“أتُرى المسيح انقسم؟” (قورنثوس الأولى 1 : 10 – 17)
الأب بيتر مدروس
“أتُرى المسيح انقسم؟” (قورنثوس الأولى 1 : 10 – 17)
يستاء رسول الأمم الإناء المختار بولس من “الأحزاب” في كنيسة قورنثوس، ويستشيط حزناً للتشرذم حول شخصيّات لها قيمتها، استغلّها الضّعف البشريّ للتفتّت. فها أنّ “حَشَم”- أي خدّام – السيّدة “خُلُوَة” Χλοη (وهو اسم عَلَم ولا يعني “الخُلوة” كاسم جنس!) – وكانت سيّدة معروفة محترمة مرموقة- أخبروا بولس – ولم يكن ذاك “نقل كلام” ولا ثرثرة بشر لا عمل لهم – نقلوا إليه أنّ بين القورنثيين المسيحيين انقسامات. كان بعضهم يقول: “أنا لأبولّوس” وهو عالم إسكندريّ اهتدى من ملّة اليهود، وأحسب المتحمّسين له من المتعلّمين القلائل في قورنثوس أُمّ الفساد والجهل والجهالة !
وآخرون كانوا يتشدّقون أنهم انتصروا “لكيفا” أي بطرس – ولعلّهم من المتنصّرين اليهود الّذين كانوا “ليموتوا وخاطرهم في دينهم” الأصليّ. وأقرّ سواهم بأفضال الرسول بولس مبشّر هذه المدينة، فدانوا له بالعرفان أكثر من أقرانهم، ونسبوا إليه أنفسهم معترفين بعبقريّته ونزاهته. وتنصّل آخرون من كلّ حزب وما أرادوا أن يكونوا لا من “جماعة” فلان ولا فلان، فتمسّكوا بالمسيح الرّب رأساً ومرجعاً.
ولا يبدو، لا من نصّ بولس ولا من رسالة البابا اكليمنضوس (إقليموس) الأولى إلى القورنثيين (رقم 48) نحو سنة 95 م أنّ حزباً “للمسيح” تكوّن كفريق مستقلّ بارز. ومهما يكن من أمر، فمع أنّ الخلافات تبدو عاطفيّة أكثر منها عقائديّة، فثائر بولس يثور ويذكّر الكلّ أنّ المسيح واحد، بحيث لا تبرير لأيّ انقسام مهما كانت العواطف والعواصف والميول والذّرائع! وما أشبه اليوم بالأمس! وما أحوجنا إلى توبيخ الرّسول!
كلمات قداسة البابا فرسيس الأوّل حول الانقسام بين المسيحيّين
يصفها الأب الأقدس، من غير دبلوماسيّة ب “المعثرة”. ويصرخ بصراحته المعهودة: “يجدر باسم المسيح أن يوحّدنا لا أن يفرّقنا، فقد أتى ليهدينا لا ليُبلبلنا!” وما اكتفى قداسته بالأقوال الحلوة، بل أيّدها بأجمل ّالمواقف المسكونيّة. منذ اعتلى السّدّة البطرسيّة بكلّ تواضع ونسيان للذّات، أشار إلى نفسه بأنّه “أسقف روما” وهو لقب لا حساسيّة للعالم الأرثوذكسيّ حياله. وما وفّر أيّ جهد ولا مناسبة للدنوّ من أشقّائنا المسيحيين وسائر الموحّدين. وقطعاً لا يعني هذا التقرّب ولا هذه المودّة ولا المحبّة الخالصة موافقة على ما ترفضه الكنيسة الكاثوليكيّة لدى غير الكاثوليك وغير المسيحيّين من معتقدات وممارسات،” “فالمحبّة تفرح بالحقّ” (عن قورنثوس الأولى 13: 6) ويجب “أن نعمل للحقّ في المحبّة” (عن أفسس 4: 15).
انقسامات المسيحيّين عبر التّاريخ
قراءة هذا الأحد من الرسالة الأولى إلى القورنثيّين الفصل الأوّل، و”أسبوع الصّلاة لوحدة المسيحيّين”، مناسبة ثنائيّة لدراسة التّاريخ. ومن المؤسف غياب “تاريخ الكنيسة” عن مناهجنا المسيحيّة والوطنيّة في العديد من أوطاننا. باختصار شديد، ومن غير تحزّب ولا تعصّب، للانقسام بين روما والقسطنطينيّة، “روما الجديدة” (مجمع القسطنطينيّة الأوّل، المادّة 3)، جذور سياسيّة إداريّة، حيث الاختلاف على أولويّة أسقف العاصمة العتيقة أم الحديثة (بيزنطة)، وهل هي أولويّة شرف أم سلطة. ومع أشقّائنا المشرقيّين الأرثوذكس من أشوريين وسريان وأقباط وأرمن وأحباش، زاد الخلاف لسوء فهم بين لفظتَي “طبيعة” و “أقنوم” في المسيح.
ولكنّ ذلك الانقسام الإداريّ من جهة، والذي بدا عقائديّاً من جهة أخرى، رغم الاتّفاق الجوهريّ الذي أُعلن في العقود الأخيرة ، ليس شيئاً إذا ما قوبل بالانشقاقات التي أتت بها حركات الاحتجاج الغربيّة منذ سنة 1520 م – من ألمانيا وفرنسا وسويسرا ولاحقاً الولايات المتّحدة. وقد كتب الأب خسوس أورتال اليسوعيّ بصواب: “إنّ الحركة التي أرادت في الأساس أن تحسّن الكنيسة، وجدت نفسها في آخر المطاف أكبر عامل للتفتّت والتّشتّت بين المسيحيين” (كتابه “ستكون هنالك رعيّة واحدة” – في البرتغاليّة – ص 39 وتابع). وهذا صحيح. فبسبب مبدأ “الكتاب المقدّس فقط”، و”حقّ التّفسير الفرديّ والفحص الشخصي للكتب المقدّسة” (بخلاف 2 بطرس 1 : 10)، تعدّدت الانقسامات وتكاثرت الانشقاقات إلى عشرات الآلاف من الطّوائف التي لا تقع تحت حصر ، وكان قد شكا مارتين لوثير نفسه من ذلك التّشرذم الّذي أذهله انطلاقاً من مبادئه نفسها، على حسن نيّته (طبعة يانسن، المجلّد الثّاني، ص 412 ، والثّالث ص 23).
يلزمنا في الشّرق تواضع أكبر فنكفّ أن نتشاجر (أو أن “نتشارع” كما تقول الّلهجة اللبنانيّة) حول “مَن هو الأكبر”. وتضع النّزاهة وروح الفقر حدّاً كبيراً للطوائف الكثيرة التي تنشأ خصوصاً في الولايات المتّحدة – “رغبةً في مكسب”. وبصراحة لولا المال لما تبع كثير من “أبنائنا” الكاثوليك والأرثوذكس مجموعات حديثة محدثة مستحدثة، وشعار “جماعتنا” قول ابن رعيّتنا الفاضل (!):” يا ابونا إدعمونا وإلاّ بتفقدونا ما بتلاقونا!”
نعم، يلزم أبناءنا دِين من غير طحين واستمرار من غير الدولار. ونسأل الله أن يخفّف أعداد “تجّار الدين” الذين يفتحون “دكاكين” هي إلى صفات يهوذا الأسخريوطيّ – لا خصال الرسل والإنجيليين – أقرب. ولتكفّ بنعمة الله جاذبيّة “الثلاثين من الفضّة” في الغرب، و”جنون العظمة” في الشّرق!