الإنباء بصليب يسوع وبصليب أتباعه (متى 16: 21-27)

الأب لويس حزبون

يُسلط إنجيل الاحد الأضواء على إنباء يسوع بآلامه لأول مرة، ويطلب من تلاميذه ان يكونوا له شركاء في آلام صليبه كي يكونوا شركاء في قيامته ومجده (متى 16: 21-27). ومن هنا تكمن اهمية البحث في وقائع النص وتطبيقاته.
أولا: وقائع النص الانجيلي (متى 16: 21-27)
21وبَدأَ يسوعُ مِن ذلِكَ الحينِ يُظهِرُ لِتَلاميذِه أَنَّه يَجِبُ علَيهِ أَن يَذهَبَ إِلى أُورَشَليم ويُعانِيَ آلاماً شَديدة مِنَ الشُّيوخِ وعُظَماءِ الكَهَنَةِ والكَتَبَة ويُقتَلَ ويقومَ في اليومِ الثَّالث.
تشير عبارة ” مِن ذلِكَ الحينِ ” الى تحديد نقطة فاصلة. فقد حدَّد يسوع للمرة الأولى إعلان ملكوت السماوات ” وبَدَأَ يسوعُ مِن ذلك الحِين يُنادي فيَقول: ((تُوبوا، قدِ اقتَربَ مَلكوتُ السَّمَوات ” (متى 4: 17)، وهنا يحدد تأكيده، من جديد لموته وقيامته. فقد أعلن فيها يسوع رسميا ما سيعانيه ابن الانسان في اورشليم من المٍ وعذابٍ وظلم واضطهاد، وذلك بعد اعتراف بطرس بألوهية المسيح، وعندما أصبح ايمان التلاميذ ثابتاً وكافيا. فاتخذت خدمة يسوع مظهرا مختلفا حيث سعى يسوع لإعداد أتباعه للآلام التي تنتظره؛ اما عبارة “يُظهِرُ لِتَلاميذِه” فتشير الى التنبّؤ عن آلامه الخلاصيّة، سرّ دعوته ورسالته لتلاميذه. اما عبارة ” يَجِبُ علَيهِ ” فتوحي بالتقييد وانعدام الحرية لكنها هنا تشير الى الإرادة الإلهية حيث يواصل يسوع سيره بطاعة حرة نحو اورشليم لتحقيق مخطط محبة الآب وذلك ببذل نفسه لخلاص الانسان بالموت وبشهادة دمه على الصليب” كما جاء في خطبة اسطفانس لليهود ” أَيّاً مِنَ الأَنبِياءِ لم يَضطَهِدْهُ آباؤكم، فقَد قتَلوا الَّذينَ أَنبَأُوا بِمَجِيءِ البارِّ ولَه أَصبَحتُم أنتُمُ الآنَ خَوَنَةً وقَتَلَة”(أعمال الرسل 7: 52). يسوع يسير الى مصيره تنفيذا لمشيئة الله وتحقيقا للخلاص الذي لا يقوى عليه أحد سواه. لكن التلاميذ لم يدركوا هدف يسوع بسبب ظنِّهم ان المسيح المنتظر هو مسيح سياسي. ومن هذا المنطلق نستنتج أن آلام يسوع لم تكن حدثا طارئا او صدفة ولا مصيرا محتوما، انما هو مخطط الله الذي يحققه يسوع بطاعته لمشيئة الله في هذه الآلام لأجل خلاص البشر. اما عبارة ” أُورَشَليم ” فتشير الى مدينة قاتلة الأنبياء، تلك المدينة التي رفضت خلاصها كما جاء إنذار يسوع “أورَشَليم أُورَشَليم، يا قاتِلَةَ الأَنبياءِ وراجِمةَ المُرسَلينَ إِليها! كَم مَرَّةٍ أَرَدتُ أَن أَجمَعَ أَبناءَكِ كَما تَجمَعُ الدَّجاجَةُ فِراخَها تَحتَ جَناحَيْها! فلَم تُريدوا. (لوقا 13: 34). إنها مدينة آلامه وموته وقيامته. اما عبارة “يُعانِيَ آلاماً شَديدة ” فتشير الى اول الإنباء من ثلاث إنباءات حيث أنبا المسيح بموته وقيامته في طريق صعوده الى اورشليم. (17/ 22، 23؛ 20/18)؛ وفي الانباء الثالث هناك تفاصيل أدق مما ورد في الإنباءين الاولين، وهي دور الوثنيين، والسخرية والجلد والصلب كما ورد في انجيل متى “ها نَحنُ صاعِدونَ إِلى أُورَشَليم، فابنُ الإِنسانِ يُسلَمُ إِلى عُظَماءِ الكَهَنَةِ والكَتَبة، فيَحكُمونَ عليه بِالموت ويُسلِمونَه إِلى الوَثنيِّين، لِيَسخَروا مِنهُ ويَجلدِوهُ ويَصلِبوه، وفي اليومِ الثَّالثِ يَقوم ” (متى 20: 18-20). والهدف من تلك الانباءات ان يُبدِّد يسوع ظنون التلاميذ ان المسيح المنتظر ليس مسيحا سياسيا بل مسيحا متألماً. ويشدِّد لوقا الانجيلي على عدم إدراك التلاميذ لمعنى ذلك الانباء (لوقا 9: 45، 18: 34). ويتفق موت المسيح مع نبوءات دانيال. فالمسيح يجب ان يُقتل (دانيال 9: 26) ثم يأتي وقت ضيق (دانيال 9: 27)، وسيأتي اخيراً في المجد (دانيال 7: 13) وسيتحمل التلاميذ نفس الآلام كمعلهم وسيجازون مثله في النهاية. فالألم والموت سيتحول الى مجد القيامة. وكان هذا قلب الانجيل ونواة الايمان في الجماعة المسيحية الأولى. اما عبارة ” الشُّيوخِ وعُظَماءِ الكَهَنَةِ والكَتَبَة” فتشير الى فئات الرتب الثلاث التي تؤلف السنهدريم، مجلس اليهود الأكبر، وهو مؤلّف من 71 عضواً، كان يحكم الشعب اليهودي. وكان هذا المجلس يضم ممثلي الأرستقراطية العلمانية (الشيوخ) ومن كبار الاسر الكهنوتية (عظماء الكهنة) الذين كانوا يختارون منها عظيم الكهنة، ومن “الكتبة” او مفسري الشريعة (فريسي النزعة في اغلب الأحيان) وكان المجلس يرأسه عظيم الكهنة (عظيم الاحبار) في أيام ولاية قيافا. اما عبارة “في اليومِ الثَّالث” فتشير الى الفترة ما بين مساء الجمعة وصباح الاحد كما ورد أيضا في رسائل بولس الرسول ” وأَنَّه قُبِرَ وقامَ في اليَومِ الثَّالِثِ كما وَرَدَ في الكُتُب”(1 قورنتس 15: 4)؛ أمَّا انجيل مرقس يذكر عبارة خاصة به ” وأَن يقومَ بَعدَ ثَلاثةِ أَيَّام” (مرقس 8: 31) ولها مدلولها الكتابي كما ورد في هوشع النبي ” بَعدَ يَومَينِ يُحْيينا وفي اليَومِ الثَّالِثِ يُقيمُنا فنَحْيا أَمامَه”(هوشع 