تأملات آباء الكنيسة حول الخوف ومخافة الله

آباء الكنيسة

شعر رؤوسكم نفسه معدود بأجمعه القدّيس رافاييل أرناييز بارون (1911 – 1938)
كتابات روحيّة بتاريخ 11/08/1934

“شَعَرُ رؤوسِكم نَفسُهُ مَعدودٌ بِأَجمَعِه. فلا تخافوا”
إنّ الله قد سمح بأنّ أحمِل الصّليب… فليكن مباركًا لأنّه وكما قال أيّوب: “أَنَقبَلُ الخَيرَ مِنَ اللهِ ولا نَقبَلُ مِنه الشَّرّ؟” (أي2: 10). إنّ كلّ شيء يأتي منه: الصّحة كما المرض والخيرات الزمنيّة كما المِحَن والتّجارب؛ كلّ شيء دون استثناء هو مُرَتّبٌ بطريقة مٌثلى. إن انتفضت الخليقة في بعض الأحيان ضدّ مُخَطَّط الله، فإنّها تقترف خطيئة، لأنّ كل الأمور هي ضروريّة وكلّها مُرتّبة ترتيبًا جيّدًا، والضّحك ضروريّ كما البكاء. يمكننا أن نستفيد من كلّ شيء في سبيل كمالنا، شرط أن نرى بعين الإيمان، عمل الله في كلّ شيء وأن نبقى – كالأطفال- مستسلمين بين يديّ الآب. فإلى أين سنذهب لوحدنا من دونه؟
لا أسعى هنا إلى الانسلاخ عن المشاعر (الّتي تسبّبها لي مِحَني)، وهذا أمرٌ أكيد؛ إنّما ما يريده الله هو أن يجعل هذه المشاعر تكتمل فيّ. من أجل ذلك، هو يأخذني هنا وهناك، كما يفعل بلعبة، ويجعلني أترك في كلّ مكان قطعة من قلبي. إنّ الله عظيم ويُتِمُّ كلّ شيء بكمال! آه كم يحبّني، وكم في المقابل أبادله الشرّ! إنّ عنايته الإلهيّة غير محدودة، وعلينا الاتّكال عليها بدون تردّد.
…………………
مخافة الله في كتابات القديس هيلاريوس الأسقف (315-367)
في مخافة الله الحقيقية
“طُوبَى لِجَمِيعِ الَّذِينَ يَتَّقُونَ الرَّبَّ، وَفِي سُبُلِهِ يَسِيرُونَ” (مزمور 127: 1). كلّما وردَ الكلامُ في الكتابِ المقدَّسِ على مخافةِ الله، يجبُ أن نلاحظَ أنَّ الكلامَ لا يبقى محصورًا على المخافةِ وحدَها، وكأنّها تَكفِي لكمالِ إيمانِنا، بل يُضافُ إليها أو يَسبِقُها أُمورٌ كثيرةٌ تُكمِّلُ معنى المخافةِ وتُتمِّمُها. ونعرفُ ذلك مثلاً ممّا جاءَ في سفرِ أمثالِ سليمان حيث قال: “إن نَادَيْتَ الفِطنَةَ، وَأطلَقْتَ إلَى الفَهمِ صَوتَكَ، إنِ ٱلتَمَسْتَهُ كَالفِضَّةِ وَبَحَثْتَ عَنهُ كَالدَّفَائِنِ، فَحِينَئِذٍ تَفطَنُ لِمَخَافَةِ الرَّبِّ” (أمثال 2: 3- 5).
إنّنا نرى هنا أُمورًا كثيرةً سبقَتْ، حتى وصَلْنا إلى مخافةِ الله.
يجبُ أوَّلاً 1) الإِبتهالُ إلى الحكمة. ثم 2) يُفوَّضُ العقلُ للنظرِ في الأمر. ثم 3) يجبُ البحثُ والتعمُّقُ في الحكمة. وبعدَ ذلك 4) يمكنُنا أن نُدرِكَ مخافةَ الله. وأمَّا بحسبِ طريقةِ المعرفةِ العامّةِ للفَهمِ البشريِّ فلا يُرَى الأمرُ كذلك في ما يختصُّ بالمخافة.
