الأبوّة الرّسوليّة الكهنوتيّة (فيلمون 9 وتابع)

الأب بيتر مدروس

الأبوّة الرّسوليّة الكهنوتيّة (فيلمون 9 وتابع)

يكتب رسول الأمم الإناء المختار بولس إلى تلميذه الوجيه فيلمون، شافعاً من أجل “اونيزيموس ابنه (الروحانيّ – أي ابن الرسول) الذي أنجبه وهو في القيود”، في السّجن. معروف أنّ شاول الطّرسوسيّ – بخلاف الربابينيين الّذين رأوا أنّ “الرجُل من غير امرأة نصف رجُل”- أنّه ما تزوّج، خصوصاً بعد هيامه بالمسيح ربّاً سماويّاً (عن قورنثوس الأولى 9: 5 وتابع). وطبعاً ما كان بإمكان بولس الإنجاب وهو مقيّد في السّجن!
العِبَر من هذه القراءة كثيرة والدّروس. أوّلاً شفاعة القدّيسين. ولا يقولنّ قائل: “نعم، لهم شفاعة في حياتهم ولكنّها تقف عند وفاتهم”! هذا الكلام مخالف للكتاب المقدّس الذي يُعلن عن الله أنّه “إله أحياء لا إله أموات، إله إبراهيم وإسحق ويعقوب” الموتى جسداً الأحياء روحاً. وربّما لم يفطن المعترض العزيز على إعلان بولس الرسول في رسالته إلى الرومانيين أن “لا موت ولا حياة تفصلنا عن محبة الله لنا في المسيح” ولا عن محبة بعضنا لبعضنا فيه (رومية 8: 31- 39). وتكتب الرّسالة إلى العبرانيّين أنّنا “قَرُبنا من أورشالم السماويّة …من أرواح الأبرار الّذين بُلّغوا الكمال” (عبر 12 : 22- 23).
العبرة الثّانية هي الأخوّة في المسيح وبفضله بين العبيد والأحرار، الأخوّة في المسيح يسوع بين فيلمون الحرّ وأونيزيموس العبد. وهذا سيكون تمهيداً لتحرير العالم نهائيّاً من العبوديّة ،بفضل الربّ يسوع الذي ألغى كلّ عنصريّة وكل استعلاء ليس فقط من اليهود بنظرتهم الفوقيّة إلى الوثنيين “المساخيط”، بل استعلاء الذكور المفتخرين بختانهم على الإناث، واستعلاء الأحرار على العبيد والإماء. وبالفعل ما شرّع السيّد المسيح أي فرق، لا في المعمودية ولا في الكهنوت ولا في الزواج، بين عبد وحرّة أو بين حرّة وأمة . بل هو نفسه “اتّخذ صورة العبد ” (فيليبي 2: 5 وتابع) ومات ميتة العبيد على خشبتيَ العار.
العبرة الثالثة هي الأبوّة الرّوحانيّة الرسوليّة الأسقفيّة الكهنوتيّة. ها هو بولس الرّسول – الذي يفهم كلمات الرب يسوع أكثر بكثيير من البدع الحديثة خصوصاً الأمريكيّة – يصف نفسه بالأب الوالد الذي أنجب أونيزيموس. وكما كان يقول قدس الأب الرّاحل يعقوب حنّا سعادة جامع “الجواب من الكتاب”: “يعود الاعتراض عنيداً بليداً !” نعم ، الاعتراض مأخوذ من سوء فهم أو سلخ لنصّ متّى 23: 9: “لا تدعوا لكم أباً على الأرض”. ولكن الرب قصد هنا – كما نقرأ في بداية الفصل المذكور -“الكتبة والفرّيسيّين الجالسين على كرسي موسى” (متّى 23: 2 وتابع). بالفعل الرسل هم المخاطَبون، أي يسوع يتكلّم مع الرسل ويمنعهم أن يسمّوا أحداً من الكتبة والفرّيسيّين “أباً” أو “معلّماً”، بما أنهم هم بأنفسهم وبعدهم خلفاؤهم سيُصبحون آباء العهد الجديد ومعلّميه. وبطبيعة الحال وقوّة النعمة أدرك الرسل ما يصرّ على عدم إدراكه أعداء الكهنوت المسيحي، وهم قوم لا يشكّون قَطّ في الكهنوت اليهوديّ ، فكلّ ما هو يهوديّ لا يُمَسّ عندهم!