6: 2). واوضحت كرازة الرسل الزمن كما جاء في عظة بطرس في بيت قرنيليوس “هو الَّذي أَقامَه اللهُ في اليومِ الثَّالِث، وخَوَّلَه أَن يَظهَر (اعمال الرسل 10: 40) وكما جاء أيضا في عظة بولس الرسول ” أَنَّه قُبِرَ وقامَ في اليَومِ الثَّالِثِ كما وَرَدَ في الكُتُب” (1 قورنتس 15: 4). إن انباءات يسوع بآلامه وقيامته تشدّد على مخطط الله وطاعة المسيح لمشيئة الله في الاحداث. لسنا نحن امام مصير فُرض على يسوع ان يتحمّله كرها، ولا أمام حدث حصل صدفة لكن يسوع نظر الى هذه الآلام وتقبّلها مسبقاً دلالة لمحبته للآب (يوحنا 14: 31). هذه هي نقطة التحول في تدريب يسوع لتلاميذه. فقد بدأ يعلمهم بوضوح ويشرح لهم انه لن يكون المسيح المنتصر لأنه يجب عليه ان يتألم ويموت ويقوم ويجيء يوما في مجد عظيم ليقيم ملكوته الابدي. والجدير بالذكر ان متى الانجيلي ينفرد بتكرار هذه الآية.
22فَانفَرَدَ بِه بُطرُس وجَعلَ يُعاتِبُه فيَقول: ((حاشَ لَكَ يا رَبّ! لن يُصيبَكَ هذا! )).
تشير عبارة ” يُعاتِبُه ” الى تناقض بطرس مع اعترافه الصريح في قيصرية فيلبس وتحوّل عن وجهة نظر الله ليتخذ نظرة بشرية، فهو في خط التجربة المسيحانية لدى اليهود الذين يرفضون فكرة المسيح المتألم. لا شك ان موقف بطرس يُظهر صعوبة التوفيق بين لقب المسيح وفكرة الآلام والموت، لقد ظنّ بطرس أنه إذ ينتهر السيّد رافضًا إهانته وآلامه معلنا بذلك حبّه له. اما عبارة ” حاشَ لَكَ ” باليونانية Ιλεώς σοι, κύριε: تعني “إرحم نفسك” فتشير الى تفاعل بطرس السريع لتعليم الجديد ليسوع الذي يظهر غريبا فكرة تألمه. بطرس لا يحب للمسيح عذابا، بل يحب له المجد والعظمة والجبروت والخلود، وأراد ان يحميه من الالام التي أنبأ بها؛ اما عبارة “لن يُصيبَكَ هذا!” فتشير الى محاولة بطرس ان يمنع يسوع من الذهاب الى الموت وهي نفس التجربة التي سمعها من الشيطان في البرية (متى 4: 6). يسير بطرس في خط التجربة المسيحانية لدى اليهود الذين يرفضون فكرة مسيحا متألما ويريدون مسيحا منتصرا قوياً يفرض الخلاص ومُلك الله بالقوة على الجميع من خلال الخوارق والأعاجيب. فكانَّ شيطان اريحا قد عاد به الى المسيح يجرّبه بالمجد والعظمة ويردّه عن رسالته.
23فالتَفتَ وقالَ لِبُطرس: ((إِنسَحِبْ! وَرائي! يا شَيطان، فأَنتَ لي حَجَرُ عَثْرَة، لأَنَّ أَفكارَكَ لَيسَت أَفكارَ الله، بل أَفكارُ البَشَر)).
تشير عبارة ” إِنسَحِبْ! وَرائي!” باليونانية Υπαγε ὀπίσω μου (ومعناها اذهب خلفي) الى طلب يسوع من بطرس أن يجد مكانه، وهو وراء المعلم وليس أمامه، وألا يكون حجر عثرة بين يسوع والآب. إن ما قاله بطرس ليس من عند الله، بل هو تكرار لتجربة ابليس في البرية من اجل ان يتجنب يسوع الموت على الصليب “اِذهَبْ، يا شَيطان! ” Υπαγε, Σατανᾶ (متى 4: 10). وبينما كانت دوافع الشيطان شريرة، كانت دوافع بطرس هي محبة يسوع وحمايته وربما البحث عن مصلحته الشخصية؛ اما عبارة ” يا شَيطان” فتشير الى مُعارض يقف في عُرض الطريق كحاجز ويمنع الناس من المرور. ان بطرس، بمعارضته آلام يسوع، يقوم مقام الشيطان الذي يحاول ان يردّ يسوع عن طاعة الله وتأدية رسالته؛ بهذا يهجر بطرس مكانه، لان على التلميذ ان يسير وراء يسوع (مرقس 1: 17). وقد دعاه يسوع شيطانا، فالشيطان جاءه ببطرس يجرِّبه من جديد. بطرس ليس شيطانًا ولكنه يُرِّدد ما وسوس به الشيطان لهُ برفض الصليب. اما عبارة ” حَجَرُ عَثْرَة “باليونانية σκάνδαλον(ومعناها شك) فتشير الى عائق ومصيدة او فخ يعرقل السير (مزمور 124: 7)، ويسبّب السقوط (اشعيا 8: 14-15)، وسبب العثرة ان بطرس لم يرضَ السير وراء يسوع (متى 5: 29، 16/ 23، 18: 6-9) وبالتالي عمل على تعطيل الصليب والفداء. لان يسوع لن يسمح لأفكار بطرس البشرية التي ليست من الآب أن تصبح حجر عثرة في طريقه، هذه الأفكار التي تدّعي وجود خلاص دون المرور من بوابة الموت والظلم والنبذ وبذل الذات. أما عبارة ” لأَنَّ أَفكارَكَ ” باليونانية φρονεῖς (ومعناها تهتم أي عندك وجهة نظر معينة فهناك من لهم وجهة نظر لا تتفق مع وجهة نظر الله) فتشير الى تبني مسلك عقلي عليه تتأسس الحياة والاعمال والاحتفاظ به كما وردت في رسائل بولس “فالَّذينَ يَحيَونَ بِحَسَبِ الجَسَد يَنزِعونَ φρονοῦσιν إِلى ما هو لِلجَسَد، والَّذينَ يَحيَونَ بِحَسَبِ الرُّوح يَنزِعونَ إِلى ما هو لِلرُّوح. (رومة 8: 5)؛ اما عبارة ” لأَنَّ أَفكارَكَ لَيسَت أَفكارَ الله، بل أَفكارُ البَشَر ” فتشير الى ان بطرس عاد الى افكار البشر ولم يعد لديه افكار الله. فقد عاد بطرس الى اللحم والدم فكانت نظرته نظرة بشرية ملتصقة بالعالم الذي يعيش فيه. حيث أعلن يسوع ان ما يقوله بطرس ليس من عند الله؛ اما عبارة “أفكار الله ” فتشير الى نظرة يسوع التي تتوافق مع نظرة الله، والتي تقبل الصليب طريقا للخلاص؛ اما عبارة ” أَفكارُ البَشَر ” فتشير الى نظرة البشر المتمثلة برد