فالخوفُ هو ٱرتعاشٌ ناجمٌ عن ضعفِ الإنسانِ الذي يخشى دائمًا أن يُصيبَه ما لا يُريد. يتنبَّهُ هذا الخوفُ فينا ويثورُ عندما نُحِسُّ بخطإ فينا، أو حينَ نواجِهُ مَن هو أرفعُ مِنّا، أو إذا هاجمَنا قويٌّ، أو تعرَّضْنا لمرضٍ، أو واجَهَنا حيوانٌ مفترسٌ، أو أيُّ هوًى شِرِّير.
ليسَتْ هذه هي المخافةَ التي نعلّمُها، إنما ينجُم هذا الخوفُ من عَجزٍ في الطبيعة. ولا حاجةَ لأن نتعلَّمَ ما يَجِبُ أَنْ نَخافَ مِنه، لأنَّ الأُمورَ المُرعِبَةَ تَصُبُّ تِلقائيًّا رُعبَها فينا.
وأمّا عَن مخافةِ اللهِ فقد كُتِب: “هَلُمُّوا، أيُّهَا البَنُون، وَلِي ٱستَمِعُوا، مَخَافَةَ الرَّبِّ أُعَلِّمُكُم” (مزمور 33: 12). فما يجبُ أن نتعلَّمَه هو مخافةُ الله. ولا نتعلَّمُ بالرُّعبِ بل بالمَعرِفَة. وهذِه المَعرِفَةُ لا تَبدأُ بٱرتعاشٍ في الطبيعةِ، بل 1) بالمُحافظةِ على الوصايا 2) وبأعمالِ السِّيرَةِ الحَسَنَةِ 3) وبِمَعرِفَةِ الحَقيقَة.
وتقومُ مخافةُ اللهِ في نظَرِنا بمحبَّةِ الله، والمحبَّةُ الكاملةُ تكمِّلُ المخافة. وتقومُ محبَّتُنا بما هو خاصٌّ بها، أي 1) بالإصغاءِ إلى التَّنبيهات، 2) وبالطاعةِ للأوامر، 3) والثقةِ بمواعدِ الله.
وَلْنَستمِعْ إلى الكِتابِ يقول: “وَالآنَ، يَا إسرَائِيلُ، مَا الَّذِي يَطلُبُهُ مِنكَ الرَّبُّ إلَهُكَ إلا أن تَتَّقَيَ الرَّبَّ إلَهَكَ سَائِرًا فِي جَمِيعِ طُرُقِهِ وَمُحِبًّا إيَّاهُ، وَعَابِدًا الرَّبَّ إلَهَكَ بِكُلِّ قَلبِكَ وَكُلِّ نَفسِكَ، لِكَي تُصِيبَ خَيرًا” (تثنية 10: 12).
إنَّ طُرُقَ الرَّبِّ كثيرة، مع أنَّه هو نَفْسُه الطَّريق. فعندما يتكلَّم على نفسِه يُسمِّي نفسَه الطَّريق، ويُبيِّنُ لماذا يُسمِّي نَفْسَه الطَّريقَ حينَ يقول: “لا يَمضِي أحَدٌ إلَى الآبِ إلاَّ بِي” (يوحنا 14: 6).
يَجِبُ أَنْ نُميِّزَ بينَ الطُّرُقِ الكثيرة، ونَبْحَثَ في أُمورٍ شتَّى، حتَّى نَجِدَ الطَّريقَ الواحِدَةَ الصَّالِحَة. وبَعدَ البَحثِ والتَّفكيِر في كافّةِ العِلَلِ والأَسبابِ نجِدُ الطَّريقَ المؤدّيةَ إلى الحياةِ الأبديّة. هُناكَ طُرُقٌ بِحَسَبِ الشَّريعَة، وطُرُقٌ بِحَسَبِ النُبُوّة، وطُرُقٌ بِحَسَبِ الأَناجيل، وطُرُقٌ بِحَسَبِ الرُّسُل، وطُرُقٌ بِحَسَبِ العَمَلِ بالوصايا، وطوبى لِمَن يَسيرُ فيها بِمَخافةِ الله.
…………………

