاهراً” (متى 23: 26).
هناك كثيرون من الناس في أيّامنا، ممّن يعرفون الكتاب المقدّس وتعاليم الكنيسة، لكنّهم، مثل الفريسيّين لا يتركون لهما الفرصة كي يُغيّرا حياتهم، فيقولون أنّهم يتبعون الربّ يسوع ولكنّهم لا يعيشون مبادئه، مبادئ المحبّة، وهذا ما دفع المهاتما غاندي أن يخاطب المسيحيّين قائلاً: “خذوا مسيحيّتكم وأعطوني مسيحكم”.
النقد الثالث: التباهي بالامتيازات والألقاب (متى 23: 8-9)
نقد يسوع المسيح رياء الكتبة والفريسيين بالتباهي بالامتيازات والالقاب. لقد نهى يسوع عن اتخاذ ألقاب “معلم” و”مرشد ” و”أب” على طريقتهم، على انها مستمدة من ذواتهم، وما نهى عن اتخاذ الألقاب على طريقته، على انها مستمدة من الله. انهم يُردّون التعليم والسيادة والابوة الى ذواتهم، ولا يردّنها الى الله كما كان يعمل بولس الرسول ” فقَد يَكونُ لَكم أُلوفُ الحُرَّاسِ (باليونانية παιδαγωγοὺς أي مرشدين) في المسيح، ولكِن لَيسَ لَكم عِدَّةُ آباء، لأَنِّي أَنا الَّذي وَلَدَكُم بِالبِشارة، في المسيحِ يَسوع،” (1 قورنتس 4: 15). وفي الواقع عامل بولس الرسول الجماعة المسيحية في تسالونيقي كأب لهم ” لَطَفْنا بِكُم كما تَحتَضِنُ المُرضِعُ أَولادَهما”(1 تسالونيقي 2: 7) وعاملهم كمعلم فلقّب نفسه معلّمًا “وإِنِّي أُقِمتُ لَها داعِيًا ورَسولاً ومُعَلِّمًا ” (2 طيموتاوس 1: 11).
يبدو أنّ يسوع كان يُحذّر كلّ من تلاميذه والقادة الدينيّين من تجربة السعي وراء الألقاب ومراكز الشرف لزيادة الشهرة الشخصيّة ونيل إعجاب الآخرين. يُعطي الكتاب المقدّس قدراً وافراً من التحذير عن خطر كبرياء البحث عن الذات: “قبل الخيبة الكبرياء، وقبل السقوط تشامخ الروح” (أمثال 16، 18). “الله يكابر المتكبّرين ويُنعم على المتواضعين” (يعقوب 4، 6 وأمثال 3، 24). فكسر يسوع أبواب قلوبهم، وفضحهم أمام الآخرين (متى 23: 1-3)، عن طريق إدانة خطيئتهم الأساسية، وهي فسادهم الخفي (متى23: 27-28)، وذلك أفضل من تركهم يشاطرون مصير الأشرار (متى 24: 51، لوقا 12: 46). لم يتسامح يسوع مع الرياء والمرائين لأنها تضر بهم شخصيا، وبالذين حولهم وبصورة الله التي يمثلونها. حاول يسوع محاولة أخيرة لكي يوقظ المرائين وفتح عيونهم العمياء، هي صرخة الحب الذي لم يستطع ان يفعل شيئا. وهي صرخة تقع في خط اقوال الأنبياء ضد الشعب الذي نقض عهد ربّه ونسي ان يوم الرب آتٍ. وهذه المحاولة ليست المقصود منها الاحتراس من رياء الكتبة والفريسيين بقدر ما هو الامتناع عن التشبُّه بهم. فيحترس التلاميذ وعامة الشعب من هذا النوع من التدين المطبوع بالرياء. ومن هنا جاءت توصيات يسوع في هذا الموضوع.