فعل بطرس، والتي ترى أنه من غير المعقول ان خلاص الله ينبغي ان يسلك طريق الاهانة والعذاب والصليب. لأنّ “أفكاره أفكار البشر، لا أفكار الله”، وهي ان المسيح الملك محال أن يُذلّ ويتألّم ويُقتَل على صليب. ونحن هنا امام طريقتين لفهم الحياة: طريقة يسوع التي تكشف كيف يفكر الله، وطريقة بطرس التي تمثل ما يدعوه يسوع “الشيطان”. وكثيرا ما ورد موضوع قلة فهم التلاميذ (مرقس 4: 13، 6: 52، 7: 18). رفض بطرس الصليب فدعاه السيّد المسيح “شيطانًا”، و”معثرة لي” و”مهتمّا بما للناس لا بما لله”. لقد جاء السيّد يُقيم مملكته خلال صليبه، فمن يرفض الصليب لأجل خلاصنا يرفض الفكر الإلهي. وبعد ان رفض يسوع تجربة بطرس، وبَّخه بطرس على موقفه، طلب منه ان يتبعه ليكون التلميذ الذي يسير وراء معلمه.
24ثُمَّ قالَ يسوعُ لِتَلاميذِه: ((مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صليبَه ويَتبَعْني،
تشير عبارة ” مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني ” الى جملة شرطية يطلب يسوع من بطرس ان يتبعه بحرية ليسير وراء معلمه وان لا يكون “حجر عثرة” يقف عائقا في الطريق الى اورشليم. وكان الانباء الاول هو الذي حدد شروط إتباع المسيح. طلب يسوع من تلاميذه ان يتبعوه في طريقه الى القدس ويتألموا معه. كل إنباء بالآلام تبعته أقوال ليسوع الذي يستخلص النتائج لتلاميذه. اما عبارة “يَتبَعَني” فتشير الى الدعوة للسير على خطى يسوع ومعه والعيش طبق أسلوبه. تأتي الدعوة من يسوع، فالمعلم هو الذي يختار التلميذ، وليس التلميذ الذي يختار معلمه، وعندما يُلبي التلميذ الدعوة يتبع يسوع، لا كسامع فقط، بل كمعاون وشاهد لملكوت الله وعمله في حصاده (متى 10: 1-27). فالتلميذ لا يتمسك بتعليم المعلم فقط، بل يلازم شخصه. ومن هذا المنطلق “إتباع يسوع لا يعني سيرا خارجيا وراء شخص يتعلق التلميذ به، بل الزهد في الذات وحمل الصليب. اما عبارة “يَزْهَدْ في نَفْسِه ” باليونانية ” ἀπαρνησάσθω ἑαυτὸν(معناها يرفض حقوقه على نفسه ويرفض فكرة أن له حق في الخيرات الزمنية، مثل الأخ الأكبر للابن الضال) فتشير الى تنحية الذات تنحية كاملة لكي يصبح المسيح مركز حياة التلميذ. الحياة مع يسوع اختيار، وكل اختيار تضحية. حياة التلميذ الأصيل تحدّدها حياة يسوع: فلا بد ان يتبعه في الزهد في النفس المعبّر عنه بقبول الصليب، أي بتعريض حياته للخطر في سبيل يسوع والبشارة. والزهد في النفس لا يعني احتقار الذات ولا هدمها، انما عدم تركيز كل شيء على الذات بل بذل الذات في سبيل المسيح عن طريق الاخوة. عندئذ لا نعتبر الذات خير ما نريد الاحتفاظ به لنا وحدنا، بل هبة يجب ان نبذلها. ومن هنا جاء قول القديس أوغسطينوس “إنّ تاريخ العالم صراع بين شكلين من الحبّ، حبّ الذات حتى فناء العالم، وحبّ الآخرين حتى التخلي عن الذات”. ليس الزهد في النفس هدفا بحد ذاته، إنما هو شرط لبلوغ ملء الحياة. لا يدعونا يسوع بالصليب والزهد في الذات الى الهلاك، بل الى الحياة الأبدية. اما عبارة ” نَفْسِه “باليونانية ψυχή فتشير الى حياته، كما ورد في نص آخر من انجيل متى ” لا تَخافوا الَّذينَ يَقتُلونَ الجَسد ولا يَستَطيعونَ قَتلَ النَّفْس”(متى 10: 28). اما عبارة ” يَحمِلْ ” باليونانية ἀράτωومعناها يرفع، وتشير الى رفع الصليب عاليا لكي يراه الجميع. وهو فعل اقوى من فعل ما ورد في موقع آخر في انجيل متى” ومَن لم يَحمِلْ λαμβάνει صَليبَه ويَتبَعْني، فلَيسَ أَهْلاً لي (متى 10: 38). اما عبارة “يَحمِلْ صليبَه” فتشير الى إحدى الوسائل الرومانية لتنفيذ الإعدام. وكان على المجرمين المحكوم عليهم بالإعدام أن يحملوا صلبانهم ويسيروا في الشوارع الى موقع تنفيذ الحكم تعبيرا عن الخضوع لسلطة روما. واستخدم يسوع تشبيه حمل الصليب لإعطاء صورة عن غاية الخضوع المطلوب من أتباعه. فحمل الصليب يعني ان حياة التلميذ الاصيل تحددها حياة يسوع: فلا بد له ان يتبعه في الزهد في النفس المعبّر عنه بقبول الصليب أي بتعريض حياته للخطر في سبيل يسوع والبشارة. وهذه البشارة قد تحمل التلميذ على التضحية بحياته، كما ان رسالة يسوع بلغت به الى الصليب. من يتبع يسوع عليه التسليم الكامل والمخاطرة على الموت، دون أي رجوع او نكوص. فالصليب ثمن للأمانة لله وللإخوة. فينبغي للتلميذ الا يموت في ذاته فحسب، فان الصليب الذي يحمله هو العلامة على انه يزهد في الدنيا ايضا وأنه يقطع كل علاقاته الطبيعية (متى 10/ 33-39) ويقبل وضعه كمضطّهد (متى 23/24). فالصليب عارٌ عند اليهود، وحماقةٌ عند الوثنيّين؛ أمّا بالنسبة إلينا، فهو رمز الخلاص (1قورنتس 1: 23-24). في الواقع، حمل يسوع صليبه، وهناك مسيحيون فعلوا مثله على ما يقول التقليد عن بطرس واندراوس. واما انجيل لوقا فقد أضاف عبارة “كل يوم” كما ورد في النص “يَحمِلْ صَليبَهُ كُلَّ يَومٍ ويَتبَعْني” (لوقا 9: 23) للدلالة على ان الصليب هو الرفيق اليومي