“أنت الآتي، أم آخر ننتظر؟ ” ( متى ١١: ٣)

البطريرك بيتسابالا

المقطع الإنجيلي الذي استمعنا إليه يختتم الفصل الحادي عشر من بشارة متى: وهو الفصل الّذي يبدأ بتساؤل يوحنا المعمدان من السجن: “أنت الآتي، أم آخر ننتظر؟ ” ( متى ١١: ٣)، ويتضمن إدانتين قاسيتين وردتا على لسان يسوع.
الإدانة الأولى (متّى ١١، ١٦– ١٩) موجّهة إلى “هذا الجيل“، الّذي لم يقبل المعمدان ولا الربّ، ويتذرّع في كلتا الحالتين بسلسلة من الذرائع الّتي تخفي، في واقع الأمر، عدم القدرة على المشاركة والقبول. والإدانة الثانية موجّهة، بشكل أكثر تحديدا، إلى مدينتين تقعان على البحيرة، هما كورازين وبيت صيدا. لقد رأتا بأم أعينهما معجزات مختلفة ليسوع، ولكنهما لم تتوبا (متى ٢٠: ١١–٢٤)
ولكن ماذا كان يتوجب عليهما القيام به كي تتوبا؟
هذا ما نكتشفه في المقطع الإنجيلي لهذا الأحد، حيث نجد أنفسنا أمام اندهاش يسوع: فكما تعجّب من عدم قدرة هذا الجيل على التوبة، والدخول في أسلوب حياة جديدة، هكذا يُظهر الان إعجابه بالآب، ويحمده.
بالطبع لا يحمده على الرفض الّذي كان قد واجهه.
يحمده، ويندهش لأجل أسلوب الآب، الّذي يخفي نفسه عن الكبار والحكماء وأصحاب العلم، ويكشف نفسه للفقراء وللصغار. إنّه لا يِغيّر حياتهم بشكل لافت للنظر: فالصغار يظلّون صغارأً، والفقراء لا يصبحون أغنياء، إلا أنهم يدخلون في علاقة يُعطوْن فيها “كلّ” ما يعطيه الآب للابن.
لكن ما هو هذا “الكلّ“؟
“الكلّ” هو الأمر الأساسي. في حادثة تجربة يسوع في البرّية (متّى ٤: ١–١١)، حتّى الشيطان كان قد وعد يسوع بإعطائه كلّ شيء (متّى ٩: ٤)؛ ولكن يسوع يعرف أنّ هذا الكلّ هو كلا شيء، اذا لم يقوّ ويحفّز العلاقة مع الآب. إنّ هذه العلاقة هي “الكلّ” الحقيقي.
وهكذا يتوقّف يسوع ويتأمّل في هذه العطيّة الرائعة بإعجاب كامل: “قد سلّمني أبي كل شيء، فما من أحد يعرف الابن إلا الآب، ولا من أحد يعرف الآب إلا الابن ومن شاء الابن أن يكشفه له” (متّى ١١: ٢٧).
حسناً، هذا يعني أنّ ربّ السماء والأرض (متّى ١١: ٢٥)، قد قرّر أن يكشف عن ذاته وأن يهب نفسه كلّياً، وهو يفعل هذا فقط مع من يقبله، ومع من لا يدّعي معرفته اعتمادا على قواه الذاتيّة، وعلى أبحاثه وجهوده الخاصّة، وعلى مهاراته الشخصيّة. ولا ننسى أن الشيطان كان قد طالب ثمناً مقابل هذا “الكلّ“.
إنّ الفقراء هم أولئك الّذين لا يملكون أيّ شيء لتقديمه مقابل ما يحصلون عليه. هم يحصلون على الحياة مجانا. وأوّل من عاش بهذه الطريقة، أوّل الفقراء، هو يسوع نفسه. يضع نفسه في وضع القبول التامّ والإصغاء والثقة: إنّه منفتح على الآب تماماً (يوحنّا ١: ١)، وهو أوّل من خاض تجربة حياة ممنوحة تماماً، حياة يملأها حضور الآب.
لذلك، تقوم التوبة على وضع الذات في حالة إصغاء وتنبه لعلاقة خاصّة، تربط بين يسوع والآب. في تواصلهما، وفي حوارهما المستمر، نجد حكمة حياة جديدة.
بعيداً عن هذا، لا يوجد هناك سوى الثقل والتعب (متّى ١١: ٢٨): وليس المقصود هنا الإرهاق المعتاد الّذي تقدّمه الحياة للجميع، بل هو تعب العيش الّذي نختبر وجوده داخلنا عندما نكون وحيدين، وعندما نُخرج أنفسنا بعيداً عن حوار الحبّ هذا، وعندما نتوقّف عن الإصغاء إلى الآب، الّذي كشف عن نفسه كلّياً في الإبن (“قد سلّمني أبي كلّ شيء“). فإذا استمعنا إلى غير هذا، وإذا ادعينا وجود طريق بديل داخلنا، فإنّ الفشل سوف يجعلنا أشخاصاً متعبين باستمرار.
يعرض يسوع، في وسط هذا التعب، اقتراحاً: “تعلموا منّي انا وديع ومتواضع القلب” (متى ١١: ٢٩). ترد صفة “وديع“، في العهد الجديد في بشارة متى بشكل حصري تقريبا ، حيث تُكرّر ثلاث مرّات: في التطويبات (٥: ٥)، وفي المقطع الّذي استمعنا إليه اليوم، وعند نهاية البشارة تقريباً، عندما يدخل يسوع القدس (متّى ٢١: ٥).
وهكذا يمكن القول أنّ الوديع هو ذاك الّذي يضع نفسه ً في وضع الإصغاء إلى كلمة الحبّ والرحمة الخاصّة بالآب، ويتّخذها كلمة خاصّة به، والّذي ينبذ كل أشكال العنف والقوّة، ويتكل في كلّ شيء على كلمة ذاك الّذي يمنح كلّ شيء. ويفعل ذلك على حساب حياته، ويدفع الثمن في شخصه، على مثال يسوع، الّذي يدخل إلى أورشليم من أجل أن يبذل نفسه حتّى النهاية: فهو الوديع الحقيقي بامتياز.
يقول يسوع أنّ هذه الوداعة يتمّ “تعلّمها“: لا يتم اكتسابها مرّة واحدة وإلى الأبد، بل إنّها تتطلّب التعلّم المتواضع والمستمرّ، وتتطلّب تنشئة القلب. على ضوء ذلك يمكننا قراءة تساؤل يوحنّا من السجن الّذي يبدأ به الفصل الحادي عشر: “أأنت…؟” (متّى ١١: ٣).
أمام انتظار يوحنّا لمسيح قويّ منتصر بارّ، يشير يسوع إلى أعمال وديعة للمسيح، وبذلك يكشف عن الآب وعن سرّه. ويدعو إلى التوبة، الّتي لن تكون، بالنسبة ليوحنّا وبالنسبة لنا، سوى ارتدادا وتحولا إلى وداعة وتواضع الربّ.
+ بييرباتيستا