2) وما هي توصيات المسيح لتلاميذه لتجنب الرياء؟ (متى 23: 10-12)
يعبّر يسوع، بشكل واضح في الآية الختاميّة للمقطع الإنجيلي عن توصياته لتلاميذه والجموع لمقاومة روح الرياء التي يتعرض له كل مسيحي ولاسيما متى كان يقوم بدور الرائد. إن بطرس نفسه لم ينجُ من هذا الخطر، في حادث أنطاكيا، الذي جعله يقع في خلاف مع بولس، فسلكه كان “رياء” (غلاطية 2: 13). وبطرس ذاته يوصى المؤمن بأن يعيش بسيطاً لا كطفل حديث الولادة، عالماً بأن الرياء واقف له بالمرصاد (1 بطرس 1:2-2) أو أنه قد يقوده إلى الارتداد عن الإيمان (1 طيموتاوس 4: 2). لمقاومة الرياء وضع يسوع المسيح قاعدة حياة التلاميذ ومقياس في الاعمال الصالحة والقيادة الدينية، وهي الاخوة والخدمة والتواضع.
التوصية الأولى الاخوة: “أَنتُم جَميعاً إِخوة” (متى 23: 8)
قدم يسوع لتلاميذه قاعدة حياة ما يجب ان تكون عليه روح الاخوّة في الجماعة: لا يأخذ التلميذ محل المسيح، او محل الله، بل هو يعمل عمل التعليم والخدمة في خطى المسيح وباسمه الذي جاء لا ليُخدم بل ليخدم. كما أوصى تلاميذه “َلْيَكُنْ أَكبرُكُم خادِماً لَكم” (متى 23: 11).
يريدنا يسوع أن نكون أخوة بين الأخوة الّذين يعيشون مبدأ الفداء. يجب أن يفدي الأخ الأخ الآخر من الخطيئة ومن الموت مقدّماً (باذلاً) حياته للموت بدافع الحبّ، والمحبّة، والحنان.
التوصية الثانية الخدمة: “لْيَكُنْ أَكبرُكُم خادِماً لَكم” (متى 23: 11)
يسعى الكتبة والفريسيين وراء مراكز القيادة في الشؤون الدينية ايضا. ويصبح هذه خطراً متى أصبحت محبة المراكز أقوى من ولائهم لله، فيسوع لا يعترض على كل قيادة، فنحن بحاجة الى قادة مؤمنين ولكن يعترض يسوع على كل قيادة تخدم ذاتها أكثر مما تخدم الآخرين. “وَلْيَكُنْ أَكبرُكُم خادِماً لَكم” (متى 22: 11).
أوصى يسوع تلاميذه بالخدمة “لْيَكُنْ أَكبرُكُم خادِماً لَكم” (متى 23: 11)، وأشار في هذا المنظور إلى سلّم القيم الجديد: لا تكمن عظمة المسيحي في السيطرة على الآخرين، بل في وضع الإنسان ذاته في خدمتهم. كما أنّ الربّ يسوع تحدّى معايير المجتمع، فالعظمة عنده تأتي من الخدمة، ومن بذل الذات لخدمة الربّ والآخرين. فالخدمة تجعلنا متنبّهين لحاجات الآخرين، وتحفظنا من التركيز على ذواتنا، فقد جاء يسوع ليخدم الآخرين. إن قاعدة الجماعة المسيحيّة هي الخدمة الخالصة بأكبر مستوى من التواضع، ممّا يجعلنا ننطلق من المكان الأخير. يحتّم إيماننا المسيحي على كل من يوجد في مركز رفيع أن يعتبر نفسه نفسه خادماً للربّ، والخدمة تعني الاتضاع والاتضاع يعني الخدمة.
لقد تحدى يسوع المسيح معايير المجتمع، فالعظمة عنده تأتي من الخدمة من البذل من الذات لخدمة الله والآخرين. فالخدمة تجعلنا منتبهين لحاجات الآخرين، وتحفظنا من التركيز على ذواتنا، فقد جاء يسوع ليخدم الاخرين. “هكذا ابنُ الإِنسانِ لم يأتِ لِيُخدَم، بَل لِيَخدُمَ ويَفدِيَ بِنَفسِه جَماعَةَ النَّاس” (متى 20: 28).
التوصية الثالثة التواضع: “من وَضَع نَفسَه رُفِع” (متى 23: 12).