للمسيحي. ولا بد ان ذكر الصليب أذهل تلاميذ يسوع، لأنهم كانوا يعلمون جيداً ان الصليب لم يكن يُحمل لمجرد انه ثقل على حامله، بل على انه شيء يُسمّر عليه حتى يموت. اما في إنجيل مرقس فالصليب لا يعني الضيقات والاتعاب فحسب، بل الموت أيضا. وهذا ما يجب ان يتوقعه كل تلميذ تجاه العالم. سوف يختبر عداوة لا بد منها ينتج عنها اضطهادات و(مرقس 8: 34). ينبغي لنا قبول كل ما يوجي به الله إلينا من أفكار وليس فقط تلك التي تعجبنا وتحظى برضانا. علينا قبول الصليب وذلك شرط لا بد منه لحصولنا على المجد. اما عبارة “يَتبَعْني” باليونانية ἀκολουθείτω بمعنى “ان يكون قريبا من ويلتصق بي” فتشير الى التسليم الكامل والمخاطرة حتى الموت دون أي رجوع او نكوص إذ ربط يسوع بين مصيره ومصير تلميذه. فعلى التلميذ ان يتبع الرب بالخضوع لإرادته وبالاقتداء بحياته. فان لم يكفر من اجله بنفسه ويجعل حياته ثمنا للخلاص فلن يستطيع أن يكون تلميذه. وهناك ثلاثة شروط ينبغي ان يتممها من يريد ان يتبع يسوع: الاستعداد للزهد في الذات، وحمل الصليب، وتسليم حياته للمسيح اي طاعة كاملة لكل ما يسمح به الله. لا سلامَ للنفس ولا رجاءَ بالحياة الأبديّة إلاّ بالصليب. وفي هذا الصدد يقول كتاب الاقتداء بالمسيح “إن حملت الصليب طوعًا، حملك هو”.
25لأَنَّ الَّذي يُريدُ أَن يُخَلِّصَ حَياتَه يَفقِدُها، وأَمَّا الَّذي يَفقِدُ حَياتَهُ في سبيلي فإِنَّه يَجِدُها.
تشير عبارة “يُخَلِّصَ ” الى الربح او الحصول على شيء منها لنفسه من ناحية، ومن ناحية أخرى هو الهروب من الاستشهاد، او الشدائد في خدمة مثلًا ليتمتع بملذات الدنيا او رفض الصلاة والصوم للتمتع الدنيوي. أما عبارة ” حَياتَه ” فتشير الى الحياة الذاتية او الحياة الطبيعية بالمقابلة مع الحياة الروحية. اما عبارة ” يَفقِدُها ” فتشير الى الهلاك؛ من اراد ان يعيش حياته من نظرة بشرية من خلال فرض نفسه على الآخرين والحصول على مراكز قوة وموارد اقتصادية، هو في نظر الله انسان فقد حياته. ان لم نزهد في نفوسنا، فإننا نصنع سجوننا بأنفسنا، لأننا نبدأ في الموت روحيا وعاطفيا، ونخسر هدفنا المنشود، يريدنا يسوع ان نختار ان نتبعه على ان نختار ان نحيا حياة الخطيئة وإرضاء الذات. من يهتم بحياته فقط، فلن يجد الضمان. فمن رفض الصليب ربح العالم وخسر الأبدية. اما عبارة “الَّذي يَفقِدُ حَياتَهُ في سبيلي فإِنَّه يَجِدُها ” فتشير الى من يقبل ان ينظر الى الحياة نظرة الله نفسه ويقبل ان يتبع المسيح في بذل الذات حتى الصليب، ويتقدم للاستشهاد ويقدم جسده ذبيحة حيَّة أو يقمع جسده ويستعبده أو يصلب أهواءه وشهواته، فانه يخلصها. وفي هذا الصدد يقول يوحنا الرسول “لا تُحِبُّوا العالَم وما في العالَم. مَن أَحَبَّ العالَم لم تَكُنْ مَحَبَّةُ اللهِ فيه. لأَنَّ كُلَّ ما في العالَم مِن شَهوَةِ الجَسَد وشَهوَةِ العَين وكِبرياءِ الغِنى لَيسَ مِنَ الآبِ، بل مِنَ العالَم. العالَمُ يَزولُ هو وشَهَواتُه. أَمَّا مَن يَعمَلُ بِمَشيئَةِ الله فإِنَّه يَبْقى مَدى الأبد”(1يوحنّا 12: 15-17). يستعمل متى الانجيلي معنيان متقابلان: خلص حياته، فقد حياته. فمن كان شريكاً للمسيح في الألم والعذاب والموت كان شريكا له في القيامة والحياة. نعرف ان آلامنا تخلصنا، كيف؟ ان آلامنا يُصبح لها مفعول خلاصي إن هي اندمجت مع آلام المسيح. وفي الواقع عندما نقدم حياتنا لخدمة يسوع نكتشف الهدف الحقيقي للحياة. اما عبارة ” يَجِدُها” فتشير الى حياة ابدية يجدها في العالم الآتي. فمن يكرّس حياته في خدمة المسيح في هذا العالم يجدها في الحياة الأبدية. فمن يرضى بأن يهلك نفسه، مقدما نفسه “ذَبيحَةً حَيَّةً مُقَدَّسةً ” (رومة 12: 1) وقد صَلَب جسده ” وما فيه مِن أَهْواءٍ وشَهَوات” (غلاطية 5: 24) ستكون مجازاته سماوية في مجد سماوي كما جاء في تعليم يسوع ” أَنتُم أَيضاً تَحزَنونَ الآن ولكِنِّي سأَعودُ فأَراكُم فتَفَرحُ قُلوبُكم وما مِن أَحَدٍ يسلُبُكم هذا الفَرَح ” (يوحنا 22:16) وقد اكّد بولس هذ القول “لأَنَّنا، إِذا شارَكْناه في آلامِه، نُشارِكُه في مَجْدِه أَيضًا” (رومة 8: 17). ومن المتناقضات الظاهرية ان الخضوع للرب هو ربح اكيد لا يفنى. ليست الحياة في الاخذ او الاحتفاظ بل في العطاء. عندما نتبع يسوع الى النهاية فنحن لا نتبعه الى الموت فقط، بل الى المجد، حيث ان فقدان الحياة من اجل المسيح هو الحياة. هذه الآية هي من اقوال يسوع الاكيدة لأنها تتكرر في الانجيل 6 مرات (متى 10: 39، 16: 25، ومرقس 8: 35، ولقا 9: 24، 17: 33 ويوحنا 12: 25).
26ماذا يَنفَعُ الإِنسانَ لو رَبِحَ العالَمَ كُلَّه وخَسِرَ نَفسَه؟ وماذا يُعطي الإِنسانُ بَدَلاً لِنَفسِه؟