ثقوا أنا هو لا تخافوا القدّيس فرنسيس دي سال (1567 – 1622)
«ثِقوا. أَنا هو، لا تَخافوا»
إنَّ لكلِّ السّفن بوصلة تدلّ إبرتها الممغنطة دائمًا إلى النّجم القطبي وكيفما ٱتّجهت السّفينة فإنَّ إبرة البوصلة لا تنفك تشير إلى ٱتجاه الشّمال.
هكذا، فإنَّ نفسنا تنظر دائمًا إلى خالقها الّذي يشكّل “ٱتجاه الشّمال” بالنّسبَةِ لها… فإذا أردتم أن تركبوا بحر هذا العالم الهائج فلا تغيّروا من أجل ذلك لا شِراعًا ولا سارِيَةً ولا مِرساة ولا ريحًا. إِتَّخِذوا الرَّبَّ يسوع المسيح لكم كهدف وليكن صليبه سارية سفينتكم وعلى هذا الصّليب تنشرون قراراتكم كما لو كانت هي الشّراع؛ ولتكن مرساتكم الثقة العميقة به وٱنطلقوا في السّاعة المناسبة. ولتنفخ ريح الإلهامات السّماوية على الدّوام في شراع مركبكم لتوصلكم بسعادة إلى مرفأ الحياة الأبديّة…
فلو ٱنقلب كلّ شيء رأسًا على عقب، ولا أقول هذا عن الأشياء الّتي تحيط بنا فقط، إنَّما أتكلّم عمّا في داخلنا أيضًا أعني إذا كانت نفسنا حزينة أو سعيدة، تعيش بسلام أو تعيش بٱضطراب، أو كانت في النّور أو الظَّلام، في التَّجربَة أم في الرَّاحَة…. في كلِّ تلك الأحوال يجبُ أن نوجّه قلبنا ونفسنا وإرادتنا (التّي تشكّل هي بوصلتنا) نحو حبِّ اللهِ بشكلٍ دائِم.
…………………

لا تخف والطوباويّ يوحنّا هنري نِيومَن (1801 – 1890)
عظة بعنوان: “عناية إلهيّة خاصّة كما كشفها الإنجيل”
«لا تَخَفْ! »
إنّ الله ينظر إليك، أيًّا تكن. هو يدعوك بٱسمك. هو يراك ويفهمك، هو الذي خلقكَ. كلّ ما هو موجود فيك، هو يعرفه: كلّ مشاعرك وأفكارك الخاصّة، وميولك، وذوقك، وقوّتك وضعفك. هو يراك في أيّام فرحك كما في أيّام بؤسك؛ هو يشاركك آمالك وتجاربك؛ هو يبالي بقلقك وبذكرياتك، بٱندفاعاتك وبيأس روحك؛ لقد عدّ شعرك… هو يغمرك بذراعيه ويدعمك؛ هو يرفعك ويريحك. هو يتأمّل وجهك، في الابتسامة وفي البكاء، في الصحة وفي المرض. هو ينظر إلى يديك ورجليك بحنان، هو يسمع صوتك ودقّات قلبِكَ وحتّى نفَسَك…
أنتَ إنسان ٱفتُدِي وخُلّص، ابنه بالتبني؛ لقد وهَبَك جزءًا من هذا المجد وهذه البركة المنبثقين أزليًّا من الآب والابن الوحيد. لقد تمّ ٱختيارك لتكون له… مَن هو الإنسان، ما أنا، ليقلق ابن الله بشأني إلى هذا الحد؟ ما أنا… ليرفعني إلى طبيعة الملاك، وليحوّل المادّة الأصليّة لنَفْسي وليعيد تكويني، أنا الخاطئ منذ طفولتي؟ ما أنا… ليجعل من قلبي مسكنًا له، ومنّي هيكله؟
(المراجع البيبليّة: يو10: 3؛ مت 10: 30؛ مز 8: 5؛ تك 8: 21؛ مز 51[50]: 7؛ 1قور 3: 16)