نصوص رسوليّة عن الأبوّة الروحانيّة الرّسوليّة الاسقفيّة الكهنوتيّة المسيحيّة
يبدأ المرء بنصّ فيلمون 9 وتابع: “ابني الذي أنجبتُه أنا بولس بالقيود”: وهل من كلام أوضح وإعلان أفصح للأبوّة “البولوسيّة؟ وهل من تفسير آخر لهذه الآية سوى الأبوّة الرّوحانيّة الرّسوليّة؟ وربّما يتذرّع بعضهم بأنّ بولس أو يوحنّا أو بطرس كانوا متقدّمين في السّنّ فأخذ كلّ منهم لقب الأب أو دوره– كما ادّعى أحد المبدعين في حوار مع الدّاعي أنعم الله عليّ فيه بصبر أيّوب. “عذر أقبح من ذَنب”! هل يعذر التقدّم في السّنّ رسل المسيح أنفسهم – وسواهم – من تتميم تعليماته ويسمح لهم بمخالفة وصاياه إذا قال بالمعنى المطلق: ممنوع تسمية أحد (من الرسل وخلفائهم) بالأب؟ ولماذا ما دعوا أنفسهم “أجداداً” بدل “آباء” بما أنّهم طعنوا في السن وقد اشتعلت رؤوسهم شيباً؟ وإذا كان بولس الآن – مع فيلمون – شيخاً ، فكيف أكّد في الرّسالة الأولى إلى القورنثيين أنه هو الذي أنجبهم في المسيح (4: 15) – وكان حينها في مقتبل العمر وعزّ الشّباب؟
بطرس الرسول يُشير إلى مرقس “ترجمانه”: “يسلّم عليكم مرقس ابني” (1 بطرس 5: 13). ويخاطب كلاًّ من تيموثاوس وتيطس بعبارات “ابني” و”ابني الحبيب” و”ابني الصادق في الإيمان” (اوّل كلا الرسالتين إلى تيموثاوس والرسالة إلى تيطس). ويوحنا الرسول الحبيب يردّد كثيراً عبارات منها “يا أولادي” و”يا أولادي الصغار” في رسالته الأولى خصوصاً في الفصول الأول إلى الرّابع. وهذا غيض من فيض.

الأبوّة الكهنوتيّة عبء أكثر منه شرف!
“يتكهرب” بعض “النماريد” من مسيحيّينا (ومنهم مَن “عظم أكتافه ولقمة عيشه منّا ومن أديرتنا ومدارسنا ومؤسساتنا)- رافضين تسمية الكاهن “أباً”، وكأنّهم بذلك يخففون من “جنون عظمة الاكليروس”! ويأنف بعضهم من تقبيل يدي الكهنة، في حين يتسابقون في لثم أيدي ممثّلات يعلم الله ماضيهنّ وحاضرهنّ والملا… فاتهم أنّ “أبانا” أو “الأب” ليس لقب عظمة، بل هو لقب حنان ملزم للكاهن تسعين بالمئة أي أن يكون اباً روحانيّاً عطوفاً شفيقاً محبّاً خدوماً (عن عبرانيين 5: 2 وتابع) والتزام عشرة بالمئة أو اقلّ للمؤمنين الذين عليهم احترامه أو الأقرب إلى المطلوب احترام كهنوته الذي هو نعمة مجّانيّة نالها لخير الناس!
ويضيق هنا المجال لذِكر مناقب أي أفضال الكهنوت المسيحيّ ولا سيّما الكاثوليكيّ عبر التّاريخ، ليس فقط في أمور الدين والأخلاق بل في مجالات العلوم والآداب والفنون. ولكنّ تاريخنا في المدارس مشوّه ناقص، ونأمل من وزارات المعارف في بلادنا أن تصحّح الأخطاء، ولا سيّما الخطيرة، وتسدّ الثغرات أي إغفالها غير المبرّر لسبعة قرون من الزمان كانت فيها بلادنا مسيحيّة عاشت “حضارة المحبّة”.
قال القديس فرنسيس الأسيزي: “إذا صادفتُ أحد الملائكة وكاهناً سلّمتُ على الكاهن أوّلاً”. وكان يحلو للقديس يوحنا بوسكو – الذي تزورنا في هذه الأيّام ذخائره – أن يردّد: “أعظم نعمة للأسرة المسيحيّة أن ينتخب الله أحد أبنائها كاهناً له تعالى”. وقالت الرسالة إلى تيموثاوس: “الكهنة الذين يُحسنون التدبير يستأهلون قدراً مضاعفاً، ولا سيّما الّذين يتعبون في خدمة الكلمة والتّعليم” (1 تيم 5: 17)