تشير عبارة “ماذا يَنفَعُ الإِنسانَ لو رَبِحَ العالَمَ كُلَّه وخَسِرَ نَفسَه؟” إلى سؤال هام ومصيري وهو ان النفس في نظر يسوع أهم من العالم أجمع. الحياة في نظر الإنسان لها قيمة لا تنازع. اما عبارة ” ماذا يَنفَعُ الإِنسانَ لو رَبِحَ العالَمَ كُلَّه ” فتشير الى السؤال ما النفع من الحياة الحاضرة دون الأبدية؟ ان ما نكدسه على الارض لا قيمة له في شراء الحياة الأبدية. ان النجاحات على المستوى الشخصي والعائلي والاقتصادي والسياسي لا يمكن ان تضمن لنا الحياة الأبدية. حتى لو وصل الإنسان الى امتلاك كل كنوز الدنيا، فجميع هذه الكنوز لا تحميه من الموت، وحتى أعلى مراتب الشرف الاجتماعية او المدنية لا يمكن ان تضمن لنا الحياة الابدية. إن عالم المتعة الذي يتركز في الممتلكات والمركز والسلطة، لا قيمة له في النهاية. فالحياة الحاضرة تقرر مصيرنا الابدي وهي مقدمة للحياة الاخرى اما عبارة ” خَسِرَ نَفسَه؟” فتشير الى الموت او الى العبور بجانب ما هو أساسي وجوهري. إن خسارة النفس في هذه الحالة لا تعوض. اما عبارة “ماذا يُعطي الإِنسانُ بَدَلاً لِنَفسِه؟ فتشير الى الانسان الذي لا يستطيع ان يفدي حياته بشيء حيث ان الغنى المادي لا يضمن السعادة والراحة في الحياة، ولا أحد يستطيع ان يدفع ثمنا للحياة الابدية. الأموال إن ضاعت فجائز أن تعود، أما هلاك النفس فخسارتها لا تعوض. فإن هلكت النفس، أي ذهبت للجحيم بعد موتها فلا فداء لها. اما عبارة ” بَدَلاً لِنَفسِه؟ ” باليونانية ἀντάλλαγμα معناه ثمن شراء فتشير الى شراء او استعادة الحياة المفقودة كما جاء في سفر المزامير “لا يَفتَدي أَخٌ أَخاه ولا يُعطي اللّهَ فِداه: فِديةُ نُفوسِهم باهِظة وهي لِلأبدِ ناقِصَة”(مزمور 49: 8-9).
27 ((فسَوفَ يَأتي ابنُ الإِنسانِ في مَجدِ أَبيهِ ومعَه مَلائكتُه، فيُجازي يَومَئِذٍ كُلَّ امرِئٍ على قَدْرِ أَعمالِه.
تشير عبارة ” ابنُ الإِنسانِ ” الى المسيح الذي هو وجه سماوي أعطاه الآب سلطته ومجده وقدرته، وقد ورد هذا اللقب (84) مرة في الاناجيل. يسوع ديان الحياة الأخرى في نهاية العالم كما أعلنه دانيال النبي “كنتُ أَنظر في رُؤيايَ لَيلاً فإِذا بِمِثلِ آبنِ إِنسان آتٍ على غَمامِ السَّماء فبَلَغَ إِلى قَديمِ الأَيَّام وقُرِّبَ إِلى أَمامِه ” (دانيال 17: 13). اما عبارة ” ابنُ الإِنسانِ في مَجدِ أَبيهِ ” فتشير الى المسيح (دانيال 7/13) في صورة بشرية ارتفعت في المجد بعد ان عرفت الانحدار. اما عبارة ” يُجازي يَومَئِذٍ كُلَّ امرِئٍ على قَدْرِ أَعمالِه” فتشير الى يسوع، ابن الانسان، الذي يدين كل واحد منا في اليوم الاخير (متى 25: 31-46)، لأنه الديان الذي له السلطان ليدين كل العالم)، ويكافئ كل واحد منا على اعماله الصالحة (متى 7: 18) مستشهدا بصاحب المزامير “لَكَ الرَّحمَةُ أيّها السَّيِّد فإِنَّكَ تُجازي الإِنسانَ بِحَسَبِ عَمَلِه” (مزمور 62: 13). ان الجزاء الشخصي مبدأ ادبي متجذر في العهد القديم (أمثال 24: 12). وقد اوضحه يسوع في نقطتين: النقطة الأولى: أنَّ يسوع، ابن الانسان هو الذي يدين كل واحد في اليوم الاخير (متى 25: 31-46). والثانية، يسوع يجازي كل واحد منا بحسب اعماله الصالحة (متى 6: 4). ومن هذا المنطلق للمسيح سلطان ليدين كل العالم، وفي وقت الدينونة سينقذ الابرار ويدين الاشرار.
ثانياً: تطبيقات النص الإنجيلي (متى 16: 21-27)
بعد دراسة موجزة عن وقائع النص الإنجيلي (متى 16: 21-27)، نستنتج انه يتمحور حول إنباء بصليب يسوع وبصليب أتباعه
1) الإنباء بصليب يسوع
بعد إعلان بطرس لإيمانه في قيصرية فيلبس (متى 16: 13 – 20) بألوهية المسيح أصبح ايمان التلاميذ ثابتاً وكافياً، “وبَدأَ يسوعُ مِن ذلِكَ الحينِ يُظهِرُ لِتَلاميذِه أَنَّه يَجِبُ علَيهِ أَن يَذهَبَ إِلى أُورَشَليم ويُعانِيَ آلاماً شَديدة مِنَ الشُّيوخِ وعُظَماءِ الكَهَنَةِ والكَتَبَة ويُقتَلَ ويقومَ في اليومِ الثَّالث” (متى 16: 21). وقد استخدم الرومان الصلب لإعدام العبيد عقاباً لهم عن أشنع الجرائم، ولإعدام الثوار في البلاد المحتلة. أما عند اليهود فقد كان الذي يُعلَّق على الصليب يُحسَب ملعوناً من الربّ، كما جاء في سفر التثنية ” وإِذا كانَت على إِنْسانٍ خَطيئَةٌ تَستَوجِبُ المَوت، فقُتِلَ وعلَّقتَه على شَجَرَة עֵץ، فلا تَبِتْ جُثَّتُه على الشَّجَرَة، بل في ذلك اليَومِ تَدفِنُه، لأَنَّ المُعَلَّقَ لَعنَةٌ مِنَ الله” (تثنية الاشتراع 21: 22-23). لذلك فقد جاء المسيح “وافتَدانا مِن لَعنَةِ الشَّريعة إِذ صارَ لَعنَةً لأَجْلِنا، فقَد وَرَدَ في الكِتاب: ((مَلْعونٌ مَن عُلِّقَ على الخَشَبَةξύλου)) (غلاطية 3: 13). إذاً، فهذا الصليب الذي كان أداة التعذيب وعلامة اللعنة صار أداةً للخلاص والفداء والقوة، ولكنه ما زال “عِثارٍ لِليَهود وحَماقةٍ لِلوَثنِيِّين وأَمَّا لِلمَدعُوِّين، يَهودًا كانوا أَم يونانِيِّين، فهُو مسيح، قُدرَةُ اللّه وحِكمَةُ اللّه،” (1 قورنتس 1: 23-24). لقد ضحى يسوع بحياته على الصليب من أجل خلاص البشرية (يوحنا 19: 26). ويعلق البابا بندكتس “إن الصليب هو الإعلان المؤكد للمحبة والرحمة الإلهية”.

