وداعة المسيح المليك وتواضعه

الأب بيتر مدروس

يقدّم الطّقس اللاتيني هذا الأحد قراءات مؤثّرة ، وفي أوّل اثنتين منهما ، يرد ذكر المدينة المقدسة كمركز للأحداث. في نبوءة زكريا 9 : 9 وتابع :”إفرحي يا بنت اورشالم (أي المدينة ذاتها) ، ها إنّ ملكك يأتي إليك وديعاً مخلّصاً متواضعاً راكباً حماراً وجحشاً ابن أتان”. يرمز الحمار إلى السلام والدّعة والدخول الاحتفالي العائلي بوداعة (عن تكوين 49 : 11 ، ثم 1 (3) ملوك 1 : 33) ، أكثر منه إلى التواضع ، في حين أنّ الخيل يُشير إلى الحرب والعنف والقوّة (خروج 18 : 9 ـ حزقيال 1 : 7 – 11).

يملك المَشياح المنتظر بالوداعة والسّلم والّلطف ، من البحر المتوسط إلى الخليج العربيّ ، وإلى أقاصي الأرض. كلّ يوم نصلّي : “ليأتِ ملكوتك”. ويستهلّ الطقس البيزنطي بالدعاء والتسبيح :”مباركة مملكة الاله الواحد وكلمته وروحه ، الآن وكلّ آن وإلى دهر الدهور ، آمين!”

في الرسالة إلى أهل رومية (8 : 9 وتابع) يكتب القديس بولس رسول الأمم عن القيامة السيّدية أنّها أيضاً انتصار في الجسد على الخطيئة والشر! وعليه ، لا يجدر باللحم أن يحكم المؤمنين والمؤمنات. بما أنّ روح الله يحلّ فيهم ، يجب أن يكون فيهم “روح المسيح” هذا ، وإلاّ ما كانوا مسيحيين حقيقيّين! وهذا الروح الذي بقوّته قام السيّد المسيح من بين الأموات “سيُحيي أجسادهم المائتة الفانية” .

الانسان القديم ، مع أنّه كان ملكاً على سائر المخلوقات ، عصى ربّه وباع نفسه للخطيئة وأمسى عبداً خاضعاً للنزوات ولسطان الموت المرّ. السيّد المسيح هو آدم الجديد في أورشالم الجديدة المحرّرة غلب الكبرياء والنزوة والغرور والأنانية التي تسبّب الموت والهلاك.

إنجيل هذا الاحد (متّى 11 : 25 – 30) يعود إلى موضوع وداعة المسيح المليك وتواضعه، وهما سببان وجيهان “كي يصبح الناس تلاميذه” ويحذوا حذوه. لا يفرض السيّد المسيح وصاياه بل يقدّمها – لا يُكره أحداً بل يقُنع. بصراحة ، نفكّر أحياناً أنّ “نيره ليس لطيفاً وأنّ حمله ليس خفيفا”! ترفض طبيعتنا البشرية الممزوج فيها الضعف مع الخبث – ترفض الواجب والتضحية و”الصليب”. الواجبات عليها ثقيلة في حين تُطالب دوماً بحقوقها وتبقى إذا ظُلمت أو لم تظلم ، إذا رُزقت أم لم تُرزَق ، شاكية باكية. تُفضّل طبيعتنا الجهد الأقلّ والسعي وراء المصالح الفرديّة والفئويّة. تتخيّل أنّه على البشر أن يلغوا غيرهم كي يفرضوا أنفسهم ، وأنّه يجوز لهم بل يجب عليهم أن يقتلوا سواهم لكي يحيوا هم!

حتّى لو كان الصليب والنير والواجب ثقيلة على كواهلنا البشريّة ، يأتي الحب كما يقول القدّيس أوغسطينوس ليخفّف الوزر ويقلّل من وطأة النير :”حيثما المحبّة فلا تعب ، وحتّى إذا وُجد تعب، فإنّ التعب نفسه يُحَبّ” ، بما أنّ “محبّة المسيح تأخذ بمجامع قلوبنا “(عن قورنثوس الثانية 5 : 14). والفعل اليوناني “سينيخيه” يعني : يضغط ، يحوي ، يضمّ . إنّه حبّ السيّد المسيح لنا الذي يقيمنا من خطايانا ومن موتنا ، وهو حبّنا للسيّد المسيح ، وهي محبّة تمنحنا الفرح والسّعادة والدّعة والسلام!