عظة الجبل

البطريرك بيتسابالا

متّى ٥، ١٣– ١٦
نستمع، في هذه الآحاد ، إلى “عظة الجبل“، الموجودة في الفصول ٥ – ٧ من بشارة متّى. سمعنا يسوع في الأحد الماضي يُعلن التطويبات الإنجيليّة. واليوم نقرأ المقطع الّذي يدعونا أن نكون نورًا وملحاً، وسوف يُحدّثنا يسوع مرة أخرى، في الأحد القادم، عن البِرّ الجديد الّذي يجب أن يُحرّك التلاميذ (متّى ٥، ١٧–٣٧).
يُعطينا هذا الترتيب وهذه البنية في خطاب يسوع دلالة مُعيّنة: لا يقول لنا يسوع، كما هو منطقيّ، أنّه يجب أن نتصرّف بشكل مُغاير لسلوك الآخرين، كي نكون ملحا ونورا، وبالتالي كي نكون من المطوّبين. بمعنى أنه لا يوجد هناك ما قبل وما بعد. لا يقول أنه يجب التصرّف أوّلاً بشكلّ صالح، وبالتالي، سنكون نورا وملحا، وندخل في عداد المُطوّبين. يسوع يعكس بسرعة هذا المنطق المُتجذّر فينا بشكل عميق، ويُعلن أنّ ملكوت السموات له أسلوبه الخاص. إنّ ملكوت السموات، في المقام الأوّل، هو حياة جديدة تماماً، واللقاء مع المسيح يُقدّم للجميع مجاناً، وبشكل خاص لمن لا يستحقّه بموجب المعايير البشريّة. وهو لا ينشأ من قرار خاصّ بالإرادة ولا نتيجة جهد بشريّ. إنّه لقاء مع المسيح يُغيّر الحياة، أحياناً بشكل بطيء وأحياناً بشكل فُجائي. فإذا بقينا مُتّحدين به، وإذا سمحنا لروحه أن يعمل فينا، فسوف نكتشف وجود حياة أخرى جديدة فينا، حياة تختلف عن الحياة السابقة.
إذا تركنا الإنسان العتيق يموت فينا، وكذلك البرّ القديم، فسوف نكتشف حينها أنّنا سعداء ومطوّبين، ونتخلّى بعدها عن التفكير بالردّ على الشرّ بالشرّ، وعن ازدراء الآخرين، وعن الدفاع عن أنفسنا في كلّ فرصة ممكنة. وعلى العكس من ذلك، فإنّنا نعيش في منطق الفصح، وفي الحياة الّتي نجدها بعد أن فقدناها.
إنّ يسوع هو نور العالم (يوحنّا ٨، ١٢؛ أشعيا ٤٢؛ ٦، ٤٩، ٦). ولكن الآن يتمّ نقل دوره إلى تلاميذه (راجع أعمال ١٣، ٤٧). يقول لنا يسوع اليوم أنّه عندما ندع حياته تحيا فينا، نكون حينها نورا وملحا. حتّى أفعالنا، وفقاً لذلك، سوف تُصبح جديدة، لأنّها سوف تولّد حياة جديدة. وهذا ما سوف نراه يوم الأحد القادم.
يهتمّ اليوم يسوع بأن يخبرنا كيف يجب أن نكون. يدعونا إلى أن نكون قادرين، من خلال حضورنا، على تطوير الآخرين وجعل الحياة تنمو فيهم.
إنّ الملح والنور هما عنصران لا يفيدان أنفسهما: فلا يُنير النور نفسه، والملح لا يملّح ذاته. نحن لا نرى النور، ولكنه العنصر الّذي يتيح لنا أن نرى. والملح، كي يمارس عمله وتأثيره، ينبغي أن يذوب وأن يُصبح غير مرئيّ. باختصار، لا يمكننا رؤية الضوء ولا أكل الملح وحده. إنّهما عنصران ذوا “علاقة“، لا يُحقّقان معنى وجودهما إلا بإعطاء أنفسهما للآخرين. يسمح النور لأولئك الموجودين في الظلام بأن يرَوا؛ والملح يضفي على الطعام أفضل نكهة.