واشار مرقس الإنجيلي أيضا في هذا الانباء الى المعاملة السيئة التي لقيها يسوع ” فَيسخَرونَ مِنه، ويَبصُقونَ علَيه ويَجلِدونَه ويَقتُلونَه، وبَعدَ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ يَقوم” (مرقس 10: 34). ويتطابق موت المسيح مع نبوات دانيال. فالمسيح يجب ان يُقتل ” يُفصَلُ مَسيحٌ ولا يَكونُ لَه” (دانيال 9: 26) ثم يأتي وقت ضيق ” تكونُ شَناعَة الخَراب” (دانيال 9: 27)، وسيأتي اخيراً في المجد ” فإِذا بِمِثلِ آبنِ إِنسان آتٍ على غَمامِ السَّماء”(دانيال 7: 13). ان كلمات الانباءات قريبة من اعترافات الايمان المسيحي الأولى، قريبة مما يسمى الكرازة الأولى أي ملخص ما كان يقوله المسيحيون حين يبشرون بيسوع ” مات وقام”. ويذكرون كل مرة القيامة بعد الآلام.

بهذا الانباء أفهم يسوع تلاميذه انه لن يقوم بمهمته كمسيح الا عن طريق الالام والموت على الصليب؛
فأعلن لهم ما سيعانيه في اورشليم من المٍ وعذابٍ وظلم واضطهاد. كما أوضح لتلاميذه من هو وأنه أتى ليؤسس كنيسته، وان ثمن تأسيس الكنيسة هو الصليب. وقبل أن يتوهم تلاميذه إذ سمعوا أنه المسيح المنتظر، أنهم سيملكون معه إذ يصير ملكًا وقائدًا عظيمًا، ها هو يشرح لهم أنه حقًا سيملك ولكن على قلوب كنيسته بصليبه، حاملًا الرئاسة على كتفه كما تنبأ اشعيا “لِأَنَّه قد وُلدَ لَنا وَلَدٌ وأُعطِيَ لَنا آبنٌ فصارَتِ الرِّئاسةُ على كَتِفِه ودُعِيَ أسمُه عَجيباً مُشيراً إِلهاً جَبَّاراً، أَبا الأَبَد، رَئيسَ السَّلام” (اشعيا 9: 5)، فبصليبه هدم مملكة الخطيئة ومملكة إبليس وأقام ملكوت قيامته. وفي الصدد قال القديس بطرس الرسول” وهو الَّذي حَمَلَ خَطايانا في جَسَدِه على الخَشَبة لِكَي نَموتَ عن خَطايانا فنَحْيا لِلبِرّ” (1بطرس 2: 24). وهذا الانباء بالآلام والموت على الصليب والقيامة يتكرر ثلاث مرات (متى 17: 22، 20: 18) كلازمة في طريق صعود يسوع الى اورشليم، مكان آلامه وصلبه وموته وقيامته.