مَن رَفَعَ نَفَسَه وُضِع، ومن وَضَع نَفسَه رُفِع” (متى 23: 12). التواضع هو معرفة الذات على حقيقتها. إن التواضع هو صفة تشبه صفات الخادم، يمكّننا من وضع حياتنا في خدمة الربّ وخدمة القريب. والألقاب لا تزيده القائد المتّواضع إلا شعورًا بالانسحاق وإحساسًا بالمسئوليّة واتّساعًا لقلبه لخدمة الجميع من أجل الرب لا الناس. ولا يعتمد المتواضع على أنفسه، بل يثق في الربّ وبمحبّته ونعمته الخلاصيّة “فمَن وضَعَ نفسَه وصارَ مِثلَ هذا الطِّفل، فذاك هو الأَكبرُ في مَلَكوتِ السَّموات” (متى 18: 4)، فالمتواضعون هم وحدهم، شبيهون بالله بالله، الذين هم أبناؤه كما جاء في تعليم يوحنا الرسول “أَيُّها الأَحِبَّاء نَحنُ مُنذُ الآنَ أَبناءُ الله ولَم يُظهَرْ حتَّى الآن ما سَنَصيرُ إِليه. نَحنُ نَعلَمُ أَنَّنا نُصبِحُ عِندَ ظُهورِه أَشباهَه لأَنَّنا سَنَراه كما هو”(1 يوحنا 3: 2).
وعليه من يبحث عن الله ينبغي أن يهرب من كل رياء ومخاتلة (حكمة 1: 1)، بحيث إن شيئاً لا ينبغي أن يتقاسم قلبه (مزمور 119: 113)، أو يُضلّل نيَّته (1 ملوك 9: 4). فلا اعوجاج في سلوكه (أمثال 10: 9، 28)، ولا في كلامه (سيراخ 5: 9). ولا في نيته (منى 10: 16).
الخلاصة:
إن وقف المسيح من الفريسيين هو نفس موقفه من أي إنسان خاطئ. لقد جاء المسيح لهداية الناس وخلاصهم وفدائهم، وكان يهمّه طبعاً أن يبتعد الفريسيون عن تديّنهم الزائف، وأن يتوبوا عن خطاياهم ويهتمّوا بجوهر الدين لا بالقشور، ويحيوا حياة الإيمان الحقيقي، وتكون حياتهم مثمرة في الإيمان والأعمال الصالحة، بمعنى أن يعيشوا حسب إرادة الله وتعليمه ووصاياه، وأهم من كل شيء أن يدركوا بأن المسيح هو الإله الذي ظهر في الجسد لأجل خلاص البشر، وإنه هو الطريق والحق والحياة، ولا أحد يأتي إلى الآب إلا به (يوحنا 6:14).
يحْمِلُ وصمة الفريسيّة كل من يتستّر وراء قناع البرّ، بقصد إعفاء ذاته من سلوك البر داخلياً في الحياة، أو من الاعتراف أنّه خاطئ، ومن الإصغاء لنداء الله، أو حينما يحبس محبة الله داخل حدود معرفته الدينية الفائقة؛ والفريسيّة تهدّد المسيحية بقدر ما تتقهقر المسيحيّة إلى مستوى التمسّك بالقانونية الجامدة، وتتجاهل السمة العالميّة الشاملة في النعمة.
الدعاء
أيها الآب السماوي، نطلب اليك باسم ابنك يسوع المسيح الذي حذرنا من الرياء، ان تنجينا من روح الرياء والفريسية التي تشوّه كنيستك، وتمنحنا محبة بلا رياء (رومة 12: 9) “ وإيمان بلا رياء (1 طيموتاوس 1: 5) كبرياء وأنانية وخداع وتكبّر على الآخرين، فتكن افعالنا منسجمة مع عقائدنا فيثق بنا الآخرون ونكون مصدر قوة وتشجيع حقيقيَّين لمن حولنا (فيلبي 2: 4) وخدّاما حقيقين للأخوة وننال رضاك أيها إله المحب البشر. آمين