وهكذا، يمكننا القول أنّ الّذي يجد في نفسه حياة الربّ، ومن يقرّ بحضوره وبمحبّته في حياته الشخصيّة يُصبح تلقائيا عطيّة للآخرين، دون القيام بأيّ شيء آخر. وبذلك يقدر الانسان، دون فرض ذاته، ودون إشعار الآخرين بنقص فيهم، أن يساعدهم على الإقرار بوجود حياة الآب واختبار محبّته.
وهذا لا ينطبق على الأصدقاء والمقربين والأهل وحسب. يقول يسوع أنّنا ملح الأرض ونور العالم (متّى ٥، ١٣–١٤): لكل الأرض وللعالم أجمع.
كلّ من اكتشف وجهه الخاص – والّذي هو صورة وجه المسيح – يُصبح خميرة لحياة جديدة تتجاوز ما يستطيع هو نفسه التفكير فيه؛ ويأتي بنتائج ديناميكية غير متوقّعة، كسلسلة من ردود الفعل، على غرار “تأثير الدومينو“. وهذا يتم لأنّ الحياة، عندما تكون حقيقيّة، تلد حياة جديدة. هذا الدرس نجده لدى العديد من القدّيسين على امتداد تاريخ الكنيسة.
كيف يحدث هذا؟ “يرون أعمالكم الصالحة، فيُمجّدوا أباكم الّذي في السموات” (متّى ٥، ١٦).
تتجلّى هذه الحياة الجديدة في لفتات جديدة، أي في “الأعمال” الغالية على قلب البشير متّى. والغرض من مثل هذه “الأعمال الصالحة” ليس استعراض فضائلنا، بل توجيه انتباهنا نحو الربّ الّذي ألهمنا إياها (“فيُمجّدوا أباكم الّذي في السموات“، آية ١٦). وبعمل هذا نُصبح نوراً للجميع (راجع فيلبّي ٢، ١٥).
وفي الختام، يُحذّرنا يسوع من خطر محتمل: خطر أن يفسد الملح وأن يفقد مذاقه (متّى ٥، ١٣)، وأن يرغب النور في أن يبقى “مخفيّاً” (متّى ٥، ١٥). تصوروا ماذا يحدث لو توقّف السراج عن الإنارة خوفاً من فقدان نوره. سيكون عديم الفائدة ولن يخدم أيّ غرض كان. وتصوروا ماذا يحدث لو توقّف الملح عن التمليح خوفاً من الذوبان. سيضحي عديم الفائدة ولن يخدم أيّ غرض كان. هكذا يصبح هذان العنصران عقيمين.
وإذا كان التلميذ يحتفظ بحياته لنفسه، خوفاً من فقدانها، فلن يستطيع أن يلد حياة أخرى، بل هو نفسه يموت.
لهذا، من المثير للاهتمام أن نتوقّف لحظة عند العبارة الّتي تعني “فقدان النكهة” (باليونانية كلمة moraino ). لا تتكرّر هذه العبارة في العهد الجديد سوى أربع مرّات: في المقطع الإنجيلي لهذا اليوم، وفي المقطع الموازي له في بشارة القدّيس لوقا (لوقا ١٤، ٣٤)، وفي بداية الرسالة إلى أهل روما (روما ١، ٢٢) وفي بداية الرسالة الأولى إلى أهل كورنثوس (١ كورنثوس ١، ٢٠). وفي المقطعين الأخيرين، تُشير العبارة إلى شخص ما يظنّ نفسه حكيماً (حرفيا مُملّح وذو نكهة)، بينما هو ، في منطق الربّ، أحمق. يظنّ أنّه حكيم لأنّه يوهم نفسه بأنّه يستطيع أن يُخلّص نفسه بنفسه، وهذا بالتحديد حماقة كبيرة.
فلنطلب من الربّ أن يُخلّصنا من خوف فقدان الحياة، الّذي هو السبب الحقيقي لكلّ شعور بالوحدة، وأن يمنحنا الحكمة الإنجيليّة، الّتي تشعّ في العالم نور الآب وتجعلنا نتذوق نكهة الملكوت السماوي.
+ بييرباتيستا بيتسابالّا