والهدف من تلك الانباءات ان يُبدِّد يسوع ظنون التلاميذ ان المسيح المنتظر ليس مسيحاً سياسياً بل مسيحاً متألماً. لذا لم تكن آلام يسوع حدثا طارئا او صدفة ولا مصيرا محتوما، انما هو مخطط الله الذي يحققه يسوع بطاعته لمشيئة الله في هذه الآلام لأجل خلاص البشر. ويشدد يسوع من خلال هذه الانباءات على الطريق التي تقود الى مجد المؤمن المسيحي. الآلام والصليب والرذل والتعيير والموت الشنيع، كل هذه الأمور تتبعها القيامة. ومن هذا المنطلق لم يعط يسوع سر الآلام والقيامة كوحي عن رسالته فقط، بل ليدل التلاميذ على الطريق الواجب اتباعه. فطريق الآلام هي طريق للقيامة، ولا طريق آخر غير هذا له ولتلاميذه. ان طريق يسوع هو طريقهم. وفي كل مرة إنباء بيّن يسوع لتلاميذه ان عليهم ان يمروا بالطريق نفسه. وهكذا جمع متى الإنجيلي تعليم يسوع بين سلوك عملي ومتطلبات الايمان بالمسيح المصلوب والقائم من الموت.

2) الإنباء بصليب أتباعه

طلب يسوع من تلاميذه ان يتبعوه ويتألموا معه. فهناك أربعة اقوال ليسوع: الأقوال الثلاثة الأولى تتركز على الزهد في الذات وحمل الصليب مع يسوع. والقول الأخير يتناول المجد القريب الذي يعرفه التلاميذ.

ا) الزهد في الذات وحمل الصليب

القول الأول: “مَن أَرادَ أَن يَتبَعَني، فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صليبَه ويَتبَعْني”(متى 16: 24).
حمل يسوع صليبه يشترط لمن يريد ان يتبعه حمل الصليب، لكنه يستخدم أسلوب الاقناع، فقبل تقرير المصير مطلوب ممن يريد ان يتبع يسوع ويصير تلميذا له ويتبعه يتوجب عليه ان يعرف بمن يقتدي به ويبرهن عن انه يستطيع ذلك فيشترط عليه “فَلْيَزْهَدْ في نَفْسِه ويَحمِلْ صليبَه”. فهناك وجهان: الوجه الداخلي هو ان يزهد الانسان بنفسه، ويُعلق أحد المفسرين “يزهد الانسان في نفسه عندما يحب أحد الله، ويحب الله عندما يبغض المرء ذاته أي إنساننا الجسدي… ففي داخلنا وفي أفكارنا وقلوبنا وإرادتنا قوّة غير عادية تعمل دائمًا كل يوم وفي كل لحظة لتسحبنا من الله؛ تقترح علينا أفكارًا ورغبات واهتمامات ونيّات ومشاغل وكلمات، وأعمال باطلة تثير فينا الشهوات وتدفعها بعنف فينا؛ أقصد المكر والحسد والطمع والكبرياء والمجد الباطل والكسل والعصيان والعناد والخداع والغضب”. اما القديس يوحنا الذهبي الفم فيعلق “يزهد الانسان في نفسه عندما لا يهتمّ بجسده متى جُلد أو احتمل آلامًا مشابهة، إنّما يحتملها بصبر”.

والوجه الخارجي في اتباع يسوع هو ان يحمل صليبه. الصليب الذي عليه أن يحمله: إنه صليبه الخاص؛ صليب طبيعته الساقطة الضعيفة التي لا خلاص لها إلاَّ بالثبات في المسيح والاعتراف الدائم بعجزه عن البلوغ إلى البرِّ والقداسة بدونه” بِمَعزِلٍ عَنِّي لا تَستَطيعونَ أَن تَعمَلوا شيئاً” (يوحنّا 15: 5)؛ قبل موته بسنتين فهم القديس فرنسيس الاسيزي بعد أن اقتدى بنشاط الرّب يسوع المسيح في حياته، كان عليه أن يتشبّه به أيضًا في آلامه. أمَّا صليب المسيح فلا ولن يقدر أحد أن يحمله سواه، وهو الذي حمله وحده بإرادته وكامل رضاه ومسرَّته عن البشرية كلها ” لِكَي لا يَهلِكَ كُلُّ مَن يُؤمِنُ بِه بل تكونَ له الحياةُ الأَبدِيَّة “(يوحنّا 3: 16)، ويعلق القديس يوحنا الذهبي الفم ” كأن يسوع يقول لبطرس: أنت تنتهرني لأني أريد أن أتألّم، لكنّني أخبرك بأنه ليس فقط من الخطأ أن تمنعني عن الآلام، وإنما أقول لك أنك لن تقدر أن تخلُص ما لم تمُت أنت أيضًا”. لا يقدر أحد أن يتبع السيد المسيح ما لم يدخل دائرة الصليب وقد أكد ذلك يسوع بقوله ” مَن لم يَحمِلْ صَليبَه ويَتبَعْني، فلَيسَ أَهْلاً لي” (متى 10: 38).

القول الثاني: “لأَنَّ الَّذي يُريدُ أَن يُخَلِّصَ حَياتَه يَفقِدُها، وأَمَّا الَّذي يَفقِدُ حَياتَهُ في سبيلي فإِنَّه يَجِدُها. (متى 16: 25)؛ لماذا يسوع يطلب من الانسان ان يضحي بنفسه؟ لأن يسوع يستطيع ان يخلصها ولان هذا هو السبيل الوحيد لتخليصها كما جاء في تعليم يوحنا الرسول “مَن أَحَبَّ حياتَهُ فقَدَها ومَن رَغِبَ عنها في هذا العالَم حَفِظَها لِلحَياةِ الأَبَدِيَّة ” (يوحنّا 12: 25). لقد جاء المسيح إلى العالم ” لِتَكونَ الحَياةُ لِلنَّاس وتَفيضَ فيهِم” (يوحنّا 10: 11). لا تتوقف النظرة عند الآلام بل تصل الى القيامة. فالمسيح قام والتلاميذ سيقومون كما قام المسيح ” لذا صرّح يولس الرسول عن إيمانه بقوله “الحَياةُ عِندي هي المسيح، والمَوتُ رِبْح” (فيلبي 1: 21).

القول الثالث: “ماذا يَنفَعُ الإِنسانَ لو رَبِحَ العالَمَ كُلَّه وخَسِرَ نَفسَه؟ وماذا يُعطي الإِنسانُ بَدَلاً لِنَفسِه؟ (متى 16: 26). وما الفائدة زهد المرء في نفسه وحمل صليبه؟ يجيب المسيح فمن حمل صليبه وضحى بحياته أمانة ليسوع والانجيل لا يخسر حياته. وهذا ما اختبره بولس الرسول “أَنَّ ما كانَ في كُلِّ ذلِكَ مِن رِبْحٍ لي عَدَدتُه خُسْرانًا مِن أَجلِ المسيح” (فيلبّي 3: 7)؛ إن صليب التلاميذ هو صليب التناقض بين ” من “يربح يخسر؛ ومن “يخسر يربح”؛ فإن إسكندر المقدوني استطاع ان ينطلق في مغامرة رائعة فاحتل الكون كله، ولكنه مات. فماذا نرد لمن فقد حياته؟ ماذا ندفع له لكي يجدها ثانية؟ هذا مستحيل. الحياة أثمن ما لدى الانسان، اما المسيح فهو الذي يعطي الانسان سبيلا لتخليصها، وهذا السبيل هو ان يزهد المرء في حياته ويحمل صليبه من أجل الانجيل. ان كل موت في سبيل يسوع تعقبه قيامة وحياة. لذلك كتب القدّيس أغناطيوس الأنطاكي في رسالته إلى أهل روما “ماذا تفيدني ملذّات العالم؟ ما لي وفتنة ممالك هذا العالم؟ إني أُفضِّل أن أموت مع المسيح من أن أملك أطراف المسكونة، إني أطلب المسيح الذي مات من أجلنا، وقام أيضًا من أجلنا. … إني أريد أن أكون لله. لا تتركوني في العالم، لا تتركوني ومغريات الأرض. دعوني أبْلغ إلى النور النقي”. هذا هو الصليب الذي ينتظر يسوع، وهذا هو الاضطهاد الذي ينتظر المسيحيين. يجب ان نضحي بحياتنا في سبيل ولائنا وإخلاصنا ليسوع والانجيل، إن دعانا يسوع الى التضحية بحياتنا، هذا يعني ان ليسوع القدرة على خلاصها، وهذه هي القيامة حقاً التي تنتظر يسوع، كما تنتظر تلاميذه. لا تقتصر حمل الصليب على التلاميذ فقط، بل على الجمع أيضا. إن يسوع يوجّه كلامه الى الجميع، ولا يستثني أحداً، لان الوجود المسيحي ن هو رهن بوجود يسوع، وبناء عليه يتوجب عليّ ان أتبعه وأن أقتدي به وان اتحد به اتحادا وثيقا.

ب) مجد القيامة
القول الرابع “فسَوفَ يَأتي ابنُ الإِنسانِ في مَجدِ أَبيهِ ومعَه مَلائكتُه، فيُجازي يَومَئِذٍ كُلَّ امرِئٍ على قَدْرِ أَعمالِه” (متى 16: 27). لقد ربط يسوع بين مصير التلاميذ ومصيره. فإن لم يكفروا من أجله بأنفسهم ويحملوا صليبهم، فلا هم تلاميذه ولا هم محبوه. اما كل موت من اجل المسيح تعقبه قيامة وحياة. يلزم أولًا هدم الإنسان القديم ليقوم الإنسان الجديد، خلال صليب ربّنا يسوع المسيح وقيامته. فما نعيشه الآن في المسيح يسوع خلال الإيمان ننعم به في كمال المجد خلال القيامة.

إن كان الإيمان هو أساس الملكوت يلزم أن يكون “عمليًا” أي من خلال الزهد في النفس وحمل الصليب واتباع يسوع حتى يقدّم لنا السيّد الأكاليل الأبديّة مجازيًا “كل واحد حسب عمله”. فالملكوت السماوي ليس غريبًا عن الملكوت الداخلي بل اِمتداد له. إن كان السيّد المسيح قد دفع تكلفة الملكوت على الصليب، فإنّنا لا ننعم بهذا الملكوت ولا ننمو فيه ما لم نشترك إيجابيًا فيه بحمل الصليب مع عريس الملكوت المصلوب.

وبعبارة أخرى، يتنبأ يسوع هنا عن صليبه وها هو يتحدث مباشرة عن صليب تلاميذه، لان الصليب هو طريق المجد الوحيد، أليس هو من قال “أَما كانَ يَجِبُ على المَسيحِ أَن يُعانِيَ تِلكَ الآلام فيَدخُلَ في مَجدِه؟” (لوقا 24: 26)، وهو أيضا صليب تلاميذه، كما هو طريقه أيضا. وسيتحمل التلاميذ نفس الآلام كمعلهم وسيجازون مثله في النهاية. فالألم والموت سيتحول الى مجد القيامة. وكان هذا قلب الانجيل ونواة الايمان في الجماعة المسيحية الاولى.

الخلاصة
كان من الصعب على بطرس ومن الصعب علينا ايضا قبول طريق الالام التي تكلم عنها يسوع. أعلن السيّد ملكوته بكونه هدمًا وبناءً، اِقتلاعًا وغرسًا، فيه يُهدم الإنسان القديم بأعماله لكي يقوم الإنسان الجديد؛ فإن تكلفة هذا الملكوت هو “الصلب”.

ونحن نتصعب ايضا في قبول الصلب، لأنه يناقض ما نشعر به طبيعيا من ميل الى إثبات الذات. لذا فإن اول ما يطلبه الانجيل منا هو تغيير عقليتنا في النظر الى الحياة. وإن دخلنا أكثر في عمق أيماننا، والذي هو آلام المسيح وموته وقيامته، نرى أنه يجب علينا الا نعتبر المسيح مجرّد صانع المعجزات او نبيا، بل أن نكتشف ان المسيح من خلال الامه وموته وقيامته حقق خلاصنا. وعليه إننا بغير الصليب لا نكون من تلاميذ المسيح ومحبيه، وقد جعل الصليب آلة للحياة، ووسيلة للنجاة. فإن قلب الايمان المسيحي هو في قبول الصليب والموت كما قبلهما المسيح للحصول على الخلاص والحياة الابدية.

دعاء
جدّدنا، أيّها الآب السماوي كي نترك افكارنا الشخصية البشرية ونستجيب لنداء ابنك يسوع المسيح فنزهد في نفوسنا ونحمل صليبنا كلّ يوم ونسير على خُطى ذاك الذي مات من اجلنا على الصليب مُتيقّنين ً أن الصليب هو الطريق المؤدي للحياة الأبدية. فليعضد الربّ بصليبه المقدس جميع الّذين يعانون في الجسد والروح، والمشرّدين والمهجّرين والمهمّشين، والعاطلين عن العمل، والمرضى والمنازعين. آمين.

قصة:
يُروى أنّ تاجراً اهتمّ بتجارته بحيث جعلته ينسى حياته الروحية، فلمّا مات كتب أحدهم على قبره “وُلد إنساناً ومات بقّالاً كبيراً”. لقد صُنع الإنسان على صورة الربّ، فما أتعس حالة ذاك الّذي يفقد ايمانه بالحياة الأبدية في سبيل الحياة الأرضية.

والعكس ما أعظم من يبذل حياته في سيبل الحياة الأبدية. يقال إن الامبراطور نيرون حين أراد قتل بطرس الرسول، اقنع المؤمنون في روما بطرس بالهرب، فهرب بطرس، وعلى أبواب روما رأى السيد المسيح متجهًا لروما. فسأله إلى أين؟ فقال أنا ذاهب لأصلب بدلًا منك. فعاد بطرس وسلم نفسه وطلب أن يصلب معكوس الرأس.